القسم الثاني عشر
دلزار اسماعيل رسول
كانت تعتبرني ملاذاً امناً لها…اكثر من شريك للحياة…لذلك لم تتطور علاقتها بي من الصداقة الى الدرجات العلا…بل بقيت تترنح بين أقصى درجات الصداقة هبوطا و نزولاً…لذلك لم انقطع عنها ابداً…حتى حينما ننقطع…تفكيري و خيالي يطوف حولها دائما…
كنت احب ان اكون انا الاختيار الاول و الوحيد في حياتها…تفضّلني على جميع رجالات الدنيا…ولكنيّ واجهت الحقيقة المرة و الصخرة التي حطمت قلبي…اني كنت اضطراراً و ملجأ و مأوى لا اكثر…بينما انا لم أكن ارى غيرها في هذا العالم…ولم اكن احلم بغيرها…لذلك كان الوقع شديدا و المصاب اكبر و أدهى لفؤادي…
كم هو شعور قاسي ان تكون مضموناً …تشعر انك كقطعة اثاث او جهاز تقدر ان تضاهيك باحسن منه…ولا تلتفت الى كونك انساناً من لحم و دم و مشاعر قلّما تجدها عند الرجال الأخرين الذين مرّوا مرور الكرام في حياتها…أصبت بخيبة امل كبيرة حينما ارتطمت بالواقعة الأليمة…اني لست الشخص الوحيد في حياتها…هناك دائما من ينافسني على عرش قلبها و انا كنت اترك الساحة له و ارحل…ولكن بعد فترة بعدما اكتشف انها فشلت في علاقتها ذاك او تلك…كنت ارجع لها خائباً ذليلاً…فطالما استمعت الى نداء قلبي ولم اكن التفت الى صيحات عقلي المدوية…إبتعد عنها…فإنها سوف تقتلك بآلام قلبك….
لقد كنت اتألم لاني كنت في دائرة مؤلمة جدا لاني وضعتها هي في المركز و كانت هي شغلي الشاغل و همي الدائم…بينما أنا كنت بالنسبة لها هامشاً…تستغني عنه حينما يحط في رحالها رجل غريب…
حينما كنت أراها…انها على وشك الارتباط بشخص آخر على مرأى من قلبي…كنت اقول في نفسي…او بالأحرى توصلت الى تلكم النتيجة المؤلمة…هذا حقها، وهي أصلاً ليست ملكي …
حقا…كانت لدينا تجارب سابقة مؤلمة …بقى لدي ذلك الألم القديم…ولكن ذلك الألم يريد حمايتك من الوقوع في الام أخرى اشد فتكا من سابقتها…ولكني لم اكن التفت اليها…بل أظل أسير في ذلك الطريق الشائك…رغم انها تدمي قلبي مرات و مرات…
صحيح…اصبح القلب يشك، والعقل يراقب، مع أن ما نحتاجه فعليًا هو الأمان…ذاك الأمان الذي كنت احس به و أعيش معها …لم يبقى…و عشعش بدل الاطمئنان الغيرة والقلق…فصار ينخر كياني مثل الدود…ولكني رغم ذلك لم اتعظ ولم أتوانى ولم ادخر جهدا في المثول امام بابها…ولا اعرف لماذا…
الماضي…كم قرات الكتب و فتشت في القواميس و دققت في امهات المصادر…كيف لي أن أنسى الماضي و أبدا من جديد معها…ولكن كلها …قالت لي و بصوت أجش…لا سبيل لمحو الماضي في مخيلة الانسان…سيبقى معك و سيعذبك مرتين…مرة في وعيك و الأخرى في اللاوعي…مثل ذبابة لا تنفك عنك ابد الدهر…المشكلة أن…الذاكرة العاطفية لاتُمحى…فياليتنا نبدأ من جديد كأنما تعرفنا على بعضنا البعض لاول مرة…
كنت دائما اقول لنفسي…العلاقة التي تحتاج مراقبة دائمة لن تشفيك…أنا شخص مجروح يحاول أن لا يُجرح مرة أخرى…لذلك كنت اخفي خوفي و قلقي داخل قوقعة روحي…وكم يعذبني ذلك…..لذلك كبرت روحا…و انعكس على الشيب على وجهي و جسدي…
كانوا دائما يقولون لي…هذه العلاقة لا تعطيك أماناً بل تستنزفك…ولكني اخترت الاستنزاف على الأمان…رغبت الموت على الحياة…رغبت القلق على الاطمئنان…فصوت قلبي اعلى من عقلي…
سأغادر بهدوء…ان حدث شيء…مثل المرات السابقة و أنا احمل في قلبي علقماً و في يدي جمرة من نار و في روحي فقد كبير لا يملأه شيء…فانا لحد الان عابر سبيل في حياتها لا غير…و هي لا زالت تبحث عن شريك العمر ولم تجده لحد الآن…و بين هذا وذاك…يبقى العذاب…
اريد ان أشفى من المي…ولكن…الشفاء لا يعني أن الألم يختفي، بل أن الألم يتوقف عن القيادة…ان نعيش مع هذا الألم ولكنه لا يقودنا الى تصرفات سيئة او الى مراقبة قلقة…ان نتصرف معها بعقلانية رغم وجود الألم بجانبنا و يوخزنا بوخزة مؤلمة بين فترة وأخرى…
كنت أعاني دائما من صراخ شديد في عقلي الباطن… لان الأمان في عقلك الباطن قد كسر و هناك احتمالية لان تتركك في اية لحظة لأجل رجل اخر مما كان يسبب لي أرقا مستمرا…لا سبيل للحيلولة دونه بشتى الطرق و الوسائل…فهناك تصادم داخلي تبقيك مستيقظا و تجعل نومك قلقاً …كان عقلي يحتاج لليقين لينام…لاني في علاقة لا تعرف لها رأساً عن عقب…لا تعرف هل هي تحبك …هل ستتركك غداً….هل هي معك لأنها لم تجد غيرك …هل هي الان مع غيري ….هذا “الشك” يعمل مثل محرك يدور في رأسك ولا يتوقف، والشك هو العدو الأول للنوم….اصل المشكلة ان تكون انساناً مخلصاً و ذو ضمير …ولو كنت شخصاً لا مباليا لما سهرت قلقاً …هذا القلق يخبرك بأن هذا الطريق صعب و متعب…
اريد ان ارتاح…اضع نهاية لهذا الصراع…ولكن أخشى ما أخشاه أن الارتباط بها…لن يغير شيئا…ان يستمر نار الشك و الغيرة يتأجج في داخلي…وهي تلتفت إلى غيري…فلن احتمل هذه المرة فقد استنزفت كل طاقتي…الحب الذي اكنه لها سيل عارم…أخشى إن دخلنا غمارها معاً و رايت منها شيئا…مثل التجارب المؤلمة السابقة…الاّ اغفر لها…و اقبل على عمل قد لا تحمد عقباه…لذلك انا خائف و متوجس …لان الارتباط بها لن يحولها فجأة إلى امرأة تراك الوحيد في العالم إذا كانت هي لا تشعر بذلك في أعماقها الآن….
