الكورد الفيليين وعيد نوروز والسومريون

 

 

اعداد: عدنان رحمن

اصدار: 28- 3- 2023

 

تمتد جذورالاحتفالات بعيد نوروز الى عصور ما قبل الميلاد حتى وصلت الى الاجيال الحاضرة عند العديد من القوميات والشعوب في العالم ([1])، خصوصاً الكورد ومنهم الكورد الفيليين، بحيث مورست طقوس الاحتفال بها في الأعياد السومرية، يتبين ذلك في مبحث د- خزعل الماجدي، حيث أنها كانت ترتبط بفصل الربيع خصوصاً بيوم 21 من كل شهر آذار في كل عام، الذي يحتفل به الكورد عامّة والفيليين خاصة، حتى عند بعض الشعوب الأخرى ([2]):”

  • عيد إش إش : العيد الاسبوعي المرتبط بالقمر، ومراحل القمر الأربـــــــــــــــع ( الظهور، التعاظم، التناقص، والغياب)، ثم الظهور الثاني للقمر بعد ثلاث ليال من الديجور قد أدت دوراً كبيراً في صوغ المفاهيم الدائرية. وكان السومريون يسمون كل مرحلة باسم ويضعون سبعة ايام لكل مرحلة يكون اليوم السابع هو يوم ( إش إش)، أي الاحتفال بانجاز مرحلة من مراحل القمر، وهذا بالضبط مصدر فكرة عطلة نهاية الاسبوع، ومنها جاءت كلمة السبت، ففي يوم السبت كان الناس يرتاحون من العمل ويحتفلون بنهاية مرحلة جديدة من مراحل القمر. وينسحب هذا المنظور القمري على العمق الانساني حيث كانوا يرون موت أو سبات الانسان مثل موت البشرية الدوري، كضرورة موت القمر أيام المحاق الثلاثة التي تسبق عودة ولادة القمر، يعني هذا ان الموت تهيئة لاعادة الولادة.

 

  • عيد زاموء : من الاعياد المؤقتة عند السومريين الذي يمثل عيد رأس السنة، يحتفلون به مرتين الاول في الاعتدال الربيعي ( عيد زاموء الاول) وهو عيد الحصاد والخضرة، وكانت تقام فيه أعراس الإله دموزي وإنانا وطقوس الزواج المقدس ويصادف تحديداً 21 آذار من كل سنة وهي بداية السنة السومرية. وهناك عيد زمواء الثاني، لكنه مع إختفاء السومريين السياسي اضمحل تدريجياً وأصبح هناك عيد دَوري واحد هو، عيد الأكيتو الذي يحتفل به السومريون في 21 آذار من كل سنة، وهو بداية التقويم السنوي عندهم.
  • عيد الأكيتو: وكلمة أكيتو تعني ( اسم أحد الأعياد العراقية المهمة، وكذلك المكان الذي تقام فيه احتفالات هذا العيد). ويُعتقد انها سومرية الاصل مركبـّة، وان أقدم ذكر لها في اللغة السومرية ورد في لوح اقتصادي عُثر عليه في مدينة أور، يعود الى الفترة التي سبقت العهد الأكدي بقليل. وفي زمن سلالة اور الثالثة. وحسب تقويم ( اور) كانت احتفالات الأكيتو تحدث مرتين في السنة، الاولى في الشهر السادس والثانية في شهر حصاد الشعير الذي يصادف الشهر الثاني عشر ( آذار- نيسان)، ونادراً ما كان يُقام في الشهر الاول من السنة، ويبدو ان عيد الأكيتو السومري كان مرتبطاً بالإلهة إنانا ودموزي، حيث كانت تقدم الضحايا لـ ( إنانا) في اليوم الحادي عشر من العيد الذي يبدأ في اليوم الاول من شهر أكيتو، يمكننا على هذا الأساس افتراض ان عيد الأيام الاثني عشر، الذي هو عيد الأكيتو في بابل كان قادماً من عيد الأكيتو السومري.
  • عيد إيزنماخ: وهو العيد الكبير، الذي ذكرته بعض الرُقم السومرية، والذي كان أحياناً يختلط مع العيد الربيعي”.

