ديوان «قوارير» بصماتٌ منغرسة وأيادٍ نديَّةٌ

حاتم جوعية

مقدِّمة وتعريف: – الشَّاعرُ الكبيرُ والمُخضرَمُ المرحومُ الأستاذ”ميشيل حداد” كان وما زالَ بعدَ موتهِ الجسديِّ أشهرَ من نار ٍعلى علم فهو من الشعراء البارزين والرَّائدين محلِّيًّا. عملَ في سلكِ التعليم لفترةٍ طويلة ( قبل عام 48 – زمن الإنتداب البريطاني – وحتى أوائل الثمانينيَّات من القرن الماضي -. بدأ يكتبُ الشعر والمقالات الأدبيَّة والإجتماعيَّة وغيرها منذ نعومةِ أظفارهِ وكان غزيرَ الأنتاج متدفقَ العطاء ونشرَ إنتاجَهُ الكتابي في معظم وسائل الإعلام المحليَّة، وخاصَّة في مجلةِ المجتمع التي كان يُصدرها منذ أواسط الخمسينيَّات حتى أواخر التسعينيَّات تقريبًا… والجديرُ بالذكر أن الأستاذ ميشيل حداد كان يتبنَّى ويدعمُ المواهبَ الشَّابَّة والناشئة ويأخذ بيدِهَا من شعراءٍ وكتابٍ وفنانين ومطربين ورسَّامين ورياضيين… إلخ.. ويعملُ على تسليطِ الأضواءِ عليها وينشرُ انتاجَها وابداعاتها سواءً في مجلتهِ المجتمع أو وسائل الإعلام الأخرى، أو في منشورات وإصدارات خاصة كمجموعات شعريَّة وخواطر أدبيَّة مشتركة لعددٍ من الكتاب والشعراء الناشئين كان هو يعمل على جمع كتاباتهم وإبداعاتِهم ويشرف على إنتاجها وإصدارها. وللشَّاعرِ المرحوم ميشيل حدَّاد بصماتٌ منغرسة وأيادي نديَّةٌ طائلةٌ في حياتِنا الثقافيَّة والأدبيَّة وفي انتاجنا وإبداعنا المحلِّي شعرًا ونثرًا. لقد أصدرَ الكثيرَ من الدواوين الشِّعريَّة التي ستظلُّ دوحة مزهرةً ريَّانةً باسقة ووردةً يانعةً فوَّاحةً في فردوسِ الشِّعر المحلِّي الإبداعي. وهو يُعتبرُ بحقٍّ وحقيقةٍ في طليعةِ الشُّعراء المحلِّيِّين المُبدعين والرَّائدين المُجدِّدين وأوَّلَ من كتبَ الشِّعرَ الحديث الحُرِّ في الدَّاخل وربَّما شعر التفعيلة أيضًا – عندما كان الشعرُ الكلاسيكي التقليدي هو المهيمنَ وصاحبَ الصدارةِ محليًّا وعربيًّا – رغم معرفتِهِ وإلمامهِ الواسع بالأوزان (علم العروض ) وطاقاتهِ العظيمة في نظم القصيدةِ الطويلةِ الموزونة والمُقفَّاة ومقدرتة الفذّة وتمرُّسهِ في اللغةِ العربيَّة -. وبعدَ أن خرجَ للتقاعد، من مهنةِ التدريس، تفرَّغ كليًّا وبشكل دائم للكتابةِ والإبداع وكان يعملُ رئيسًا لتحرير مجلَّة” المجتمع” قبل إغلاقها بأمر من السُّلطة، وتولَّى أيضًا منصبَ الرَّئيس الفخري لرابطةِ الكتاب والشُّعراء الفلسطينيِّن في الداخل ( داخل الخط الأخضر – عرب ال 48) حتى أيَّامهِ الأخيره.

