د. محمد سعيد الطريحي
ضمن سلسلة كتب أكاديمية الكوفة بهولندا، صدر حديثاً الكتاب (المرقم 103) الموسوم بـ(القصة العراقية قديماً وحديثاً)، من تأليف الأديب والقاص العراقي الرائد الأستاذ جعفر الخليلي، ومن تحقيق: محمد سعيد الطريحي، أصل الكتاب كان عبارة عن محاضرات ألقاها الخليلي في محطة الشرق الأدنى للإذاعة العربية ببغداد عام 1954، ونظراً للاقبال الذي حظيت به أحاديثه في حينه فقد جدد النظر فيها وأصدره ككتاب يتمحور حول تاريخ القصة منذ أقدم العصور الى العصر الحديث ــ والخليلي ــ من رواد القصة العراقية الأوائل كما أنه كان معاصراً لروادها من أول نشأة القصة العراقية الحديثة، وممن عرفهم واتصل بهم وكتب عنهم في هذا الكتاب الأساتذة: سليمان فيضي، ومحمود أحمد السيد، وخلف شوقي الداودي، وأنور شاؤول. ومن مواضيع الكتاب أيضاً: القصَّاص العربي الأول (أبومخنف الأزدي) قصة الإيثار – أثر كليلة ودمنة في القصة العربية، قصة ألف ليلة وليلة ـ قصص الأصمعي والمقامات، جريدة الهاتف ومساهمتها الرائدة في نشر وتنمية القصة ــ طابع القصة العراقية ــ القصة وأركانها ــ المَلَكة الفطرية ــ محل الواقع من القصة ــ أدب المقالة ــ الأسلوب واللغة. اعتمد ناشر الكتاب ومحققه على الأرشيف الخاص للأستاذ الخليلي.
احتوى الكتاب على فصلين، في الفصل الأول منه وردت فيه عدة أبحاث هذه عناوينها: منشأ القصة العربية ــ أقدم مصادر القصة العربية. القصَّاص العربي الأول (أبومخنف الأزدي) قصة الإيثار ــ السبايا في طريقهم إلى الشام. أثر كليلة ودمنة في القصة العربية، قصة ألف ليلة وليلة ــ حكاية الملك شهريار ــ حكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع ــ الليلة الأولى من ألف ليلة وليلة ــ الليلة الثانية من ألف ليلة. الأصمعي نماذج من قصص الأصمعي ــ المطر والسحاب ــ الشاعر المنطيق ــ الأعرابي النابغة ــ الخليفة والأصمعي ــ نماذج من نوادر الأصمعي. ألوان من القصة العربية: أفتك من البراض ــ ديرهند ــ القسم المبرور ــ نفوس كبيرة وأخرى صغيرة.
المقامات الجرجانية، المقامات البصرية، المقامات القردية، المقامات النجارية، الفقه في صلب القصة، طرف من قصة سليمان بن داود، القصة العربية في طورها الأخير: القصة في مصر ــ القصة في سوريا ولبنان ــ القصة في العراق.
وفي الفصل الثاني من الكتاب قدَّم الخليلي عرضاً موجزاً للقصة تناول فيه المواضيع التالية: جريدة الهاتف ومساهمتها الرائدة في نشر وتنمية القصة ــ طابع القصة العراقية ــ القصة وأركانها ــ الملكة الفطرية ــ محل الواقع من القصة ــ أدب المقالة ــ الأسلوب واللغة. وتم كتابه بتفاصيل تتناول أربعة من أعمدة كتَّاب القصة العراقية في بدايتها الأُولى وجميعهم من زملائه، ذاكراً لمحات من حياتهم، تتضمن معلومات عن بيئتهم ونشأتهم وتعداد مؤلفاتهم والاشارة الى أهم نتاجهم القصصي مع نماذج من قصصهم. وهم: سليمان فيضي، محمود أحمد السيد، أنور شاؤول، خلف شوقي الداودي.
ومن الإضافات الجديدة للكتاب قدم المحقق تراجم وافية للقصاص العراقي الأول سليمان فيضي، والرائد الأول للقصة العراقية الحديثة الأستاذ محمود أحمد السيد ومن المواضيع التي في ترجمة السيد (قصصه ومؤلفاته، أصله ونسبه وهل كان هندياً أو شيوعياً؟ وقصة لقاءه بممثل الوكالة اليهودية، وأحاديث عن نبوغه في الفن القصصي، الأستاذ خلف شوقي الداودي (سيرته ونماذج من قصصه) وثقافته التركية وولعه بالفكاهة ومساهماته الصحفية، الأسـتـاذ أنــور شــاؤول وأثر اللغات الأجنبية في أدبه، مع نظرات فاحصة في قصصه، الأدب في الحلة ويهود القرى ومجاملة المسلمين، وعلاقته المميزة بالخليلي).