 

  وعن الاحتفال بعيد نوروز ( سال نو) ( السنة الجديدة) الذي لم يقتصر على الشعب الكوردي فقط، بل شعوب عديدة تحتفل به، فلكل قومية طقوس واحتفالات معينة، لكنها تشترك بطقس الشعلة ( شعلة النار) كلٌ على طريقته. وهذا ما كان موجوداً في العصر العباسي. وفي المتن اشارة الى ممارسة الاحتفال بعيد نوروز في العصر الساساني، كما ورد عن الشاعر ( عمر الخيّام):

  • ” تجدر الاشارة الى ارتباط عيد نوروز بالجانب الاقتصادي في العصر العباسي الرابع، خصوصاً في عصر النفوذ السلجوقي، حيث كانت ابرز أعمال الحاكم السلجوقي ( ملكشاه) ثبتت العلاقة بين موعد عيد النوروز واستيفاء الخُراج الذي يؤخذ من الرعايا، ومن اجل ذلك وبغية تثبيت تاريخ النوروز في موعد مُحدد من كل سنة وجعله يتناسب مع ميعاد جمع الخراج ونضج المحصول، ألفّ لجنة من كبار الفلكيين سنة (467 هـ- 1074 م) كان من ضمنهم الشاعر ( عمر الخيام) صاحب الرباعيات، الذي وضع بحثاً باسم ( نوروز نامه) مبيناً فيها سبب وضع عيد النوروز وموضحاً فيها المراسم والاحتفالات، التي كانت تقام في عهد الساسانيين بهذه المناسبة. حيث توصلت اللجنة المشكلّة فيما بعد الى تحديد رأس السنة الشمسيـــــــــة ( نوروز) في أول نقطة من دخول الشمس برج الحمل، بعد ان كان يقع عند توسط برج الحوت. وقد عُرِفَ هذا التقويم بالتقويم الجلالي أو السلطاني ([3]).

وقد ورد عَن الشاعر مهيار الديلمي المتوفي 428 هـ ذكراً لنوروز، عندما بعث بقصيدة الى الصاحب ابي القاسم عبد الرحيم يهنئهُ فيها بالنوروز، مشيراً فيها الى عادة  توزيع كسوة الشتاء على الناس في عيد النوروز:

       حاشاك من عاريــــة تـــَرِد       أبيض ذاك الشعرالمــــِسوّد

وكيف طبت ان يرى فريسة      نفسا وأيام الشتاء أسد

                  يحتشم النيروز من إطلالــه      والمهرجان يقتضيك بعد

                          اما في عصر السلطنة العثمانية وفي عهد عبد الحميد، كما ورد عن الاميرة عائشة ([4]) في مذكراتها عن طقوس الاحتفال بعيد نوروز في القصر السلطاني، ومنها ما يأتي:

  • ” النوروز هو اول ايام الربيع، وكانوا في اليوم السابق له يُعدون فيهـــــــــــا ( الأجزاخانه الهمايونية) حلوى حمراء تُسمى ( معجون النوروز)، وينثرون فوقها مسحوقاً ذهبياً، ثمّ توضع في صناديق جميلة معقودة بالتل، ويوزعونها على أفراد الاسرة الملكية، وعلى الوكلاء وأصحاب المناصب وعمال السراي، وكانت حلوى لذيذة، يقال له: ( ان تناولتها عند الصباح الباكر والمعدة خاوية فهي شيء مفيد)، لذلك كانت توضع على صِحاف من الفضة والى جانبها سبعة أنواع مختلفة من اشياء اخرى تبدأ بحرف ( س)، وهذه الاشياء هي: ( السمسم، الحليب، البقسماط، الماء، السحلب، الزعفران، والثوم)، وكانوا يعتقدون إنّ لَعق شيء من هذه الانواع جدير بجلب الشفاء. وفي عيد النوروز كان يأتي من السفارة الايرانية معاجين وأنواع مختلفة من الحلوى المصنوعة بالطريقة الايرانية الى المابين الهمايوني، وقد وضعت في علب مزّينة وأوان من القيشاني القيـّم فوق صِحاف كبيرة مُغطاة بالقِماش، ويقدمونها هدية الى والدي، وعندما يكشف الغطاء عن حلوى النوروز هذه تجدُ عليها اسم والدي مكتوباً بالعملة الذهبية الايرانية الصغيرة، التي رُسمت عليها صورة شاه ايران، ويقوم والدي فيرسل منها الينا، أو إلى مَن يشاء”.