مدخلٌ: من الدواوين الشِّعريَّة التي صدَرَت لهُ قبلَ وفاتِهِ بفترةٍ قصيرةٍ ديوان بعنوان: (قوارير) الذي لفتَ انتباهي واهتمامي وَشدَّني كي أكتبَ عنهُ. لا أريدُ الإطالة في هذهِ الدراسة أو المقالة الإستعراضيَّة وسأركِّزُ الأضواءَ قدرَ الإمكان على بعض القصائد التي تشملُ شكلَ وفحوى طابع الديوان… ومن خلالها أستطيعُ أن أكشفَ النقابَ على كلِّ ما أريدُهُ وبشكلٍ موجز ومختصر.

الديوان” قوارير” من الحجم المتوسِّط يقعُ في 99 صفحة مطبوعٌ طباعة أنيقة وفاخرة. وقد أهداهُ إلى نسائِنا وفتياتِنا المُتحَرِّرَات منهنَّ والمناضلات من أجل تحرير الوطن المحتل، وإلى كلِّ الآباء والإخوة المتفهِّمين لما تُعانيهِ الكثيرات من نسائِنا وبناتِنا من ضغطٍ وَكبت (حسب ما جاء في الإهداء)

الديوانُ من ناحيةِ الشَّكل والبناءِ الخارجي هو من الشِّعرالحديث الحُرّ الذي لا يخضعُ لقيودِ الوزن والقافيةِ ولكننا نلمسُ بهِ موسيقى داخليَّة أخَّاذ َّة. وقد جاءَت بعضُ الجمل وبشكل عفويٍّ موزونةً… ومن ناحيةِ الموضوعيَّةِ فأكثر من ستين بالمئة من قصائد الديوان تعالجُ شؤون الفتاة والمرأة العربيَّة ويدعو لتحريرها من الكبت الذي تحياه ومن الظلم والإجحاف المُحدق بها من قبل المجتمع، ويدعُوها للثورةِ والنضال وللإنطلاق مع ركبِ الحضارة والتطور والإبداع والتقدُّم. ففي القصيدةِ الأولى من الديوان بعنوان:” أصفاد – صفحة 7″ يُجَسِّدُ فيها الشَّاعرُ كلَّ ما ذكرتُ، يقولُ:

(“أيَّتُهَا الغزالة السَّجينهْ

حَبَّذا لو كانت مفاتيحُ أصفادِكِ في متناول يدي

لتحَدَّيتُ الجميعَ وقفزتُ من فوق الأسوار//

وجعلتُ في مِعصمي جسرًا لعبوركْ

لكنَّني والأبوابُ مقفلة// والحُرَّاسُ يمتلكونَ المفاتيحَ//

أجَسِّدُ عقائدي الثابتهْ// واقتناعاتي النهائيَّة//

وكلّ ما في جُعبتي من أدوات// لأحرِّرَكِ من ربقةِ الأسرْ

وأرُدَّ عنك تهديدَهم وَتزمُّتهم// وأعيدَ إليك بستانك الضائع

وأبناءَك التائهين//).

ونلمسُ أيضًا الطابعَ الوطني والقومي في بعض العبارات من هذه القصيدة ونرى مُعاناة ودموع كلِّ أمٍّ قتلَ أبنها وكلِّ فتاةٍ استشهدَ أخوها في الإنتفاضة المُباركة فيقولُ:

(“وأعيدُ إليكِ بستانكِ الضائع // وأبناءَكِ التائهين//.

ويقولُ أيضًا في مطلع القصيدة ذاتها:

(“في فتراتٍ مبَكِّرةٍ// أكتبُ لعينيكِ قصيدة حارَّة

أضمِّنُهَا لحنا منَ الغضبِ المُقدَّس//

أعزفهُ على كدر قلبي المُتوتِّر //

وجراحاتِ الشُّهداءِ المُتجَدِّدَهْ //”). وفي القصيدةِ الأخيرةِ من الديوان بعنوان:” رمقٌ في الصَّدر” يقولُ أيضًا:

(“أحملُ نيرَ استعبادِكِ على كاهلي، // وأحترمُ بصيصَ أمل تبصريهِ عن بُعدٍ

بريدُكِ حملَ إليَّ الحُكمَ المُجحفَ بإبعادِكِ عن دائرةِ الضوء،

وبإلقائِكِ في غياهبِ الظلمةِ، فلا تيأسي…) …إلخ.