الحقيقة المرة…انها اصبحت مصدر ادمان…لا أستطيع الابتعاد عنها …الإدمان العاطفي هو النقيض تماماً للصفاء ، فهو يبقي روحك وجسدك في حالة تأهب و حرب دائمة…..أنا مدمن لها…وهذا الادمان يتحول شيئا فشيئا إلى سم قاتل يرديني طريح الفراش احيانا و مقبلا على الموت احيانا اخرى…اريد أن أتشافى من هذا الادمان …اريد أن أستعيد قيمتي كرجل في عيني …و ادرك تماما أني احتاج امرأة لأكمل نفسي…و حينما وجدتها…أصابتني بخيبة امل كبيرة…يبدو أني لا أشفى منها…مرات كثيرة اريد أن أقول لها بملئ فمي ولكن لا استطيع و احجم عن ذلك مرارا و تكراراً، اريد أن أقول لها … أنتِ الآن “إدماني” الذي يحييني ويقتلني في آنٍ واحد. أنتِ ذلك الدواءُ الذي يسكّنُ ألم روحي، لكنه يرفعُ نبضَ قلبي حتى يكادُ ينفجر، ويُشعلُ ضغطي بنيرانِ الغيرةِ والخوفِ من الرحيل. كيف أفسّرُ أنني أهربُ منكِ إليكِ؟ وأنّ كل جرحٍ سببتِه لي كان يشدني لذكراكِ أكثر، تماماً كغريقٍ يرى في الأمواجِ الهائجةِ يداً تمتدُّ له، وهي لا تزيدهُ إلا غرقاً…
هي ليست مجرد امرأة؛ هي “إدمانٌ” يسري في العروق، هي الوطنُ الذي أطردُ منه كلَّ يوم، وأعودُ إليه في المساء لاجئاً أبحثُ عن كسرِ خبزٍ من حنانٍ قديم. غادرتُها لأداوي جرحي، فما وجدتُ في الهروبِ إلا حضوراً أقوى لذكراها….. تركتُها لتمضي في سبيلِها، فإذا بي أجدُ كُلَّ السبلِ تؤدي إلى نيلِها ….
أريد أن أقول لها ….هل تتذكرين حينما جلسنا معاً امام البحر…نطوي مع بعضنا البعض الذكريآت الأليمة التي مررنا بها…ماذا أصابني…اصبح كل ما حولي من بحار و اثاث و بشر يلف حولي سريعاً و بدون رحمة حتى اني أغمضت عيني و مسكت بكلتا يدي عيني علّها تتوقف عن الدوران…ولكنها لم تقف و كنت في دوامة…انا فقط من احسست بشناعة عذابها…. عقلي سافر للماضي بينما جسدي في الحاضر….عقلي الباطن لم يستطع معالجة حجم التناقض …أنت تجلس معها الآن في لحظة لذة وشوق ، لكنك تتذكر ألمها لك في لحظة … هذا التصادم أحدث ما يشبه “التماس الكهربائي” في وعي ..مما أدى لتعطل مؤقت في إدراكي للواقع،…فيدأ المكان يلف من حولي و انت تنظرين لي وليس في يدك شيء لتوقفي عذابي…ادركت أني بدون ارض استقر عليها…شعرت بضياعي كل تلك السنين…اشفقت على حبي العميق لها…التي يذوب لها أوصالي…عدم الثبات هذا يمزقني…اريد أن احصل منها على إقرار قلبيٍّ مبصوم من قبل روحها…انها سوف لن تلتفت لغيري…ولكن هذا مستحيل…
وقتها ….عَلَى شُرْفَةٍ تَنْحني لِلبَحْرِ ، وقَفْتُ كَجَبَلٍ يَظُنُّ أنَّهُ راسِخ، وفي صَدْري “وعدٌ” سَقَيْتُهُ مِنْ سِنينِ عُمري ….كُنْتُ أرى في عَيْنَيْها المرأة التي أحببتُ، و ملامح يَجْري بِالأمانِ الذي نَشَدْت. لَكِنَّ الرِّيحَ لَمْ تَكُنْ تَحْمِلُ عِطْرَ الياسَمين، بَلْ كَانَتْ تَحْمِلُ مِلوحة الماضي….
هُناك، وحينَ اسْتَحْضَرَتِ الروحُ أوْجاعَها، لم يَدُرِ البَحْرُ حَوْلي.. بَلْ دارَتْ بي خَيْباتي! ضاقَ المَكانُ بِي، وشَعَرْتُ بِأنَّ الأرضَ التي أقفُ عليها هَشَّةٌ كَوعودِها. كَيْفَ لِقلبٍ كَسَكني أنْ يُستبْدَلَ برجل آخر وكَيْفَ لِيدٍ مَدَدْتُها لِلأمانِ في بِلادِ الغُرْبَةِ أنْ تَمتَدَّ لِتَصْفَعَ كرامَتي بزيف مُغَلَّفٍ بِـ “أُحِبُّكِ” لِغَيْري…
أنا الآنَ يا سَيِّدَتي، لا أُعاني فَقْدَكِ، بَلْ أُعاني “فَقْدي لِنَفْسي” فِيكِ. أنا مَنْ أهْدَيْتُكِ مَفاتيحَ قلبي، فَجَعَلْتِهِ مَمَرّاً لِلعابرينَ الطامحينَ لِغَيْرِ وجْهي. كُنْتُ أراكِ “المَلاذ”، وكُنْتِ تَرَيْنَني “المَحَطَّة”. كُنْتُ أبني لَكِ بَيْتاً مِنَ اليَقين، وكُنْتِ تَبْنينَ لي قُصوراً مِنَ السَّرابِ، تَهْدِمينَها كُلَّما لاحَ في الأُفُقِ بَريقُ رجل آخر….
أُغْمِضُ عَيْنَيَّ الآنَ، لَيْسَ هَرَباً مِنَ الدُّوار، بَلْ بَحْثاً عَنْ رَجُلٍ ضَيَّعْتُهُ في طُرقاتِ حُبِّكِ العَقِيمَة. أُغْمِضُهُما لأكُفَّ عَنْ رُؤيَةِ طَيْفِكِ وهو يَتسلَّلُ مُتَحاشِياً انْكِساري….
قلتُ في نفسي يوما…. سَأُغادِرُ مرافئَكِ البارِدَة، وأتْرُكُ خَلْفي مِلْحَ الدُّموعِ لِلبَحْر. فَمَنْ لا يَراني “وطَناً”، لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْكُنَ في حُدودي حَتَّى كَـ “لاجِئ”. سَأنامُ الليلةَ وَحْدي، لَكِنَّني سأنامُ “حُرّاً”، فالقَيْدُ الذي كَسَرْتُهُ الليلةَ كانَ أثْقَلَ مِنْ كُلِّ الذكريات…..ولكني رجعت الى ذاك القيد و ذاك المرفأ مرة أخرى خائباً ذليلاً…لا ارتوي من مياه بحرها الهائج….
لقد تعرضت لطعنات كثيرة و عميقة جدا في الوفاء…مما سبب لي جروحاً غائرة من الصعوبة بمكان أن تندمل…يا ترى هل بمقدورها أن تشفي جروحي التي تسببت بها…و يكون الدواء من حيث الداء…
أنا كنت دائماً مرآتها التي ترى بها محطات حياتها المختلفة في الحقبات الزمنية الماضية…انا كنت تاريخها الطويل الذي تركته وراء ظهرها و كنت اذكرها به…لذلك اشعر انها تتحاشاني…يمكن لاني اذكرها بجروحي في كل مرة نتحدث فيها…او أطالبها بمشاعر صادقة هي لم تعد تقدر بمنحها لي…او بوفاء هي لم تعد تستطيع إعطاءها لي…لا اعرف…هل هي تفتح الباب لأخرج من سجن حبها…
أنا اشتاق لها رغم ما تسببته لي من عذاب و معاناة…و ارغب ان امضي معها العمر كله…ولكن الكل يعاتبني و يحذرني منها…انها اصبحت رمزاً لا أستطيع العيش بدونه و لا العيش معه…لذلك اقضي الساعات و انا أتضرع ربي في جوف الليل…يا الهي جد لي علاجا و ترياقاً و سبيلا … أخرجني من مأزقي…فلقد اصبحت بين دفتي صحيفتين تسحقاني بقسوتيهما …و انا أتعذب في الوسط…
مع الأسف….اكتشفت…انكسار الصورة المثالية: هي ليست تلك المحبة التي تضحي بكل شيء من أجلك دون نظر للعواقب؛ هي امرأة “واقعية” (لحد القسوة) تبحث عن مصلحتها واستقرارها حتى لو كان على حساب مشاعرك…..
