د. حسين جبار ابراهيم
يقع العراق في قلب منطقة تتصارع فيها المصالح الاقليمية والدولية، وكل دولة تحاول أن تضمن لنفسها حصة أو نفوذا أو مكسبا على حساب استقرار العراق وامنه وسيادته. والأخطر من ذلك أن الدولة العراقية نفسها تعاني من إخفاق بنيوي يجعلها عاجزة عن الدفاع عن مصالحها أو مواجهة الضغوط الخارجية. وبذلك يصبح الضرر القادم من الداخل اكثر خطورة من الاضرار القادمة من الخارج.
ولا بد من قراءة موضوعية تستند إلى الوقائع والمصالح والتحولات التاريخية وتحليل أسباب مواقف كل حكومة من تلك الحكومات التي لا تريد الخير للعراق والتي تؤثر في مشهده بصورة مباشرة:
أولا: حكومة إيران.
ثانيا: حكومة الكويت
ثالثا: حكومة اسرائيل
رابعا: حكومة العراق!!
أولا: حكومة ايران
تعد إيران اللاعب الأكثر تأثيرا في الساحة العراقية عبر بناء شبكة نفوذ سياسية واقتصادية وأمنية هدفها الأساس إبقاء العراق ضعيفا وتابعا. وأسباب هذا الموقف تشمل:
1. الهيمنة الاقتصادية: فالعراق سوق حيوية تعتمد عليه ايران لتصريف منتجاتها وتجاوز العقوبات المفروضة عليها. ومن مصلحة طهران استمرار حاجة العراق للكهرباء والغاز، لأن ذلك يمنحها نفوذا وضغطا مستمرا.
2. الهيمنة السياسية: فقد صُنعت حكومات عراقية متعاقبة برضا طهران أو بضغط منها، ما جعل القرار العراقي مرتهنا في محطات مصيرية.
3. الهيمنة الأمنية: اذ ان وجود الفصائل المسلحة المرتبطة بايران جعل العراق ساحة مفتوحة للتصفيات والاشتباكات بين مشاريع خارجية، وليس بين قوى وطنية.
4. إضعاف العراق كاستراتيجية دائمة: لان عراق قوي اقتصاديا وسياسيا يشكل منافسا حقيقيا لإيران. لذلك تعمل طهران على إبقاء العراق في حالة هشاشة دائمة.
ثانيا: حكومة الكويت
رغم العلاقات الرسمية الهادئة، فإنّ الكويت تنظر إلى العراق من زاوية تاريخية وحسابات أمنية طويلة الأمد. وموقفها يتأثر بـ:
1. القلق الاستراتيجي:
فغزو 1990 بقي جرحا في الذاكرة الكويتية، مما يجعلها تتحفظ على أي نهوض عراقي محتمل.
2.ملفات النفط والحدود:
النزاعات حول بعض الحقول النفطية المشتركة تعكس تضارب مصالح واضحة، وفي أحيان كثيرة تميل هذه المصالح ضد العراق.
3.ملف التعويضات:
فقد استثمرت الكويت نفوذها الدولي لابقاء العراق تحت وطأة الالتزامات المالية لسنوات طويلة، حتى بعد تغيّر الظروف السياسية.
ثالثًا: الحكومة الاسرائيلية
الحكومة في إسرائيل لا تنظر إلى العراق من زاوية عداء مباشر اليوم، لكنها ترى فيه وفي أي دولة عربية كبيرة ومستقرة تهديدا استراتيجيا طويل الأمد. وأسباب هذا الموقف تشمل:
1.توازن القوى: فوجود عراق قوي يعني قوة للعرب وارتفاعا في مستوى التحديات الأمنية لاسرائيل.
2.الذاكرة التاريخية: فالعراق شارك في الحروب ضد إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، ورفض التطبيع.
3.الموقع الجيوسياسي: اذ يشكل العراق مفصلا جغرافيا يربط الشام بالخليج العربي، وأي قوة عراقية تستعيد موقعها قد تغيّر موازين المنطقة.