وعن احتفال الكورد الفيليين بعيد النوروز، فلأنّ يوم 21 -3 ( عيد نوروز) من كل عام، الذي يُعَد عيداً قومياً كوردياً، والذي يُسميه الكورد الفيلية ( سال ته يول)، يحتفل به كل الكورد الفيلية جماعياً وعائلياً في كل مكان يتواجدون فيه. ولأنّهُ أول يوم من السنة الجديدة وبقدومه يأتي الربيع ودفئ ونور الشمس.

        كان الكورد الفيلية يحتفلون به بتبادل الزيارات العائلية وتحضير الصينية، التي تحتوي على ما لذّ وطاب من الأكلات الشهية والفاكهة والحلويات وألكرزات والكثير من الشموع، والتي يجتمع حولها جميع أفراد العائلة حتى انطفاء آخر شمعة.

                    وفي يوم نوروز كان الكثير منهم في بغداد كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً، شيباً وشباباً يذهبون إلى منطقة ( سلمان باك) مع قِدر كبير من ( الدولمة) والكثير من الكرزات والفاكهة والشربت ليقضوا سوية يوماً مليئاً بالفرحة واللعب”.      

                  نضيف الى ذلك ما ذكره الاستاذ صباح الفيلي، الذي نشر مقالاً في  جريدة ( نداء الكورد)، التي كانت تصدر في لندن قبل عام 2003 عن مشاركة والي پشتكو بالاحتفالات في نوروز:

  • ” ان أحد شاهات ايران استضاف والي پشتكو في مناسبة عيد نوروز, فاصطحب الوالي مصارعاً قوياً ليشارك في الاحتفال, وعند منازلته حيواناً ضخماً تمكّن من رفعهِ ورميهِ على الأرض بقوة , ومن شدّة دهشتهُ وصف الشاه المصارع بالفيل”.

وورد في مخطوطة لكاتب المقال ( قيد الإصدار) بعنوان: (گرمسير- بدرة وزرباطية وجصان) عن الاحتفال بعيد نوروز في منطقة گرمسير، خصوصاً بدرة، ما يأتي:

  • ” كان اهالي بدره في عيد نوروز يذهبون الى المراقد الدينية: ( سيد حسن, سيد علي يثرب, وسيد علي الصالح)، أو الى قرية العقر التاريخية القريبة, فضلاً عن قيامهم بممارسة مراسيم الاحتفال من حيث اختيار الملابس الملابس الكوردية والمأكولات الخاصة بها، ويحتفلون بها من خلال إقامة الدبكات الكوردية”.

[1] – كانت قرى الصعيد في مصربدءاً من السنة القبطية 1880 تقيم مهرجاناً يرتدي فيه أحد القرويين ملابس ملك هزلي يُـدعى ( أبو نوروز) أي ( أبو العالم الجديد) ويستمرهذا المهرجان ثلاثة ايام، ثم يخلع القروي ملابس الملك ويـلقيها في النار، فاذا أحترقت برزالقروي في موضعِ رمادها بملابسه العادية الجديدة. وهذه العادة تمثل في رأي ( وينرايت العالم الاثري) الذي كان يعمل في مصلحة الآثار المصرية سابقاً، حيث يقول كانت هذه الطقوس آخر درجة من درجات تطور لتلك العقيدة الدينية القديمة التي عانى منها كثيراً الفراعنة. للمزيد ينظر: اميلي ديفيز في مجلة- رسالة الاخبار.

[2] – خزعل الماجدي: متون سومر، ط 1 مطابع شركة الطبع والنشر اللبنانية، منشورات الاهلية للنشر والتوزيع 2008 عمان- الاردن.

 

[3] – د- ابراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري، الشركة العالمية للكتاب، د 1 1989.

[4] – والدي السلطان عبد الحميد الثاني ( مذكرات الأميرة عائشة عثمان أوغلي)، ترجمة: د- صالح سعداوي صالح، عمان- الاردن، دار البشير للنشر والتوزيع، ط 1 1991.

قد يعجبك ايضا