وفي قصيدةِ”رُوزَه” يرمزُ للفتاةِ العربيَة بنبتة” الروزَة” المُزهرة التي يُحاولونَ أن يقصُّوا أغصانهَا كي لا تنمو وتزهر وتنشر عبيرَها الفوَّاح، فيقولُ:

(“يقصفونَ الأغصانَ الطريَّة // عن نبتةِ الرُّوزه ذات العبق//

دعوها تنمو وتنشر عبيرَها // دعوها تملأ الفضاءَ شذ ى

خضرة ورق ونقاء زهر// منمنمَة متقاربةً كشعبٍ باسل//

ينشدُ الحقَّ وسياج الوطن//

والرَّائحة الزَّكيَّة // لأغصان مورقةٍ وزهر ثريّ // كنبتةِ الرُّوزه ذات العَبقْ //

إنَّهُ يرفضُ الحزنَ السَّاجي واليأسَ والإحباط الذي يُهيمنُ على الفتاةِ العربيَّة، فهو يتالَّمُ ويرثي لها ويبكي لأجلها وكأنَّ خطيئة الازل تجثو امامَ طهرها وأمامَ حُبّها الأبيض، يقول:

(“الحُزنُ المَُكثَّفُ العميق // يُضَلِّلُ ملامحَ وجهك // فأبكي في داخلي وتبكين // وأحمِّلُ ذاتي كلَّ المسؤوليَّة//

ويقولُ: (“أيَّتها الغاليَة التي تعاقبُنِي بصمتٍ

خطيئةُ الأزلِ تجثو أمامَ طهرك // أمامَ حُبّكِ الأبيض النقيّْ //

أعيدِي البسمة إلى ثغرك // أزيحي عنك هذي المرارة //

هذا الألم المُمِضْ //

فحُزنكِ الأبيضُ المُكثف العميق // يقضُّ مضجَعِي //

ويُعذ ِّبُ براءةَ ضميري //” ).

إنَّ شاعرَنا المرحوم” ميشيل حداد” في قضيَّةِ تحرير المرأة يلتقي مع الشَّاعر السُّوري الكبير”نزار قبَّاني” في بعض الأحيان ولكنَّهُ يختلفُ عنهُ في نهجهِ وإيديلوجيَّتِهِ وفي أسلوبهِ وطرحِهِ للموضوع وفي لغتِهِ الشعريَّة وتوظيفاتهِ البلاغيَّة المترعة بالإيحاءات والتعابير الجنسيَّة الواضحة والفاضحة. فنزار قبَّاني كرَّسَ معظمَ كتاباتِهِ وأشعارهِ للمرأةِ مُطالبًا ومُناديًا لتحريرها من الرِّقِّ والعبوديَّةِ والإستغلال وظلم المُجتمع وإجحافهِ لحقِّها وتسلُّط الرَّجل وظلمهِ وتحكُّمهِ بها. ولكن نزار ومن وراء الكواليس وبشكل ٍغير مباشر ينحرفُ مَسارُهُ نحو الدور والطابع الإباحي والإنحلالي ونحو اللهو والعبث. فهوَ يطمعُ ويريدُ من المرأةِ أن تكونَ مَطيَّة للرجل ودُمية يلهو بها كيفما يشاء ومصدرًا لإثارتِهِ وللذ َّتِهِ ولإشباع رغبتِهِ الجنسيَّة. فالمرأة حسب ما هو واضحٌ في معظم ما كتبهُ نزار قد خُلِقتْ فقط لأجل الجنس واللهو والعبث والتمتُّع، فيدعو لتحريرها جنسيًا… أي أن تكونَ مُنحلَّة أخلاقيًّا ومطيَّة للرجل فقط وليسَ للعلم والإبداع والإنطلاق الحضاري البنَّاء …لا يدعو لتحريرها سياسيًّا واجتماعيًّا بحيث تكونَ نصفَ المجتمع بجدارةٍ وعامودَهُ الفقري ورفيقة الرَّجل في دربهِ ومشواره الطويل… أي عكس ما كانَ يتبجَّحُ بهِ نزار في القاءات الصحفيَّةِ التي أجريَت معهُ.وبإختصار هو لا يحترمُ المرأةَ ولا يكنُّ لها أيَّ حُبٍّ نظيفٍ صادق وعفيف. يقولُ نزار قبَّاني في إحدى قصائِدِهِ مثلا:

(“ما زلتُ أحرثُ كالحصان ِعلى السَّرير ِالواسِع

ما زلتُ أزرعُ تحتَ جلدِك ألفَ طفلٍ رائِع

ما زاتُ أسكبُ في خليجِكِ رغوتي وَزَوَابعي

ما بالُ أفكاري دعيها جانبًا.. إنِّ أفكِّرُ عادَة بأصابعي“)

وأمّأ ميشيل حداد فيدعو لتحرير المرأةِ سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا ولكنَّهُ يرفضُ الإنحلالَ فهو يحترمُ المرأة كثيرًا فهي الجزءُ المكملُ للرَّجل ونصفهُ الضائعُ. فالمرأة لها مركزُها واحترامُها وأهمِّيَّتها ودورها الفعَّال ويجبُ أن تكونَ على مستوى عال وحظ وافر من العلم والاخلاق والآداب والإلتزام والإنضباط. فبدون تحرّر ِالمرأة من قيودِ التخلُّف والرَّجعيَّةِ التي فرضَت عليها منذ القدم لا يمكن للشعب أن يتحرَّرَ من ظالميهِ وَمُغتصبي حقوقِهِ وبلادِهِ،لا يتحرَّرُ ونصفهُ يرضخُ في القيود فهي نصفُ المجتمع. ففي قصائِدهِ الغزليَّةِ والوجدانيَّةِ نلمسُ ونرى الصدقَ والعاطفة َالبريئة الشَّفافة التي تكِنُّ للفتاة كلَّ ودٍّ واحترام وحُبٍّ وتقدير، فهي إنسانةٌ وليست حيوانةً أو مَطيَّةً للركوب وللجنس فقط كما يريدُها نزار قبَّاني الذي كان طيلة حياتِهِ يلهثُ بينَ للسيقان والنهود.

يقولُ ميشيل حدَّاد في إحدى قصائدِهِ من هذا الديوان:

(“حينَ تقبلينَ نحوي // عبرَ أسلاكِ الهاتف // يخفقُ قلبي بحَذ َرْ

وأمسِكُ عنِ الكلامِ لتُوَاصِلي // فأستمتِعُ أقصَى ما يُمْكِنْ //

بنقاءِ صوتِكِ البكرْ // وبحديثِكِ المُمْعِنِ بالتفاؤُلِ //”)

أيُّ كلامٍ جميلٍ رائع وأيَّةُ عاطفةٍ بريئةٍ صادقةٍ وَحِسٍّ مُرهفٍ. إنَّهُ الحُبُّ البريءُ الطاهرُ لهذا النصفِ الآخر من المُجتمع لذي سيلعبُ دورَهُ الجدِّيَّ عاجلا أم آجلا وسيأخذ مكانهُ وحجمَهُ الطبيعي ليُكملَ المجتمعَ وَيُوَاكِبَ المسيرة وليصبحَ ( مجتمعنا العربي) مجتمعًا متطوِّرًا متكاملا.

قد يعجبك ايضا