صالح أحمد بربهاري – كاتب وناقد
في يومٍ خريفيٍّ هادئ، وبينما كنتُ غارقًا في العمل داخل حقلي المتواضع في القرية، رنَّ جرس هاتفي، فانتشلني من دوّامة الانشغال. جلستُ مستندًا إلى أحد جذوع أشجار العنب، والعناقيد تتدلّى من فوقي، ألتقط أنفاسي وأتهيّأ للرد على المكالمة. وما إن أخرجتُ الهاتف من جيبي حتى وقع بصري على اسم الأستاذ المهندس يونس عبدالعزيز، الذي نكنّيه لدينا بـ(أبا رۆژ). وعلى الفور بادرتُه بالترحيب: — أهلًا أبا رۆژ… كيف الحال؟ وكيف أحوال العائلة؟
جاءني صوته الهادئ الرزين من الجهة المقابلة:
— أنا بخير، والعائلة كذلك، وأنتم كيف هي أحوالكم؟
وبعد جملةٍ من التحايا والاستفسارات العائلية، وسؤالٍ عن سبب غيابه الطويل، أخبرني بأنه كان منهمكًا طيلة الفترة الماضية في إعداد رواية (يوسف الكوردي)، التي سترى النور قريبًا. وتحدّث بنوعٍ من الغبطة والانشراح النفسي عن هذا العمل الكبير، وكيف استغرق منه وقته، وعقله، وعواطفه، حتى تمكّن أخيرًا من نسج خيوط الرواية بكل تفاصيلها، وبإتقانٍ حرفيٍّ محكم، يجعلها في مصافّ أعظم الروايات العالمية. وأنا أستمع إلى كلمات هذا الإنسان الكبير، غمرني فيضٌ من الفخر والإعجاب بهذا الجهد الجبّار، وبهذا الإصرار النادر على العمل والإبداع. شعرتُ أن ما حُرمنا منه طويلًا، نحن الكورد، من تمثيلٍ أدبيٍّ نابع من ذواتنا، بدأ اليوم يستعيد حضوره الحقيقي. بات بإمكاننا أن ندوّن جزءًا من تاريخنا الناصع بوعيٍ وإرادة، عبر الرواية والأدب وسائر ضروب الكتابة، لا كما كُتب عنا قديمًا بأقلام الأعداء وجلاديهم، ولا كما شوّهته الأنظمة القمعية المستبدة التي احتلت أرضنا وحرّفت تاريخنا عن سابق قصدٍ وتصميم. إننا اليوم نعيد كتابة الحكاية بصورتها الأصيلة، كما ينبغي لها أن تُروى.
ولم ينسَ أبو رۆژ، قبل أن يُنهي مكالمته، أن يمدّني بجرعةٍ عالية من الثقة والشحن العاطفي، حين أخبرني بأن هذا العمل ما كان له أن يرى النور لولا تشجيعنا له، وثنائنا على كتاباته السابقة. وأكّد أن ذلك وضع على عاتقه حملًا ثقيلًا، وتعهد لنفسه أن يكون على قدر المسؤولية، وأن يكون أهلًا للأمانة التي حمّلناه إياها في نقدنا وقراءاتنا السابقة، وهي أعمال لا تقلّ – بنظري – في قيمتها الأدبية وجودتها الفنية عن هذه التحفة التي أبصرت النور بعنوان يوسف الكوردي. وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر، تمكّنت أخيرًا من الحصول على نسخة من الرواية، أهداها إليّ مشكورًا مؤلفها المبدع.
ويا لها من رواية عظيمة، ويا له من جهدٍ وإبداعٍ نادرين.
ما إن وقعت عيناي على غلاف الرواية وصفحاتها حتى شدّني مظهرها الأنيق، وطباعتها الحديثة الجميلة، ولغتها العربية الرصينة الصافية، التي يكاد لا ينافس الكاتبَ فيها أحدٌ في المنطقة برمتها. أما سردها المتقن والبليغ، فيكفي أن تلج السطر الأول حتى تجد نفسك أحد شخوص الرواية، تمارس دورك في كل منعطف، وكل حادثة، وكل تفصيلة نسجها المؤلف بعناية. ويكاد يستحيل أن تفارقك أحداثها لحظة واحدة.