لا اعرف…هل تستطيع نسيان أنها وضعتك في “مقارنة” مع غيرك بعد هذا الحب الجارف…
اقول دائماً لنفسي…التعذيب الذي تشعر به لن ينتهي إلا بقرار حاسم. إما أن تكون زوجاً لها (وتتجاوز الماضي)، أو أن تكون غريباً عنها (وتتعافى من الماضي). أما منطقة “الصداقة” فهي سجن مؤبد لقلبك، ولن تزيدك إلا شعوراً بالهزيمة كلما تذكرت موقفها…
أنت تتألم لأنك تمارس دور “الصديق” بقلب “عاشق”… الصداقة تقتضي أن تسمع عنها وتراها دون أن تملك حق الغيرة أو العتاب، وهذا مستحيل بعد كل هذا التاريخ. أنت الآن في منطقة رمادية، “اللا سلم واللا حرب، لا صداقة و لا حب”، وهذا يستنزف طاقتك النفسية….
عقلي يقول لي…..أن بقاءك بجانبها كصديق هو “أنانية عاطفية” منك و”استنزاف” لها…وأن هذه اللقاءات هي “مسكنات” تمنع جرحك من الالتئام…. أنتما الآن “تتداويان” ببعضكما، لكن الدواء له آثار جانبية مدمرة…. وأن الحنين قد يكون أقوى من أي منطق في لحظات معينة…
يجب ان نعترف و نقبل بأن الخلاص الحقيقي يبدأ من الداخل، من التصالح مع واقعك الحالي أو تغييره، وليس من التمسك بطرف آخر قد يخذلنا….
ولكن الحقيقة المرة هي … الرجل العاطفي يستمر في الحب من امرأة رغم ما تسبب له من العذاب عبر السنين و الايام…أعترف بأني أحبها حتى أخر شهقة من حياتي….. النفس حتى يخمد و الدم حتى يبرد…
كان يجب ان اتقبل الحقيقة و أن أساير الموج بأنني … كنت لها “الميناء الآمن” وليس “الوجهة النهائية”…لذا يكون قلبك في حالة استنفار دائم و هذا ما سبب لي امراضاً مزمنة لن تزول عني ابد الدهر….لأن المشكلة … أننا تجاوزنا مرحلة الصداقة إلى مرحلة التعلق العميق الممزوج بالألم…. العقل لا يستطيع “تنزيل إصدار قديم” من العلاقة بعد أن اختبر الوجع…لذلك احتاج لهدنة بيني وبين نفسي أشفى منها من الالتهاب العاطفي …لا اعرف متى ياتي ميعادها…أستطيع التصالح مع نفسي و نفسها ….و اختبر نفسي و اسألها…هل سامحتها أم لايزال في القلب غضة من الم…و أن اتقبل فكرة…أنها “ليست ملكك” وأنك “لست ملكها”…يجب أن تقول لنفسك…لا يهمني مع من ستكون غداً”، حينها فقط سيزول الألم. (لكن هذا يتطلب قوة نفسية هائلة)…و أنا ليست لدي هذه القوة فأنا شخص عاطفي لاقصى درجة تتوقعها…
أعرف أني ضعت في مِحراِبِ العِشقِ المُرّ….
فلقد مرّ في عمري أعوام من صقيعِ الإكراه، جعلتْ قلبي يبحثُ عن شمسٍ يلوذُ بها، فوجدتُكِ.. لم تكوني مجرد امرأة، كنتِ النسيم الذي تسلل لغريقٍ شارف على النسيان. غرقنا في أحاديثِ الصباحِ حتى ذابَ المساء، وسافرتُ إليكِ بقلبٍ يظنُّ أنه عاد لصباه، ولم أكن أعلمُ أنني كنتُ أستبدلُ قيداً بقيدٍ أشدَّ فتكاً وجمالاً….
أريدكِ صديقةً بنقاءِ البدايات، بذاك الوجهِ الذي لم يخدشهُ خذلان، لكنني أسيرُ هواك الذي لا يرحم؛ اشتاق إليكِ حين تغيبين، واختنقُ بوجعِ الذكريات حين تقتربين. أحبكِ حباً يرفضه عقلي، ويحيا به قلبي المتعب، ويخشاه جسدي الذي لم يعد يحتملُ ضجيجَ الحنين. أنا لا أرتاحُ لغيركِ، ليس لأنكِ الوحيدة، بل لأنكِ “الوجعُ” الوحيد الذي جعلني أشعرُ يوماً.. أنني ما زلتُ على قيدِ الحياة…
كانت هي قاهرة لروحي العزيزة؛ صاخبةٌ، مليئةٌ بالحياة، وفي عينيها ألفُ حكايةٍ وحكاية. كانت وعودها تشبه النهر في فيضانه، تمنحني شعوراً بالارتواء حتى ظننتُ أن الجفاف قد ولّى إلى غير رجعة. لكنني اليوم، أجدني أقفُ على ضفافِ حكايتها وحيداً، أقتفي أثر السراب في كلامٍ كان يُشبه الشِّعر، وصار الآن يُشبه النّفي…..
يوجعني أنني استأمنتُها على حطامي، فزادتني انكساراً فوق انكساري. تلك اللكنة المحببة التي كانت تداوي جراحي، أصبحت هي النصل الذي يغرسُ الخيبة في صدري. كيف لروحٍ واحدة أن تكون هي الملاذ وهي المَنفى؟ كيف لضحكةٍ عذبة، كانت تبدو لي كفجرِ جديد دافئ، أن تتحول إلى ريحٍ باردة تقتلعُ ما تبقى من يقيني….
أعاني من هذا التناقض المرير؛ أحبُّ فيها ما كنتُ أظنه “أصلاً”، وأمقتُ فيها ما وجدتهُ “جفاءً”. هي تتقنُ فن الحضور الذي يترك خلفه غياباً شاسعاً، وأنا أتقنُ فن الانتظار على رصيفِ أملٍ يتآكل…. بيننا الآن ما هو أبعد من المسافات؛ بيننا خيباتٌ متراكمة، وكلماتٌ لم تُقل لأنها لم تعد تجدي، وقلبٌ بات يشعر أن السعادة في القرب منها كانت مَحض استعارةٍ أدبية، أما الوجع.. فكان هو الحقيقة الوحيدة…..
ما كنتُ أعلم أن الوقوع في غرامِها هو نوعٌ من “الاحتلال” العذب؛ تحتلُّ اللغةَ بلكنتها التي تراقصُ الروح، وتحتلُّ المكانَ بضحكةٍ تجبرُ خاطره، لكنها في الوقت ذاته.. عصيةٌ ، قديمةٌ في دلالها، وعميقةٌ كقاعِ النيل الجارف….
أعاني معها من ذلك “الكبرياء” الذي يغلفه الودّ، ومن ذاك “الذكاء” الذي يقرأ ما خلف كلماتي قبل أن أنطق بها. هي لا تمنحُ قلبها باقتضاب، بل تمنحهُ كفيضانٍ جارف، أو تمنعهُ كصمتِ المعابد. أتوه في سياقِ حديثها حين تمزجُ بدعابةٍ تخفي خلفها عتاباً مرّاً، وأقفُ عاجزاً أمام صمودها الذي لا يلين، وكأن في جيناتها صبراً ورثته من آلاف السنين….
