صباح بشير/ كاتبة فلسطينية
تتميّز السّيرة بتركيزها على المعلومة الصّحيحة الدّقيقة، وهذا ما يختلف عن الرّواية، التي تعتمد على الخيال بسرد الحدث، الذي يعالج فكرة ما بنسق مرتب، إذن فالسّيرة تظهر لنا في ثوب الحقيقة لأنها ترتبط بالواقع، أمّا الرواية فتظهر في ثوب الخيال، وهذا ما وضّحه “فيليب لوجون” في تعريفه للسّيرة الذاتيّة بأنها استعادة نثرية يقوم بها شخص يحكي عن نفسه وواقعه وحياته.
إنّ أي رواية هي سيرة، وكلّ سيرة هي شكل من أشكال الرّواية، الفرق بينهما هو أنّ السّيرة الذاتيّة تعتمد على المعلومات الصّحيحة، ولا تعتمد بأيّ حال من الأحوال على الخيال.
من هنا فالتّصنيف الأدبيّ الذي جاء على الغلاف “سيرة ذاتية متخيلة” هو غير دقيق، فكلّ رواية هي سيرة ما، سيرة لشخوصها وأبطالها، لكن.. لا يمكن تسميتها سيرة، لاعتمادها على الخيال، أمّا السّيرة فيمكن تسميتها رواية، لأنها وكما سبق شكل من أشكال الرّواية.
استخدم المؤلف عناصر وتقنيّات السّيرة الذاتيّة، التي دمجها بالخيال وصوّرها بلغة جميلة أنيقة، نقل أفكاره ومشاعره وانتقى الأحداث وعرضها بطريقته الفنيّة الخاصّة، ونحن نعلم أنّ الرّوائيّ العربيّ يجد صعوبة في سرد أحداث حقيقيّة (محرجة) حصلت معه في الماضي دون أن يحتجب خلف ما كتب، ونعلم أيضا أنّ أكثر الأعمال الأدبيّة تدلّ على ذاتيّة كاتبها، فهل اختبأت هذه الذاتيّة خلف شخصيّة طارق؟ وإلى أي مدى يمكن للكاتب تجنّب الضّغوط الاجتماعيّة، ليعبّر عن نفسه بصراحة، وهو يعلم أنّ ذلك قد يعرّضه للإحراج الاجتماعيّ؟ فهل لجأ الكاتب إلى التّخفي الرّوائيّ ودمج الواقع بالخيال، مستعينا بالذّاكرة مضيفا إلى الوقائع والأحداث اليوميّة صبغة من الخيال؟
وبالتطرّق إلى أحداث إي عمل رّوائي، فهي تسير عادة بتسلسل من بداية الصّراع حتى العقدة، التي تتصاعد بدورها وتحتدم حتى تبلغ الذّروة، وتلك هي النّقطة التي تتقدّم المجريات قبلها صعودا، ثمّ يبدأ الحدث بالانحدار؛ ليهدأ التّوتر تدريجيّا تمهيدا للحلّ، الذي يجلب معه نهاية الأزمة.
معظم القرّاء على اختلاف توجّهاتهم وأذواقهم يتطلّعون من بداية الرّواية إلى حبكتها، وتصاعد أحداثها المرتبة، وهذا ما يدفعهم للاستمرار في قراءتها حتى النهاية.
في جمعة مشمشية، لم تتفرّع الأحداث الرئيسية إلى أحداث ثانوية، أو مشاهد أخرى بعيدة، عن شخصيّة طارق، فهذا العمل مكوّن من نصوص تجمع بين السّرد القصصي المركّز، الذي قدّم من خلال مجموعة من اللّقطات والمشاهد المكثّفة. لم أعثر على البناء المتتابع، الذي يقوم على أساس سرد الأحداث من البداية حتى النّهاية بشكل متلاحق، إذ قام النّصّ على الشّخصيّة الرئيسية “طارق” وتمحور حولها، تطوّر وتقدّم أو عاد إلى الوراء بطريقة “الفلاش باك” أو المونولوج الدّاخلي، دون أن ينقسم أو يتجزّأ إلى أحداث أو مشاهد أخرى متفرّعة.
إذنّ فهذا العمل ليس بالرّواية بالمعنى الكلاسيكيّ المفهوم، وليس سيرة ذاتيّة، فبناؤه الفنيّ ينهض على تقديم شكل سرديّ، تتقاطع فيه الرّواية مع السّيرة والقصة، وبذلك يكون قد خرج عن الشّكل النّمطيّ المتعارف عليه في معظم الرّوايات، لذا وقع هذا الالتباس في التّجنيس.
