أنا الدولة والدولة أنا: سايكس–بيكو دراسة دستورية، نقدية في أبعاد الشرعية البنيوية للدولة

د. ابراهيم الشرفاني
أستاذ مساعد- القانون الدستوري والنظم السياسية

– [x] المقدمة

تثار أسئلة جوهرية عند دراسة الدولة في الشرق الأوسط: من أجل من وُجدت الدولة؟ ومن يمتلك الحق في إعادة تعريفها؟ هذه التساؤلات تتجاوز البعد القانوني أو الإداري لتصل إلى صميم الأزمة البنيوية التي تعصف بشرعية الدولة السياسية منذ ولادتها. النظر إلى أزمة الدولة باعتبارها مجرد إخفاق إداري أو فشل للنخب السياسية يُعد تبسيطًا للواقع، إذ يغفل العمق الفلسفي لتأسيسها التاريخي.

فالدولة في هذه المنطقة لم تُنشأ نتيجة تطور داخلي أو عقد اجتماعي توافقي بين السلطة والمجتمع، بل جاءت كحل إداري لمعادلات جيوسياسية أوروبية، ثم تم تثبيتها دستورياً وقانونياً ككيان ظاهر الاستقلال لكنه محروم من الشرعية الفعلية داخليًا. بهذا المعنى، الدولة ليست تعبيرًا عن إرادة تاريخية للمجتمع، بل أداة لإدارة مجتمع قسري ومشتت.

– [x] الدولة في الفلسفة الكلاسيكية مقابل واقع الشرق الأوسط

وفق الفلسفة الكلاسيكية، كما عند هيغل، يُفترض أن الدولة تمثل تجسيد العقل التاريخي وفضاء الحرية الفردية ضمن نظام قانوني عقلاني. الدولة ليست اختراعاً تقنياً، بل نتيجة صيرورة طويلة للمجتمع المدني، للصراع الطبقي، ولتكوين المؤسسات. في هذا التصور، الدولة تعكس الإرادة الجماعية وتخلق مساحة للالتزام المتبادل بين السلطة والمواطن.

وعند تطبيق هذا النموذج على دول الشرق الأوسط بعد اتفاقيات سايكس–بيكو، تتضح فجوة عميقة: الدولة لم تنشأ نتيجة تطور داخلي، بل فرضت من الخارج. هي شكل بلا مضمون أخلاقي داخلي، كيان وظيفي يخدم مصالح نشأته الاستعمارية أكثر من خدمة المجتمع المحلي. الدساتير في هذا السياق لا تعبّر عن الإرادة العامة، بل تُستخدم لضبط الحدود والحفاظ على الكيان، وليس لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والفرد.

– [x] الشرعية البنيوية للدولة وغياب العقد الاجتماعي

اللحظة الجوهرية التي يتحول فيها السلطة من قسر خارجي إلى التزام داخلي متبادل، كما يوضح نموذج العقد الاجتماعي عند روسو أو لوك أو هوبز، لم تتحقق في هذه المنطقة. الدولة هنا ليست تعبيرًا عن إرادة شعبية، بل أداة لإدارة مجتمع متجزّأ، مما يوضح هشاشة الشرعية البنيوية التي تقوم عليها.

السلطة في دول ما بعد سايكس–بيكو لا تمارس فقط عبر القانون، بل عبر تقنيات دقيقة لإدارة الانقسامات الاجتماعية — طائفية، إثنية، وهويات ما قبل وطنية. هذه الانقسامات ليست مجرد إخفاق للدولة، بل آلية حيوية في اشتغالها. وفق تحليل فوكو، تتحول معرفة المجتمع إلى وسيلة لإدارة الأفراد والجماعات، لتثبيت سلطة خارجية متوارثة في بنيتها.

– [x] إرث سايكس–بيكو والدولة الحديثة

رغم انتهاء الاستعمار العسكري، إلا أن الدولة التي صُممت لإدارة مصالح خارجية تحوّلت إلى كيان شكلي مستقل، لكنه يواصل أداء وظيفته الأصلية: منع تشكّل سيادة شعبية قادرة على إعادة فتح سؤال الهوية والحدود والتمثيل. الدولة ليست كيانًا جامدًا، بل كيان تاريخي وقابل للتحول كما يشير هيغل. ومع ذلك، فإن تجاوز مأزق الشرعية لا يبدأ بإصلاح إداري أو تعديل دستوري جزئي، بل بإعادة طرح السؤال التأسيسي: لمن وُجدت الدولة؟ ومن يمتلك الحق في إعادة تعريفها؟

حتى استعادة هذه اللحظة، ستظل الدولة قائمة على المستويين الشكلاني والوظيفي، لكنها ستظل، في جوهرها، جهازاً يخدم مصالح بنيتها الأولى أكثر مما يخدم المجتمع الذي يُفترض أنها تمثله.

– [x] الخاتمة

على ضوء ما سبق، تظل الدول المصطنعة محكومة بإرثها البنيوي منذ تأسيسها، ولا تحقق طموحات شعوبها إلا بما ينسجم مع مصالح مُصنِّعيها.

قد يعجبك ايضا