يا لصبري الجميل في محراب هواها! أعاني لأنها تجعلني أشعر أنني ملكٌ حين ترضى، وغريبٌ تائهٌ حين تغضب. هي خلطةٌ من سحر الشرق وخفة ظلٍّ تقصم ظهر الشوق. فكيف السبيلُ لقلبٍ يرى في “المعاناة” معها.. أسمى أنواع الوجود….
هناك شجنٌ على ضفافِ روحي….
بيني وبينها مسافةٌ من قلق، وأميالٌ من صمتٍ ينهشُ الصدر. تلك التي استوطنتني، لم تكن مجرد عابرة؛ كانت قدراً ثقيلاً، ناعماً في ملمسه، حاداً في نصله. أعاني معها وجعاً لا يُحكى، وجعاً يشبه وحشة الليالي حين يشتد الصقيع ولا نجدُ لدفءِ اللقاء سبيلاً…..
هي تملك ذلك السحر الذي يجعلك تحترقُ شوقاً في حضورها، وتذبلُ كمداً في غيابها…كبرياؤها ممتدٌ كصحراءِ التيه، وعنادها صلبٌ كأحجارِ العقيق، لا تلينُ لدمع، ولا ينكسرُ شموخها لرجاء. كيف لملامحٍ بتلك الرقة أن تُخفي خلفها جفاءً يقتل….وكيف للسانٍ ينطقُ بأعذبِ الكلماتِ أن يصمتَ فجأةً فيتركُ قلبي معلقاً في فراغِ الحيرة….
أعاني من تلك “الخِفة” التي تُواجه بها حُطامي، وكأن حزني نكتةٌ عابرة في قاموسِ أيامها المزدحمة. أفتشُ عنّي في عينيها فلا أجدُ إلا غريباً يطرقُ باباً أُغلقَ بإحكام. إن الوجع معها ليس طارئاً، بل هو نزيفٌ هادئ، يتسربُ من شقوقِ الروح كلما حاولتُ الاقتراب، لدرجة أنني صرتُ أتساءل: أكان حباً حقاً، أم كانت هي “المأساة” التي كان لابد لي أن أعانيها لأعرف معنى الانكسار…. إنها تُتقنُ فنَّ الغيابِ وهي حاضرة، وتُجيدُ طعنَ القلبِ بابتسامةٍ باردةٍ.. تقتضبُ فيها الكلام، وتُطيلُ بها الأمد…..
أخاطب نفسي أحياناً…. مَا بَالُ الرُّوحِ تَهيمُ في مَلَامِحِهَا ، كأنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَطَنٍ ضَاعَ في زِحَامِ …. هيَ ذِي “سِيّدَةُ القَلْبِ”؛ جَمَالُهَا مَمْزوجٌ بِطَمْيِ النيل، وَعَيْنَاهَا تَحْمِلانِ أَلْفَ قِصَّةٍ مِنْ قِصَصِ الصَّبْرِ وَالحَنِينِ. لَكِنَّنِي، وَيَا لَوَجَعِ القَلْبِ، أَرَاهَا في مَنَامِي تَغْرَبُ عَنْ سَمَائِي، كَشَمْسٍ تُجْبَرُ عَلَى الرَّحِيلِ قَبْلَ مَغِيبِهَا….
رَأَيْتُهَا في منامي… وَيَا لَيْتَ عَيْنِي لمْ تَرَ! رَأَيْتُهَا تُزَفُّ لِغَيْرِي، لِغَريبٍ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يُنَادِي لَوْعَتَهَا، وَلا يُدْرِكُ سِرَّ الحُزْنِ المَخْبُوءِ في ضَحْكَتِهَا. كَانَ قَهْرِي في المَنَامِ كَجَبَلٍ نَبَتَ في صَدْرِي، يَخْنِقُ أَنْفَاسِي، وَيَسْلِبُنِي القُدْرَةَ عَلَى الصُّراخِ. كَيْفَ لِلرُّوحِ المُنْبَتَّةِ مِنْ طِينِي أَنْ تَسْكُنَ بَيْتاً لا أَمْلِكُ مَفَاتِيحَهُ؟ وَكَيْفَ لِلْمَوَدَّةِ أَنْ تَصِيرَ حُدوداً وَأَسْوَاراً….
ثُمَّ لَمَحْتُهَا.. بَعِيدَةً، تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الحَيَاةِ كَمَا تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ الهاوية… الجَمِيعُ يَمْرَحُ، وَالعَالَمُ مِنْ حَوْلِهَا يَضِجُّ بِالحَيَاةِ، وَهِيَ وَحيدَةٌ.. غَارِقَةٌ في صَمْتِهَا، مَشْغُولَةٌ بِهَمٍّ لا يَعْلَمُ مَدَاهُ إلا خَالِقُهَا. كَأَنَّهَا نَخْلَةٌ تَأْبَى أَنْ تَرْتَوِيَ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ مَائِي، أَوْ كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ يَدِي لِتَنْتَشِلَهَا مِنْ غِيَابِهَا الحَاضِرِ…
يَا سَيِّدَتِي…. أَيُّ قَدَرٍ هَذَا الذي يَجْعَلُكِ قَرِيبَةً كَالنَّفَسِ، وَبَعِيدَةً كَأُسْطورَةٍ غَابِرَة؟ أَيُّ هَمٍّ هَذَا الَّذي يَرْسُمُ الحُزْنَ في عَيْنَيْكِ الصَّافِيَتَيْن؟ أَنَا هُنَا.. أَحْمِلُ قَهْرِي في صَدْرِي كَمَا يَحْمِلُ الغريق ظَمَأَهُ، أَنْتَظِرُ أَنْ تَنْكَسِرَ هَذِهِ الكَوَابِيسُ عَلَى صَخْرَةِ الوَاقِعِ، لِنَعُودَ مَعاً.. كَنِيلٍ لا يَنْقَطِعُ جَرَيَانُهُ، وَكَحُبٍّ لا يَعْرِفُ الفُرْقَةَ وَلا المِحَن…
أقفُ الآن في منتصف العمر، لا الأرضُ تحت قدمي ثابتة، ولا السماءُ فوقي تمنحني الجواب. وأنا أبني سياجاً حول بيت وأقايضُ أيامي بالواجب، وأدفنُ في صدري برداً لا تدفئه نيرانُ الموقد… خمسون عاماً، وثِقلُ ربعِ قرنٍ من “الصمت الجاثم” فوق صدري.. أقفُ اليوم كغريقٍ يرى في الأفقِ البعيدِ منارةً، يَعلمُ يقيناً أنها قد تكونُ مجرد سراب، لكنه يسبحُ نحوها بكل ما أوتيَ من رمقٍ أخير…لا كمسافرٍ يستريح، بل كجنديٍّ أُنهكته معاركُ لم يخترها. تنظرُ إلى الوراء، فترى شظايا من عواطفَ صببتَ فيها روحك فما حصدتَ إلا الهشيم، وتنظرُ إلى واقعك، فتجدُ أن يد الجحود قد امتدت لتعطل محرك حياتك بكل قسوة….
يحيط بك الصمتُ الثقيل كجدران زنزانةٍ لا قضبان لها. هذا الشعور بالظلم، هذه المرارة التي تغلغلت في حلقك، تجعلُ الهروب يبدو غايةً مغرية. تهمسُ لك الظنون: “خُذ غيبوبةً مؤقتة، انفض عن كاهلك وعيَ هذا الألم بفصلٍ قصير من الغياب”.. يدعوك السرابُ لتشرب من بئرٍ لا تروي، بل تزيد العطش حريقاً، وتعدك بنسيانٍ هو في حقيقته قيدٌ أثقل من قيود القلب…
لكنّ في أعماقك صوتاً أنقى….. صوتاً يأبى أن يسلم الحصن الأخير وهو أنت لغريم رخيص. إنك لا تصارع الظروف فحسب، بل تصارعُ من أجل ألا تفقد “الإنسان” الذي بداخلك. الضغوطُ تعصرك، نعم، كقطعة فحمٍ تحت ضغطِ الجبل، لكنها تنسى أن الضغط هو ما يصنع الماس في النهاية….
