* عرفان الداوودي
عندما يتحول النائب إلى مسؤول تنفيذي… من يحمي الدستور؟
يُعد مبدأ الفصل بين السلطات الركيزة الأساسية لأي نظام ديمقراطي حقيقي، وهو الضمانة الدستورية التي تمنع احتكار السلطة، وتحافظ على استقلال السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يحقق التوازن بينها ويصون حقوق المواطنين ويكرس سيادة القانون.
وقد أكد الدستور العراقي لسنة 2005 هذا المبدأ بشكل واضح في المادة (47)، التي نصت على أن السلطات الاتحادية تتكون من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات.
كما أن المادة (1) من الدستور قررت أن نظام الحكم في العراق هو نظام نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا يعني وجود تعاون ورقابة متبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وليس اندماجهما أو حلول إحداهما محل الأخرى. فالرقابة البرلمانية لا تعني الإدارة التنفيذية، كما أن التشريع لا يعني إدارة الوزارات أو التدخل في أعمالها اليومية.
وقد حددت المادة (61) من الدستور اختصاصات مجلس النواب بصورة حصرية، فلم تمنح عضو مجلس النواب أي صلاحية تنفيذية خارج قبة البرلمان، بل رسمت له أدوات دستورية واضحة تتمثل في التشريع والرقابة واستجواب المسؤولين ومساءلتهم وسحب الثقة منهم عند الاقتضاء.
كما نظم النظام الداخلي لمجلس النواب في المواد (55-60) إجراءات الاستجواب والمساءلة، وهي الوسائل القانونية التي ينبغي أن يمارس النائب من خلالها دوره الرقابي، وليس عبر التجول في الوزارات أو التدخل المباشر في أعمال المديرين العامين أو المحافظين أو رؤساء الهيئات أو فرض الطلبات عليهم.
ومع ذلك، أصبح من المألوف أن يقوم عدد كبير من أعضاء مجلس النواب بزيارات متكررة إلى الوزارات والدوائر الحكومية والشركات العامة، ويتدخلون في شؤونها الإدارية والتنفيذية، ويطالبون بالتعيينات والعقود والإحالات والنقل والترقيات، بل ويعدون المواطنين بتبليط الشوارع وإنشاء المشاريع ونصب محطات الكهرباء وتوفير المياه والخدمات، وكأنهم أصبحوا جزءاً من السلطة التنفيذية.
إن هذه الممارسات لا تستند إلى أي نص دستوري، بل تمثل خروجاً واضحاً على مبدأ الفصل بين السلطات، لأنها تجعل النائب خصماً وحكماً في الوقت نفسه؛ فهو يتدخل في القرار التنفيذي، ثم يعود ليمارس الرقابة على الجهة ذاتها التي تدخل في عملها، وهو ما يهدم فلسفة الرقابة البرلمانية من أساسها.
والأخطر من ذلك أن النظام الداخلي لمجلس النواب منح، في المادة (32/خامساً)، أعضاء المجلس حق القيام بزيارات ميدانية إلى الوزارات ودوائر الدولة للاطلاع على حسن تنفيذ القوانين. ورغم أهمية الرقابة الميدانية في حدودها القانونية، فإن هذه المادة لا يجوز تفسيرها على أنها تخول النائب التدخل في الإدارة التنفيذية أو إصدار الأوامر أو التأثير في القرارات الإدارية، لأن النظام الداخلي لا يمكن أن يمنح صلاحيات لم يقررها الدستور، والدستور يسمو على جميع القوانين والأنظمة والتعليمات.
وقد أثبت الواقع العملي أن كثيراً من هذه الزيارات تحولت إلى باب واسع للضغوط السياسية والابتزاز واستغلال النفوذ، وأصبحت بعض المؤسسات التنفيذية تخضع لتدخلات نيابية متكررة تؤثر في حيادية القرار الإداري، وتعرقل عمل الموظفين، وتفتح المجال للمحسوبية والوساطة، بل وتستخدم أحياناً لتحقيق مكاسب انتخابية أو شخصية.
كما أن بعض اللجان البرلمانية تجاوزت الدور الرقابي إلى ممارسة أدوار تنفيذية أو شبه قضائية، رغم وجود جهات دستورية مستقلة مختصة، مثل هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والادعاء العام، والسلطة القضائية، وهي الجهات التي منحها الدستور والقانون صلاحيات التحقيق والمتابعة ومكافحة الفساد.
إن بناء دولة المؤسسات يبدأ باحترام الحدود الدستورية بين السلطات، فلا يجوز للوزير أن يشرع القوانين، ولا للقاضي أن يدير الوزارات، ولا للنائب أن يتحول إلى مدير عام أو محافظ أو وزير ظل.
إن إصلاح النظام السياسي لا يتحقق بتوسيع نفوذ أعضاء البرلمان خارج اختصاصهم، وإنما بإعادتهم إلى دورهم الدستوري الحقيقي: تشريع القوانين، ومراقبة أداء الحكومة تحت قبة البرلمان، ومحاسبة المقصرين وفق الآليات الدستورية، بعيداً عن التدخل في الإدارة التنفيذية أو استغلال النفوذ.
فالدستور ليس نصاً يُقرأ في المناسبات، وإنما عقدٌ ملزم للجميع، وأول من يجب أن يلتزم به هم من أقسموا على احترامه. وحين يلتزم كل مسؤول بحدود اختصاصه، تستقيم مؤسسات الدولة، ويُغلق أحد أهم أبواب الفساد، وتترسخ هيبة القانون، ويشعر المواطن بأن العراق يُدار بالدستور لا بالأهواء، وبالمؤسسات لا بالأفراد.