وبمناسبة اختيار الخليلي لهؤلاء القصَّاصين العراقيين الأوائل. ولمزيد من إلقاء الضوء على ريادة الخليلي للقصة العراقية نقتبس هذه الأفكار التي طرحها المحقق الطريحي في مقدمته للكتاب:
((يعتبر جعفر الخليلي بمساهماته الأولى في القصة ضمن هذا الجيل الرائد من القصّاصين العراقيين، لكنه استثنى نفسه (تواضعاً منه) ولم يشير لنتاجه القصصي والى دوره الكبير في نشر القصة العراقية، مثلما وصف حاله في كتابه هذا بأنه: (كان أبعد الناس في حياته الأدبية وغير الأدبية عن منطوق المثل الشائع: مادح نفسه يقرؤك السلام… وبناءً على هذا المبدأ فلا ينتظر القارىء منَّا أن يقرأ في هذا الكتاب ولا بعده شيئاً عن مؤلف هذا الكتاب وموضعه، وموضع قصصه من تاريخ القصة العراقية إذا كان له ولقصصه موضع ما).
وهذا لا ينفي مكانة الخليلي وريادته في القصة العراقية كما أن جميع من أرَّخ للقصة العراقية، من الباحثين داخل العراق وخارجه، يشهدون بأنَّ جريدة الهاتف التي كان يصدرها الأستاذ الخليلي (منذ صدورها ســنة 1935
في النجف وحتى انتقالها إلى بغداد سنة 1948والى احتجابها سنة 1954) هي أول صحيفة رعت القصة رعاية خاصة وعنيت بها عناية أقرب إلى التبنِّي منها إلى أي شيء آخر، “وأقتبس هنا من مقدمة الخليلي لكتابه”: (لم يُعهد للآن أن تقوم جريدة بالدعوة إلى الترجمة، وترجمة القصة على سبيل النماذج غـيـر جريدة الهاتف ولم يسبق لجريدة عراقية أن حملت طائفة كبيرة من كتاب القصة الحديثة في الأقطار العربية على المســاهمة في نشــر منتوجهم
القصصي فيها بقصد تنمية روح القصة، ولم يكتف (الهاتف) بأن يجعل لون القصة غامراً كل عدد من أعداده بل سعى إلى أن يصدر أعداداً قصصية سنوية تمثل القصة عند الأمم بأغلب اللغات حتى لقد احتوى بعض الأعداد منها على روائع القصة في الأدب الإنكليزي والفرنسي والألماني والإيطالي والإسباني والصيني والهندي والفارسي والتركي إلى جانب القصص العربية من مصرية ولبنانية وسورية وعراقية، وأسهم في الكثير من أعداد الهاتف القصصية عدد من أعلام القصة وأئمتها كمحمود تيمور، والدكتور سعيد عبده، ويوسف السباعي، والدكتور عبد السلام العجيلي وغيرهم، وإن عدد (الراعي) القصصي، وأعداد الهاتف القصصية للسنوات العشرين تصلح أن تكون مرجعاً لدراسة تطور القصة العراقية وكيفية سلوك النهج الذي وضعه (الهاتف) لرفع مستوى القصة العراقية.
ولقد نشأ في (الهاتف) عدد من بناة القصة العراقية الحديثة وعدد من كتابها الناجحين فكان (الهاتف) عاملاً مهماً في بناء القصة العراقية الحديثة، وإن مجلداته العشرين للسنين العشرين حافلة بتاريخ أولئك الكتاب الذين شقوا طريقهم اليوم في عالم الفن الجليل ولو لم يدخل اسم (الهاتف) في الموسوعات الأجنبية وفي الكتب العربية كمرجعٍ من المراجع التاريخية للأدب العراقي الحديث وللقصة العراقية خاصة ولو لم تُشر إليه المراجع كأكبر عامل دعا لتقويم القصة العراقية ونوَّه بها وقصر معظم جهوده العشرين سنة متواصلة على تنميتها”.
ان تغييب ذكر ريادة القصة العراقية للأستاذ الخليلي ودوره الفاعل في نشرها والاهتمام بها وتشجيع الكتاب والادباء على كتابتها، لأمر مؤسف، وبالرغم من عدم اهتمام الخليلي بهذا المعنى لكن ما يبدو من بعض أحاديثه وحواراته أنه كان متأثراً لهذا الى حدٍّ ما.