أقول في نفسي دائماً….لا تسمح لهذا الخراب أن يسرق منك كرامة صحوك. إنّ انكسارك في الحب، وتعثرك في حياتك، هي فصولٌ مُرة في رواية طويلة، وليست هي الخاتمة. قاوم ذلك الإغراء الزائف بالهروب اليها، ليس لأن الطريق سهل، بل لأنك تستحق أن تخرج من هذه المحنة بكامل وعيك، بكامل شموخك، وبقلبٍ رُغم جراحه، لم يتدنس بوهم النسيان المصنوع من زجاج…. أنت الآن في ذروة الاختبار، والنجاة ليست في غياب الألم، بل في القدرة على السير وسط الحريق دون أن تحترق روحك بالضياع….. لقد اخترت الطريق الصعب ولكنه الطريق الوحيد الذي يحفظ ذاتك…..
هي تلك التي كانت لي طوالَ سنينَ كالنيل؛ تارةً تفيضُ فتغمرُ جفاف روحي بالصبابة، وتارةً تنحسرُ فتتركُ خلفها طيناً من الخيبةِ وجراحاً لا تبرأ. كم من مرةٍ شددتُ الرحالَ إلى عينيها، وكم من مرةٍ عُدتُ أحملُ في حقائبي “خيبة الأمل” وهي تبحثُ عن مرفأٍ عند غيري، تطرقُ أبوابَ زواجٍ لم يُكتب له التمام، بينما كنتُ أنا أرقبُ المشهدَ من بعيد، أتعثرُ بكرامتي المجروحة، وأغرقُ في صمتِ بيتي البارد….
والآن، تعودُ هي بصفائها، كأنها فجرٌ لم يُلمَس، وكأني أنا ذلك العطِشُ الذي نسيَ ملوحةَ البحرِ ليجري خلف قطرةِ مطر. أنا العالقُ في “البرزخ العاطفي”.. في المنتصفِ تماماً؛ لا قلبي يطاوعني على الرحيلِ النهائي وكسرِ القيد، ولا روحي تملكُ القدرةَ على الغفرانِ والعودةِ لما كان، فجراحُ الماضي حفرت في جلدي أخاديدَ لا يمحوها عناق…..
سأذهبُ إليها.. و أجرب حظي لـ “ثمن الوجود” لِـأيام خَلَتْ، لأسرقَ من الزمنِ لحظاتٍ أتنفسُ فيها بعد اختناقٍ دام أعواماً عِجافاً….. أيامٍ معدودة… أقامرُ فيها بكل شيء، لأقفَ أمامَ مرآةِ الحقيقةِ في بلادها؛ هل هي ملاذي الحقيقي؟ أم أنها مجردُ نافذةٍ وهميةٍ فُتحت في زنزانةِ عمري، سأعودُ بعدها لأجدَ الجدرانَ قد ازدادت ضيقاً، والصمتَ قد ازدادَ عمقاً….
إنها ليست مجرد رحلة، بل هي محاولةٌ أخيرة لترميمِ رجلٍ يخشى أن ينطفئَ دون أن يعرفَ طعمَ الارتواء، حتى لو كان ذلك الارتواءُ مُغلفاً بدينٍ لا يُرد، ووجعٍ لا يزول….
لم تكن مجرد امرأة، كانت أنثى بكل سحرها، وبكل وجعها. جاءت بلسانٍ يطوي المسافات، وبقلبٍ يرى فيّ “الرجل” الذي نسيته خلف تلال الالتزام. ….معها، شعرتُ أنني استعدتُ عمري المفقود، لكن الثمن كان باهظاً.. باهظاً جداً….
أعيشُ الآن فصاماً لا يُطاق؛ في بيتي، أتحدثُ بلساني الكوردي، وألبسُ ملامح الزوج الرصين، لكنني في الحقيقة “مهاجرٌ” يسكنُ وجهها. حين أستيقظ، يخونني وعيِي، فتبدأ الملامحُ في التحول، ويصبحُ وجه شريكة عمري غريباً، بينما يرتسمُ وجهُها في عينيّ كأنه الحقيقةُ الوحيدة…أكادُ أناديها باسمها.. تسبقني “اللهجةُ” ويخذلني الثبات، فأتعثرُ في لغتي وأنا أحاول أن أُقنع نفسي بأنني هنا.. ولستُ هناك…
يا له من عذاب! أن تشتاق لدرجة الاحتراق، وتخاف لدرجة الجمود. أن ترغب في القرب، وما إن تقترب حتى يجلدك الندم. أشتهي قربها، وأخشى أن تبتلعني رمالُها المتحركة فلا أعود. أخشى أن أنغمس في لذة هواها فأنكسر، أو أن تظل الحدودُ قائمة فأظل متعطشاً لا أرتوي…
يقولون… إن لها “ظلالاً” أخرى، ويقول قلبي إنها “الجانب الطيب” في هذا العالم الموحش. وبين شكّ الأصحابِ ويقينِ الشوق، أشدُّ رحالي إليها ، حاملاً ميثاقاً من ورق، وقلباً من زجاج، آملاً أن أعود من هذه الايام بصدرٍ فارغٍ من العذاب.. أو على الأقل، بذكرى تكفيني لأواجه بها صمت السنين القادمة….أنا لا أبحث عن خطيئة، أنا أبحثُ عن “أنا” التي ضاعت مني منذ ربع قرن.. وأخشى أنني وجدتها في المكان الخطأ، وفي الوقت المتأخر جداً…
بين نبضِ النيلِ الساكنِ في عينيها، وبين عواصفِ الرغبةِ الجامحةِ في روحي، أجدُني تائهاً كغريبٍ أضاعَ بوصلتَه في زحامِ روحها. هي التي تفيضُ حناناً يربكني، وتحملُ في ملامحها عراقةً تجعلُ من ارتباطي بها عقداً أبدياً لا أقوى على تمزيقه، ولا أطيقُ الالتزامَ ببنوده….
أشعرُ وكأنني أقفُ على ضفافِ صراعٍ مرير؛ قلبي يدركُ قيمتَها كوطنٍ آمن، وعقلي يهمسُ لي بالتحرر، بالركضِ خلفَ الوجوهِ العابرة، واستنشاقِ عطرِ الغريباتِ اللواتي لا يعرفنَ عن حزني شيئاً. أجدُني أخفي حقائبَ سفري خلفَ ظلالِ الصمت، وأداري نيتي في الرحيلِ خلفَ ابتساماتٍ باهتة، فكيفَ لي أن أخبرَ تلك الروحَ التي تراني ملجأها، بأنني أنوي البحثَ عن نفسي في مرافئ أخرى…إنه الوجعُ الأنيقُ الذي يسبقُ الخيانة، والتمزقُ بين وفاءٍ يثقلُ كاهلي، وحريةٍ أخشى أن تكونَ مجردَ سراب. هل أنا أبحثُ عن امرأةٍ أخرى، أم أبحثُ عن “أنا” التي ضاعت في تفاصيلِ حبّها؟ هي ابنةُ الشمسِ والسمار، وأنا الظلُّ الذي يشتهي الضياعَ في أزقةِ الغواية، متسائلاً: هل يستحقُّ بريقُ الوجوهِ الجديدةِ أن أطفئَ من أجلهِ نورَ العين التي لم تَرى غيري…
الان…..والبردُ يزحفُ نحو النوافذ، ثمة نارٌ في صدري لا تطفئها ثلوجُ الغياب. هي ليست مجرد امرأة؛ هي الهوى…. ملامحها نُحتت من طمي النيل، وصوتها فيه بحّةُ لا تُرى في غيرها حين تشدو بالصبر….