فهل رأى الكاتب التّجريبَ ضرورة ملحّة؛ لإيجاد صياغة فكرية وجمالية مختلفة، أو لخلق دهشة مغايرة؟ أم أنه انطلق من فكرة الإتيان بالجديد والتّمرّد على السّائد من صنوف الكتابة التقليدية؛ وذلك لكسر القوالب الجاهزة التي تطرح فيها المتون السّرديّة.
أرى أنّ هذا العمل يقترب من المتتالية القصصية، وهو لون سرديّ أدبيّ حديث، نجم عن حرکة التطور الأدبيّ، يجمع بين القصّة والرّواية، يمَكِّن القارئ من مطالعة النّصّ كرواية، ويمَكّنه أيضا من قراءة أي قصة في المتتالية بمعزل عن القصص الأخرى، دون أن يسبب ذلك أيّ خلل.
يتمتع هذا النوع بطبيعة جمالية، وقد استخدمه بعض الأدباء في أعمالهم؛ ليصلوا بها إلى عوالم مبهرة، أكثر عمقا وطرحا، منهم على سبيل المثال لا الحصر، الأديب محمود شقير في مجموعته القصصية “حليب الضحى” ومجموعة “سقوف الرّغبة” وهي قصص قصيرة، الواحدة منها تبسط للأخرى فكرة، فتنتج رابطا يكوّن في التقائه سردا يقارب النَفَسَ الروائيّ.
المكان:
قدّم السّارد مدينة أمّ الفحم بأبعاد طوبوغرافيّة دقيقة، بحاراتها وأحيائها وضواحيها، وما حولها من مواقع وبلدات مجاورة، فكانت مركزا للأحداث، والعنصر الأهمّ الذي حمل دوره الفعّال في النّصّ، بعد أن اتّخذ شواهده التّراثيّة والاجتماعيّة، فجاء المكان داعما للعمل وشخوصه، أسقط عليها قيمه وثقافته، ممّا أعطى انسجاما في الخطاب وطبائع الشّخصيّات، كما أضفى بعدا جماليّا آخر، حين وصفت الأزقّة والمساجد وعيون الماء والجبال والمقامات، فتجلّت صورة الماضي بتفاصيله البسيطة العميقة.
وكما اتّخذت اللّغة من المكان صفاته، اتّخذ منها روحه وبقاءه، ليغدو في الرّواية كائنا حيّا، يقاسم شخوصها أفراحهم وأتراحهم، يشهد عليهم وعلى أعمالهم، وتشهد هي على صبرهم وأشواقهم، شهادة حق لا تموت ولا تزول.
إنّ المتأمّل في رؤية الكاتب للمكان، يجد بأنه تجاوز الشّكل الجغرافيّ المجرّد، تعامل معه بخياله وأحاسيسه، وانطلق به إلى عالم جماليّ لا حدود له، حوّله إلى دائرة للفعل، وإلى فضاء واسع وساحة للضّوء والاهتمام.
هناك عمليّة تفاعليّة بين المكان وبناء الشّخوص وتشكيلهم في هذا العمل، الأمر الذي يثبت أن للمكان سطوته، فهو واقع معاش يؤثر في النّفس البشريّة وتكوينها، وهو لا ينفصل عن الإنسان، يحمله في أعماقه مرتبطا به بعلاقة التأثير والتأثر التي تتوثّق بحسّ شعوريّ، نتيجة التّفاعل والانسجام بينهما، وهذا ما يضفي على البشر خصائصهم وملامحهم، ويملأ ذاكرتهم بالمواقف، التي تؤثر في سلوكهم وتصرّفاتهم.
أخيرا.. يستحقّ هذا العمل، الإشارة إليه والتّوقف عنده، فهو يداعب الخيال ويؤنس الوجدان، يمدّ لنا حبل التأمل ما شاء له، يقودنا إلى أتون الذّكرى والحلم، والطّفولة المتروكة على قارعة العمر المهاجر، والجذور والذّاكرة الشّعبيّة الحيّة التي لا تغيب، وتلك الأجواء الدّافئة والزّمن الجميل، الذي شحّ فيه المال وفاض فيه الحبّ حتى سال، سال من حوافّ القلب ومن عرق الأكفّ الحنونة، ومن عبق حكايا الأمّهات والجدّات، ومن مذاق القمح ولون الأرض ورائحة الخبز، تلك الرّائحة وما تبعثه فينا من أصالة وبساطة وألفة مخبّأة.
أباركُ للكاتب أحمد اغباريّة هذا الإصدار، وأتمنى له النّجاح وكلّ الخير، والمزيد من العطاء في عالم الفكر والّلغة والأدب.