تزرين يعقوب سولا
دخلتُ غرفة الصرّاف الآلي…
مساحة صغيرة، جدران قريبة، ثلاثة أجهزة تعدّ النقود.وكان الوقت مساءً قريباً إلى الظلام
لم يمر الوقت كثيرا حتى ازدحم المكان ، وكان كل من فيها رجالاً.
في أماكن كثيرة قد يُفسَّر المشهد قلقاً،
لكن الغريب أنني لم أشعر بالخوف لحظة.
كان الصمت سائدا…
لا نظرات مزعجة، لا استعجال جارح،
فقط وقوف لا يسمع صوتُ سوى صوت أجهزة تعد النقود..
عندما انتهيتُ، أدرت وجهي نحوى الباب كان من الصعوبة الوصول إليهِ بسبب الازدحام وضيق المكان ، ما أن بادر أحدهم ، بفتح ممراً لأخرج بسهولة.
لم يقل شيئاً بطول خطاب، مجرد إشارة بيده، وتراجع خطوة ، وفتح ليَّ البابَ
كأن الطريق أصبح أوسع فجأة…
شكرته بإيماءةٍ وتمتمةٍ خافتةٍ. ، فظهرت على وجهه ابتسامة رضا،
الابتسامة التي
تُسعد صاحبها أكثر مما تُسعد من قُدِّمت له.كان رضاه عن نفسه أكبر من الموقف.
كأن خطوة بسيطة منحته شعور البطولة
في تلك اللحظة فهمت شيئاً بسيطاً…
النخوة لا تحتاج مناسبة كبيرة
قد تظهر في باب يُمسك،
أو خطوةٍ يتراجعها أحدهم كي تمر امرأة بأمان.
نحن لا نعيش بالأقوال فقط،
بل بتفاصيل صغيرة تحرس يومنا دون أن نشعر.
نقول في لهجتنا..
“الطريق إله أهله”
أي أن المكان يصبح أكثر أماناً حين يسكنه الضمير.
ليست بطولة…
وليس موقفاً استثنائياً…
بل عادة متوارثة،
كبرنا ونحن نراها في الأسواق، في الحافلات، في الطوابير،
وفي كل مساحة مشتركة بين الناس. نخوة هادئة، لا تُصوَّر بالكاميرات، ولا تُكتب في الأخبار، لكنها تُسجَّل في ذاكرة الشعور.
هناك أمان تصنعه القوانين…
وهناك أمان تصنعه الأخلاق.
الأول يُفرض، والثاني يُورث.
ولهذا، حين خرجت من تلك الغرفة الضيقة،
شعرت أن المكان لم يكن صغيراً أبداً…
كان يتسع لقيمة كبيرة اسمها الاحترام.
فخرٌ بمجتمعنا الكوردي…
وفخرٌ بأهل العراق،
حين تبقى المروءة عادة يومية لا مناسبة نادرة.