أعاني معها تلك “المعاناة الجميلة” التي تجعلُ من المسافة عدواً شخصياً. هي هناك، تسكنُ في الزحامِ ، بين مآذن وعبق التاريخ، وأنا هنا، أعدُّ الدقائقَ كأنها دهر. أعاني من ذاك السحرِ الذي يجعلُ لامرأةٍ ولدت في الصحراء جاذبيةً تفوقُ بريقَ النجمات؛ فهي ليست مجرد سنين، بل هي نضجُ الخمر في خوابيه، ورصانةُ النخيل حين يشتدُّ عوده….
يؤرقني هذا الشوقُ الذي لا يهدأ، وتلك التفاصيلُ الصغيرة التي تربطني بها. أتحاورُ مع طيفها، وأسألُ القدرَ عن لقاءٍ يجمعنا تحت سماءِ بلادها الدافئة، حيثُ يبتسمُ الزمانُ لنا، ويصمتُ العالمُ لنسمعَ دقاتِ قلوبنا فوق مياه النيل….
إنَّ معاناتي تكمنُ في أنني أحببتُ وطناً كاملاً في جسد امرأة، واختصرتُ التاريخَ كله في نظرةٍ من عينيها. هي “وطني الصغرى” التي أنتظرُ عناقها، لعلَّ برداً في روحي يذوب، ولعلَّ حنيناً في دمي يستريح…..
بين أزقةِ الروحِ المزدحمة بأسئلةِ روحي وتناقضاته، وبين رمالِ “بلادها” التي تخبئُ سرَّها في ملامح تلك الأنثى، أقفُ حائراً.. تتقاذفني أمواجُ الحنينِ إلى ضفافِ النيل، وتصدُّني رياحُ المنطقِ التي تهبُّ من أفواه الأصدقاء….
يا ابنةَ الأرضِ الطيبة.. يا مَن تجمعين في عينيكِ دقة “العذراء” وحيرة النبض.. كيف لنا أن نلتقي وكلُّ ما بيننا خيوطٌ واهيةٌ من الوعود؟ كيف لي أن أشدَّ الرحالَ إليكِ وأنا أحملُ في حقائبي يقينَ المغادرة قبل أن أصل….
أتذكّرُ تلك الأيامَ….. كانت كأنها عُمرٌ مسروقٌ من الزمن. يقتلني ذاك الضحكُ العابر مع الغرباء، وتلك اليدُ التي امتدت لتلمسَ سرابَ الثقة، بينما قلبي يغلي بمرارةِ الشكِّ وحرقةِ الغيرة. كنتِ بقربي، وكنتِ بعيدة.. كأنكِ تمارسين طقوسَ “الهروبِ نحو الأمان” في أحضانِ المجهول، لأنني لم أمنحكِ مرفأً رسمياً ترسو عليه سفنكِ….
اليوم، حين يهمسُ لي الرفاق: “لا تذهب”، تنهمرُ دموعي.. ليست ضعفاً، بل هي احتياج واحتجاجُ الروحِ على عجزِ الجسد. أبكي لأنني أشتهي الحضورَ معكِ، وأخشى الغيابَ عنكِ. أبكي لأنني أريدُ أن أكونَ لكِ كُلَّ شيء، بينما أعلمُ يقيناً أنني لن أغيّرَ من واقعِنا شيئاً….
ما جدوى أن نكون معاً، وقلوبنا تسكنُ في قاراتٍ متباعدة؟ ما نفعُ كتاب يُكتبُ في الظلِّ، وروحُكِ تتوقُ لضوءِ الشمسِ والاعتراف؟ نحنُ نمارسُ “الحبَّ المستحيل”.. نقتاتُ على فتاتِ اللحظاتِ العابرة، ونعلمُ أنَّ الوداعَ مرسومٌ على جبينِ اللقاء….
أيا ابنةَ العذراء.. أنا الجوزاءُ المشتتُ بين رغبتي فيكِ وخوفي عليكِ.. بين عقلي الذي يمنعني، وقلبي الذي يدفعني…. رحلتي القادمةُ إليكِ ليست سفراً في الجغرافيا، بل هي انتحارٌ هادئٌ على أعتابِ الشوق….
مُنذ أعوام، وأنا أقفُ على ضفافِ حكايتِها، أرصدُ تقلباتِ مزاجِها كما يرصدُ البحارُ غدرَ الموج. بدأت القصةُ هادئةً كفجرِ يوم جميل، ثم ما لبثت أن تحوّلت إلى إعصارٍ من وجدٍ “عنيف”، سلبني طمأنينتي وأهداني قلقاً لا ينام…..
عجيبةٌ هي….. تمرُّ السنون، وتتراكمُ الخيباتُ فوق الخيبات، وتتساقطُ من بين يديها وعودٌ قطعتْها، لكنها في عيني لا تسقط! وكأنَّ بيني وبين انكسارِ صورتِها عهداً وثيقاً من الوفاء المُر. سألتُ قلبي مراراً: كيفَ لمن أذاقكَ طعمَ الخيانةِ أن يظلَّ سيداً في محرابك؟ كيفَ لمن استباحَ جروحكَ بدخولِ الغرباء إلى عالمِها أن تظلَّ في نظركَ طاهرةً من كلِّ عيب….
والآن.. يراودني الحنينُ لزيارةِ أرضها، وأجدني مكبلاً بقدري؛ فلا وطنها تحلو بلا ملامحِها، ولا ملامحُها تمنحني السلام….. أدخلُ معها الى عالم ثاني ، وكأنني أريدُ أن أحرقَ ما تبقى من صبري لأُدفئَ صقيعَ وحدتي….
يا لها من مفارقةٍ موجعة؛ أن تكون هي الداءُ وهي الدواء، أن تكون هي الغريقُ وهي طوقُ النجاة، وأن أظلَّ أنا… ذلكَ المسافرَ في محطاتِ انتظارِها، أرجو وصلاً أفسدهُ الدهر، وأبحثُ عن “أنا” التي ضاعت في زحامِ عشقِها…..
في صدري عراكٌ لا يهدأ، بين شخص وقورٍ يحمل على كاهله إرث أعوام من الصبر، وبين “عاشقٍ” متمردٍ يرفض أن يشيخ، يرى في ملامح تلك المرأة وطناً بديلاً عن كل الأوطان التي فُرضت عليه….
أعوام مضت، وأنا أعيش في بيتٍ بُنيَ على رغبة الآخرين، أقتاتُ من فُتاتِ العاطفة، وأسيرُ في ردهاته كغريبٍ ضلّ طريقه في منزله. ثم جاءت هي.. لتكون “الزلزال” الذي حرّك ركود سنيني، و”النيل” الذي جرى في صحراء حرماني….
أنتِ تعرفين جرحي، وتعرفين أنني جئتُ إليكِ ثلاثاً، وفي كل مرةٍ كنتُ أتركُ قطعةً من روحي تحت شمسكِ وأعودُ بجسدٍ خاوٍ إلى صقيع واقعي….. اليوم، يجلدني “الجمود”؛ فالعمر يركض كخيلٍ جامحة، وأنا لا زلتُ واقفاً في نفس المحطة، أقبضُ على ريح الانتظار، وأحسبُ الأيام بمال شحيحٍ لا يكفي لشراء تذكرةٍ نحو “الحياة” التي أراها في عينيكِ….
