صلاح بكر
تخيل أن تستيقظ غداً وتكتشف أن ميزانية الدولة لم تتبخر في ثقوب المشاريع الفضائية، وأن “العمولات” لم تعد المذهب الرسمي للدوائر. لو خلا العراق من الفساد، لافتتحت لجان النزاهة مقاهٍ لبيع الشاي لعدم وجود زبائن، ولتحولت البلاد من مأساة حزينة إلى قصة نجاح باهرة تثير حسد الجميع.
في قطاع الكهرباء ستحدث الصدمة الكبرى، المنظومة تعمل على مدار الساعة! ستختفي “المولدات الأهلية” التي كانت تنافس عوادمها غازات الدفيئة، ويتحول “الواير” المتشابك بين الأزقة كشباك العنكبوت إلى أثر بيئي مضحك يعرض في المتاحف و لن يعود الصيف جحيماً يُلحد فيه المواطن بالتبريد، بل قد تصدر بغداد الطاقة لجيرانها بعد أن كفت أيدي “تجار الظلام” عن تخريب المحطات.
أما الطرق والجسور، فلن تعود حكراً على المقاول الفاشل الذي يختفي بعد أول زخة مطر تاركاً خلفه حفر تبتلع السيارات. ستمتد شبكات سريعة ومترو أنفاق يربط بغداد بجميع المحافظات. ومع غياب السرقة، ستنهار أزمة السكن ستبنى مدن عملاقة منظمة تستوعب الجميع، وتنتهي عشوائيات “التجاوز” التي نبتت كالفطر على ضفاف الحرمان.
هذا الانتعاش العمراني سيعيد الحياة لعروق الصناعة والزراعة، لتتضاعف واردات العراق المالية من هذين القطاعين. ستكف الطماطم المستوردة عن إهانة كبرياء “أرض السواد”، وتعود مصانع الزيوت والنسيج والحديد للإنتاج بدل الاعتماد الكامل على النفط. وبدلاً من جيوش البطالة التي تفترش المقاهي بانتظار عقد حزبي، ستتحول الطاقات الشابة إلى وقود لـتنمية سكانية مدروسة.
وهنا، في زوايا الإنسان، تكمن الغصّة الأكبر ،فلو خلا الوطن من النهب لما رأينا أطفالاً يفترشون الأرض في مدارس طينية باردة أو تحت سماء دوام ثلاثي يسرق طفولتهم، بل لنهض التعليم في صروح نموذجية تليق بأبناء هذا البلد. وفي قطاع الصحة، لن يقف الأب عاجزاً، يملأ الدمع عينيه وهو يبيع أثاث بيته ليشتري جرعة كيماوي أو ليدفع تكاليف عملية لإنقاذ طفله في الخارج، بل ستتحول المستشفيات الحكومية إلى ملاذ آمن يقدم أرقى الخدمات الطبية بكرامة ومجاناً.
حتى الأرض ستشفى فلن تموت البساتين عطشاً ولا خنقاً بالإسمنت، بل ستبعث حماية البيئة عبر أحزمة خضراء تصد غبار الصحراء وتعيد للبلاد أنفاسها العذبة النظيفة.
سيكون العراق خاضعاً لقانون المنطق لا قانون “العمولات والرشاوى” إنه ليس حلماً مستحيلاً، بل هو الواقع الطبيعي لبلد يملك كل مقومات الثراء والنهوض… ولكن كان ينقصه فقط، ضمير يحميه.