الرأسُ بوصفه معيارا للشموخ  

 

د . صباح ايليا القس

 

اعتاد الشعراء القدماء على اعطاء القلب مساحة عاطفية احيانا وقوة احتمال وشجاعة احيانا اخرى وقد يعدونه مصدر الالهام والتحكم في اصدار القرار والقلب حقيقة بريء مما ينعتونه به من صفات هو غريب وبعيد عنها وهي بريئة منه فهو بحسب علم التشريع الحديث ليس سوى عضلة دافعة للدم وبوساطته ينتقل الدم من هذه المضخة الى خلايا الجسم عن طريق الدورة الدموية الكبرى والصغرى .

ومعنى هذا ان القلب عضو في الجسد مثل الاعضاء الاخرى ليس له فضل في النشاط العقلي سوى ما يدفعه من دم الى الدماغ الذي يصدر القرارات ولكن الدماغ والمخ ليس لهما وجود محترم في الادعاءات الشخصية من قوة وشجاعة هما المخولان بتنفيذهما كذلك العلوم والمعارف والعواطف اذ تنسب اعتباطا الى القلب .

الرأس وما يشتمل عليه من الوسائل والاعضاء العقلية هو المسؤول عن الشجاعة والسيادة والعواطف وبوساطته تكون قرارات الحرب .. يقول الشاعر زيد الخيل :

وقومـــي رؤوس النــاس والــــرأس قائــــدٌ         اذا الحـــربُ شبتهـــا الأكـــف المساعـــر

فالشاعر وقومه هم رؤوس الناس وهم القادة والمسؤولون عن تنفيذ مهمات القتال من الاعداد والتموين وتوزيع الناس على المواقع فهم الآمرون وعلى الآخرين التنفيذ والخضوع وليس يخفى المعنى الضمني للبيت فاذا كان الشاعر وقومه هم الرؤوس فمعنى هذا إن الآخرين هم الاذناب وفي هذا تحقير وتحجيم للآخر اذ لا يمكن أن تتعادل الكفتان مهما اجتهد الجانب الآخر , واذا كان الآخر معترضا فلا يمكن أن يرقى أن يكون ندًّا امام الزخم الحاصل في الميدان ..

والرؤوس لا يسألون عن الاكف التي اشعلت فتيل الحرب فالقبيلة وحدة متماسكة والقادة مسؤولون عن اي شخص بغض النظر عن طبيعة الفعل فالجميع يندفعون للمساعدة والمساندة ويقفون وقفة رجل واحد ضد الآخر حتى النهاية .

يقول الشاعر عبيد بن الابرص :

إننـــا انمـــا خُلِقْنــــا رؤوســــــاً        مـــن يُســوّي الــرؤوس بالأذبــــابِ

ليس في الشطر الاول ما يوحي بشاعرية متميزة إذ هو لا يعدو أن يكون جملة تقريرية خالية من الابداع لكن هذه الجملة ممهِدة للشطر الثاني والابداع الذي اقرّه الاستفهام الانكاري الذي يشير الى حقيقة عدم تساوي الرؤوس بالاذناب على مستوى الواقع الاجتماعي فالرؤوس هم القادة كما اشرنا والاذناب هم دون ذلك حتماً .

يشير الشاعر الحطيئة الى جانب آخر من علامات الرأس ذلك هو الوجه بوصفه مرآة الرأس وهذه المرآة تظهر الملامح الحقيقية لموقف الفارس باقتداره والمهزوم بخوفه واصفراره يقول :

مطاعـيــــن فــي الهيجــــا بيــــض وجوههــــم

إذا ضــــجّ اهــل الــــروع ســـاروا وهــــم وُقـْــــر

 

فالمطاعين هم الفرسان الذين يطعنون الاعداء ووجوههم بيض دلالة السيطرة والشجاعة والاندفاع لا سيما اذا ادركوا عند استطلاع وجوه الاعداء وهم مرعبون ( روع ) يخرجون من ميدان المعركة صامتين بينما يعلو صوت المندفعين فرحا بالانتصار .

الوجه الابيض لا نقصد به طبيعة لون البشرة انما القصد هو البِشر والفرح والبهجة التي يحققها الشجعان المنتصرون , فالبشاشة توحي بالخير كذلك إلتماع العيون والاسترخاء عند مقارعة الاعداء بينما توحي وجوه المهزومين باليأس والقنوط والحزن ما يعطي دليلا على التخاذل والخسران والهزيمة يقول ابو كبير الهزلي :

واذا نظـــــرتُ الــــى أســــرَّة وجــــهه         برقـــت كبـــرق العــــارض المتهـــلل

عنوان هذا البيت واضح الدلالة فسرور الوجه دلالة الانتصار ومن شدة التفاؤل يكون التشبيه بالبرق اللامع في يوم مطيرعلى ان نأخذ بالحسبان قيمة المطر في الارض الصحراوية ومدى حاجة الانسان للماء سواء للشرب ام لنماء الزرع الذي يعني تجدد الحياة للانسان والحيوان ومن دون المطر يكون الهلاك أكيداً .

قد يعجبك ايضا