كيف أخبرها أنني أب وقور في نظر أولادي، لكنني “طفلٌ” جائعٌ للحب في محراب هواها… وكيف أشرح للأرض التي أقف عليها أن قلبي قد هاجر منذ زمن، وأن بقائي هنا ليس إلا “ضريبة” أدفعها لأبناءٍ كبروا على أكتافي، ولم يدركوا يوماً أن هذا الكتف كان يرتعش وحيداً في الظلام….
أنا لا أتردد في الذهاب إليكِ خوفاً من الطريق، بل خوفاً من “العودة”. فكل رحلةٍ إليكِ هي ولادةٌ قصيرة، وكل عودةٍ هي موتٌ طويل. أنا المعلّق بين صمت الجبال في كوردستان، وصخب الحنين في بلادها….أنا الرجل الذي أضاع بوصلته، ولم يبقَ له من العمر إلا حلمٌ يخشى أن يستيقظ منه، وواقعٌ يرفض أن ينام فيه…..
أحملُ تعبي في حقيبةٍ لم تعد تتسعُ لشيء، وأمضي. لستُ مسافراً بطلبٍ للاستكشاف، بل أنا فارٌّ بجلدي من جدرانٍ باتت تضيقُ بي، ومن صمتٍ صار ينهشُ الروحَ كصدأٍ قديم. في بيتي، صرتُ غريباً يقتسمُ الرغيفَ مع الخيبة، وفي قلبي تصدعاتٌ لا يرممها اعتذارٌ متأخر ولا يمحوها تعودٌ بارد…..
هناك، بعيداً عن حدود القلق المعتاد، وفي تلك الأرض الغريبة التي لا تعرفني، التقيتُ بها. كانت كواحةٍ ظهرت فجأة لظامئٍ أضناه التيه…. في حضورها، شعرتُ أنني استعدتُ ملامحي المفقودة، وضحكتُ بصدقٍ ظننتُ أنني نسيته….. بدت لي كأنها الترياق، وكأن السفر لم يكن مجرد عبورٍ للمسافات، بل كان عبوراً من “أنا” المرهقة إلى “أنا” التي تشتهي الحياة…..
لكنني، وفي غمرة الوجع، أسألُ نفسي في سكون الليل: هل هي حقيقةٌ أم أنها مجرد صرخة استغاثة من روحٍ محرومة؟ هل أحببتُها حقاً، أم أحببتُ فيها تلك “الحرية” التي افتقدتها خلف أبواب منزلي الموصدة….
أخشى أنني أستبدلُ قيداً بقيد، وأني أهرب من واقعٍ مرّ إلى وهمٍ عذب، سرعان ما يذوب تحت شمس العودة. إنني أعيشُ تمزقاً نبيلاً، بين وفاءٍ لالتزامٍ بات يرهقني، وبين رغبةٍ جامحة في أن أكون “أنا” ولو لمرة واحدة، بعيداً عن الأدوار المفروضة والوجوه المستعارة….
أنا الآن في مفترق الطرق: حقيبتي لم تعد تكفي لكل هذه المشاعر، وقلبي أوهن من أن يحمل عبء حقيقتين معاً….
في صدري فراغٌ لا تملؤه الجغرافيا، وفي روحي ثقبٌ أسود يبتلعُ السكينة كلما اقتربتُ من طيفها. هي تلك الفتاة الآتية من ضفاف الروح، تحملُ في ملامحها سمرَة الشمس وعذوبة النهر، وفي قلبها مفاتيحُ سجنٍ اختبأتُ فيه طوعاً….
أنا الغريبُ الذي يطاردُ ظلاً خلف البحار، أقتبسُ من مستقبلي ديناً لأشتري به أيامٍ من وهمِ الحضور. أخططُ لكلِ تفاصيل اللقاء، وأنا أعلمُ يقيناً أن خلف كل ضحكةٍ في بلادها، شهقةَ ندمٍ تنتظرني عند بوابة العودة…..
يا لهذا الألم العميق! كيف يمكن لقلبٍ واحد أن يتسع لكل هذا التناقض؟ أريدها قربي حتى يذوب الفراغ، وأخافها لأنها تذكرني بضعفي أمام حدودي التي رسمتها ولم ألتزم بها. كلما تطلعتُ في عينيها، رأيتُ انعكاساً لمخاوفي، وسمعتُ صدى “الاشتياق” الذي سينهشُ صدري حين تنطوي سجادة اللقاء وأعود وحيداً، مثقلاً بالذكريات التي لا تُنسى….
هي ليست مجرد امرأة، هي جرحٌ مفتوحٌ على احتمالات الوجع، هي المسافة التي ترفض أن تتقلص، وهي الذنب الذي يغلفه الجمال. أسيرُ نحوها بخطىً مثقلة بالتردد، أحملُ حقيبةً مليئةً بالأحلام المؤقتة، وأعلمُ أنني حين أعود، سأتركُ قطعةً من روحي هناك على الرمال، ليبقى لي فقط مرارةُ السؤال: هل تستحقُ لحظة الانتشاء كل هذا العمر من العناء….
على مشارفِ البحر، حيثُ تهمسُ الأمواجُ بحكاياتِ العشاقِ منذُ الأزل، أقفُ حائراً بين قلبٍ يهفو لملامحَ رقيقة، وروحٍ لا تزالُ تحملُ في طياتِها عبيرَ ونورَ المشاعرِ المقدسة. لقد جئتُ من هناك.. من أرضٍ غسلَ فيها كُلَّ ما مضى، وتركتُ خلفي ذنوبي فوقَ الجبال ، فكيفَ لي اليوم أن أعودَ بصفحةٍ بيضاء لتتلطخَ بحبرِ الهوى والفتنة…
بيني وبينها مسافةٌ من الحنين، وشوقٌ يشدُّني نحو عينينِ بجمالِ سيمائها وصفائها، لكنني أخشى أن يغرقَ طهري في لُجّةِ …. إنها المعاناةُ الكبرى؛ حين تبتعدُ المسافاتُ بين ما تهواه النفس وما يرضاهُ الربّ، وحين يصبحُ القربُ من المحبوبِ بُعداً عن النور….
يا وجعاً يسكنُ ثنايا الصدر، أيُعقلُ أن يُهزمَ المتصوف الذي ذاقَ حلاوةَ القربِ من اللهِ أمام لحظةٍ عابرة؟ إنّ الألمَ الذي يسكنُني ليس من الحب، بل من الخوفِ على ذاك “النور” الذي سكنَ قلبي من عمري الإيماني، أن ينطفئَ في ليلِ الهوى….
إلهي.. أنتَ تعلمُ أنني بشرٌ يضعف، وأنني أحببتُ بصدق، لكنني أحبكُ أكثر. فاجعل نار هواها برداً وسلاماً على قلبي، ولا تجعل خطواتي تزلُّ بعد إذ هديتني…. أريدُها.. ولكنني أريدكُ قبلها، فاحمِني من نفسي، واجعل لُقياها لا فراق بعده أبدا……
في ركنٍ منزوٍ من الروح، حيثُ لا تصلُ الشمس، ثمّة حزنٌ قديمٌ ينمو بصمت، كاللبلاب الذي يتسلق جدران الذاكرة. ليس الوجعُ مجرد دمعةٍ سقطت، بل هو ذلك الزحامُ الخانقُ من الكلمات التي لم تجد مخرجاً، فتراكمت حتى صارت ثقلاً ينوء به القلب.
لقد سقط القناعُ في لحظةِ صدقٍ مباغتة، وانهمر المطرُ من غيماتِ الروحِ أمام عينِ الغريب. شعرتُ حينها وكأنَّ عرياً أصاب كبريائي، وكأنَّ سرّي الذي خبأتهُ طويلاً خلف أسوار الصمت قد استحال مشاعاً. لكن، أليس البحرُ عظيماً رغم اضطرابه؟ وأليس الجبلُ شامخاً رغم الصدوع التي تملأ خاصرته….