1- عبقرية المعمار السردي (الهندسة الأدبية) لم تكن الخلفية الهندسية للكاتب مجرّد مهنة، بل تحوّلت إلى دقّةٍ إبداعية انعكست بوضوح في بنية الرواية. لقد نجح المهندس والكاتب يونس عبدالعزيز في تشييد نصٍّ متماسك لا ثغرة فيه، تتشابك أحداثه بتناغمٍ مذهل، يشبه تلاحم الأحجار في صرحٍ أثريٍّ مهيب. هذا الإتقان العالي يمنح القارئ إحساسًا بالأمان الفني، وصفاءً نفسيًا، ومتعةً جمالية مغلّفة بنشوةٍ إنسانية صافية، وكأن يدًا خبيرة تمسك بزمام السرد، وتقوده نحو غاية فكرية مرسومة بدقة، تخاطب الضمير والوجدان الإنساني الحي.
2- بلاغة اللغة: السهل الممتنع يستحق الكاتب ثناءً خاصًا على لغته التي تنساب كالنهر؛ لغةٌ رشيقة، بعيدة عن الاستعراض الجوف، تستقرّ في وجدان القارئ دون عناء. لقد طوّع الحرف ليخدم الفكرة التي ناضل من أجلها، فجاءت المفردات منتقاة بعناية فائقة، لا تحتمل الانشطار ولا التأويل الملتبس، معبّرة عن أقصى درجات الألم، وأسمى لحظات الأمل، دون تكلّف أو زينة زائفة، فتنفّس النص روحًا شاعرية نادرة المثال.
3- يوسف الكوردي: أيقونة إنسانية خالدة لم يكتب المؤلف شخصية بطل فحسب، بل خلق كيانًا إنسانيًا حيًّا. شخصية يوسف الكوردي تتجاوز إطار الرواية، لتغدو رمزًا إنسانيًا شاملًا، يتعاطف معه القارئ، ويشاركه أنفاسه وتطلعاته وأسئلته الوجودية. هنا تتجلّى قدرة الكاتب على سبر أغوار النفس البشرية، وتحويل الخاص إلى عام، والذاتي إلى كوني، والضياع إلى معنى يفيض إنسانية وإبداعًا.
4- العمق الفلسفي والجرأة الفكرية يُحسب للكاتب جرأته في طرح أسئلة الوجود، واشتباكه الواعي مع التاريخ، دون خطابية أو افتعال. فالرواية ليست مجرّد حكاية، بل مشروع تنويري يدعو إلى إعادة قراءة الذات والآخر. إنها حكمة مكثّفة مغلّفة بالدراما، ترفع العمل من مستوى المتعة العابرة إلى مرتبة الأدب الرفيع الذي يترك أثرًا عميقًا لا يُمحى.
5- خاتمة استثنائية: بصمة المبدع إن رواية يوسف الكوردي شهادة ميلاد لكاتب يمتلك رؤية بصرية مذهلة، نقل من خلالها المشاهد كما لو كانت لوحات سينمائية منحوتة بالكلمات. عملٌ أدبيٌّ متكامل، يعيد الاعتبار للرواية الكوردية الرصينة، وهي ترتدي حلّتها العربية، جامعةً بين المتعة الفنية والعمق المعرفي الأصيل.
لقد أهدى يونس عبدالعزيز، من خلال هذه الرواية، المكتبتين الكوردية والعربية تحفةً فنية تتّسم بالنبل في الطرح، والجرأة في الرؤية، والبراعة في التنفيذ، والرقي في التعبير. فهو ينظر إلى الأدب بوصفه “الثوب القشيب” الذي يكسو الفكر والعاطفة معًا، ويقيم العمل بميزان عمقه الإنساني، وقدرته على الارتقاء بالوعي، وتجاوز الواقع نحو أفقٍ فنيٍّ أرحب، يمنح القارئ متعة الخلاص من أثقال الحياة اليومية، لا عبر السطحية، بل عبر العمق والجمال.