إنَّ هذا الأنين الذي يسكنني، وهذا الألم الذي ينهشُ السكينة في صدري، ليس دليلاً على انكساري، بل هو ضريبةُ الرقة في عالمٍ من الحجر. أنا لا أبكي ضعفاً، بل أبكي لأنَّ طاقتي على التظاهر قد نفدت، ولأنَّ روحي أرهقتها المسافاتُ الطويلة التي قطعتها وهي تحملُ حقائب الوجع وحيدة…..
سأصالحُ هذا الحزن، سأجالسهُ كصديقٍ ثقيل الظل لكنه صادق. سأسمحُ لنفسي بأن تكون “إنساناً”، بكل ما يحملهُ الضعفُ من قداسة، وبكل ما في الدمع من طهارة. فالسلامُ لا يأتي من إنكار الجرح، بل من تقبّل الندبة كوشمِ فخرٍ يثبتُ أنني صمدت، وأنني برغمِ كل هذا الوجع.. ما زلتُ أنبض…..
في رُكْنٍ مَهجورٍ من قلبي، يَجلسُ الوَجَعُ مُتربعاً، يَقضمُ ما تَبقّى من صَبري كلما مَرّ طيفُها. تلك التي استوطنت الروح حتى أصبحتْ مَسكنِي ومَنفاي، أراها اليوم في مَرايا أحلامي تَبتعدُ، تُفلتُ يَدي وتَمضي نحوَ غُرباءَ لا يُشبهونني، ولا يَفهمون لغةَ الصمتِ التي كانتْ تَجمعُنا….
رأيتُها في منامي تُزَفُّ إلى غَيرِ مِلَّتي، ولم يكن الضيقُ الذي اعتصرني ضيقاً من “آخَر”، بل كان مَرارةَ العجزِ، وغصّةَ السؤالِ الذي لا يَنتهي: كيفَ لروحٍ أن تنقسمَ على نَفسِها؟ وكيفَ لليقينِ الذي بنيتُه مَعها أن ينهارَ أمامَ جِدارٍ من المستحيل…. لم يكن مجرد حلم، كان مرآةً لروحٍ أتعبها الترقّب. كيف يمكن لوجهٍ كان يوماً يختصر لي معنى “الأمان” أن يصبح اليوم مصدر قلقي الأكبر؟ وكيف لبيتٍ أوينا إليه هرباً من ضجيج العالم، أن يمتلئ فجأة بظلال الغرباء وبصمتٍ موحشٍ لا يسكنه سوى الارتياب…..
إنَّ ألمي معها ليسَ مجردَ خَوفٍ من فُقدان، بل هو “احتراقٌ بـِـبطء”. أنا الذي أُحبُّها بمِلءِ وجداني ويَقيني، أجدُني تائهاً في غابةٍ من الهواجس. كلُّ خطوةٍ نَحوها تبدو وكأنها مَشيٌ على حوافِّ الخَناجر، وكلُّ ليلةٍ تَمضي دونَ وصالٍ حقيقيّ تُضيفُ إلى عُمري قَرناً من الحزنِ المُعتق….
يا ربُّ.. هَبْ لقلبي الذي ضاقَ ذرعاً بما حَمَلَ، سَكينةً لا تُزعزعُها أطيافُ الأحلام. فما أصعبَ أن تُحبَّ مَن تظنُّها لك، ثم يُخبرُكَ القَدرُ –حتى في مَنامِك– بأنَّ الطُرُقَ مُتعرجة، وأنَّ الوُصولَ ليسَ بالبساطةِ التي ظننتها يومَ تلاقتْ أعينُنا لأولِ مرة…..
سنوني التي سالت من حياتي.. لم تكن مجرد أرقامٍ تسقط من تقويم العمر، بل كانت نحتًا هادئًا في جدار الروح، وشهوراً طوالاً من الوقوف على عتباتِ بابٍ لا ينفتح، وطرقاتٍ لم يرتدَّ منها سوى صدى الخيبة….
أعيش في بيتي كغريبٍ يقتاتُ على ذكرياتِ مودةٍ لم تكتمل، وأبحثُ في زوايا العمر عن دفءٍ ضائع، وعن سكنٍ روحي وجسدي يرمم ما انكسر من رجولتي وعنفواني. لقد حاولتُ، وحاولت، أن أشعل شمعةً في نفق الحياة المظلم، أن أمدَّ جسوراً من الرغبة والاحتواء، لكنني كنتُ في كل مرةٍ أصطدم بجدارٍ من الجليد، وبصمتٍ يقتل في داخلي كل بارقة أمل….
أيُّ وجعٍ هذا؟ أن يشيخَ القلبُ قبل أوانه وهو يشتهي أبسط معاني الوصال، وأن تذبلَ السنينُ وأنا أحملُ في صدري بركاناً من الحاجة العاطفية التي لا تجد لها مخرجاً سوى الصبر المر. لقد تعبتُ من “المحاولة”، تعبتُ من دورِ الصابر الذي يبتسمُ في وجه العالم، بينما يصرخُ في داخله طفلٌ يتوقُ لأن يُرى، لأن يُلمس، لأن يُشعَر به…..
هذا الألم ليس مجرد رغبة، إنه جوعٌ للروح، واحتياجٌ لأن أكون “مرغوباً” لا “مقبولاً” فقط. إنه شعورٌ بالهدر.. هدرِ العمر في انتظارِ معجزةٍ لم تأتِ، وفي سدِّ ثغراتِ حياةٍ تبدو مكتملةً من الخارج، لكنها خاويةٌ وموحشةٌ من الداخل…..
عمري يجري.. وأنا ما زلتُ أسألُ الصمتَ: هل كُتب عليَّ أن أظلَّ غريباً في حياتي؟ وهل يلومني الزمانُ إن بحثتُ عن بقايا ضوئي في عيونٍ أخرى، بعد أن أحرقتُ سنيني كلها لأضيءَ مكاناً أبى إلا أن يظلَّ بارداً….
بينما تقترب خطاي من أرضها، أحمل معي ثقلاً لا تصفه الكلمات، وجرحاً يتسع كلما اقتربت المسافات. حبيبتي، التي وُلدت ، تحمل في ملامحها وقار السنين وعمق التجربة، لكنها تحمل أيضاً خوفي الدائم عليها ومنها….
أقف اليوم في تلك المنطقة الرمادية من العمر، حيث يمتزج الشوق بالرهبة، وتتحول الرغبة إلى تساؤلات قلقة. أعاني من هذا التناقض المرّ؛ كيف لي أن أعانق روحاً أخشى عليها من تقلبات القدر؟ وكيف لي أن أحميها من حلمٍ قد يأتي في غير أوانه، فيرهق جسداً تعب من وعثاء الحياة….
إن معاناتي ليست في البعد فحسب، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تسبق اللقاء. أتساءل في صمتي: هل نكفي نحن الاثنين لنكون عالماً مكتملاً، أم أن شبح القادم المجهول يطاردنا؟ هي الآن في خريفها الجميل، وأنا أقف حارساً على حدود هذا الخريف، أخشى أن تذبل أوراقنا تحت وطأة احتمالات لم نعد نقوى على حملها….
يا وطنٌ، يا من احتضنتِ العشاق منذ الأزل، هبي لي من صبرك طمأنينة. فأن تحب امرأةً في نضجها، يعني أن تحبها بوعيٍ يوجع القلب، وبحرصٍ يشبه حرص الوالد على ولده. هي ليست مجرد حبيبة، هي زمنٌ أعبره بحذر، وقصةٌ أخاف أن تُكتب خاتمتها بمدادٍ من القلق والاضطراب….
12