رابعا: الحكومة العراقية!!
الحكومة العراقية لا تعادي العراق بنية مسبقة، لكنها تضر به إضرارا بالغا عبر منظومة كاملة من الفشل البنيوي والفساد والتبعية. وهذا أخطر بكثير من مواقف أي دولة خارجية اخرى.
ما هو الإخفاق البنيوي؟ ولماذا هو أخطر من العداء الخارجي؟
الإخفاق البنيوي يعني أن الخلل متجذّر في بنية الدولة نفسها، وليس في افراد أو وزراء أو حكومات عابرة. بمعنى أن الدولة مصممة بطريقة تؤدي إلى الفشل مهما تغير الأشخاص. وهذا الاخفاق يبرز في ستة محاور:
1. المحاصصة الطائفية والحزبية: فالنظام السياسي العراقي قائم على المحاصصة: (الحزب هو الذي يعين الوزير، والطائفة هي التي تختار المدير، والولاء أهم من الكفاءة).
هذه البنية لا يمكن أن تنتج دولة ناجحة. ومهما تغير الوزراء فان النتيجة ستبقى نفسها: شلل إداري، وفوضى، وفساد مؤسسي محمي سياسيا.
2. غياب دولة مهنية مستقرة: فالدول المتقدمة لديها مؤسسات مستقرة تحافظ على الدولة مهما تغيرت الحكومات، اما في العراق فالمؤسسات يتم تغييبها أو اختراقها أو تغيير كوادرها مع كل دورة انتخابية.
وهذا يقطع جذور الخبرة ويجعل الدولة بلا ذاكرة مؤسسية.
3. نظام رقابي عاجز عن المحاسبة: فحين تكون الرقابة شكلية والهيئات مخترقة حزبيا، والقضاء يتعرض للتدخل، فإن الفساد لا يصبح خطأ عابرا، بل ظاهرة بنيوية تحكم كل مفصل في الدولة.
4. الاقتصاد الريعي: فدولة تعتمد على النفط وحده هي دولة هشة، لأن الحكومة لا تحتاج المواطن كدافع ضرائب، والمواطن يحتاج الحكومة للوظيفة. لذا يصبح المجتمع تابعا للسلطة، والسلطة لا تحتاج الانتاج أو الكفاءة. وهكذا يُعاد انتاج الفشل تلقائيا.
5. النفوذ الخارجي:
فحين يكون جزء من الأحزاب ممولا أو مدعوما من دولة خارجية (إيران تحديدا)، يصبح الولاء الخارجي جزءا من تكوين السلطة نفسها.
وهذا ليس خطأ سياسيا يمكن إصلاحه بقرار، بل خلل بنيوي يحتاج إلى إعادة بناء الدولة من جذورها.
6. الترهل الاداري والبطالة المقنعة: فوجود أكثر من أربعة ملايين موظف اكثرهم بلا دور فعلي، يعني أن الحكومة منهكة ماليا وإداريا. ولا يمكن لأي إصلاح حقيقي أن يحدث دون معالجة هذا التشوه البنيوي في هيكل الدولة.
ان الحكومة العراقية على اختلاف رؤسائها، تحولت من سلطة يُفترض أنها تحمي الدولة إلى سلطة تُكرر الفشل وتعيد إنتاجه، وتسمح للنفوذ الإيراني بالتغلغل، وتشرعن الفساد بحكم بنية النظام نفسه. وبذلك يصبح عداء الحكومة لبلدها عداءً غير معلن، لكنه أخطر من أي عداء خارجي، لأنه ينخر الدولة من الداخل ويدمر مؤسساتها وينهك اقتصادها ويجعلها فريسة سهلة للقوي والضعيف.
هناك دول اخرى لا تتمنى الخير للعراق، لكن الدول التي ذكرتها تأثيرها عليه مباشرا ومؤثرا اكثر. فالولايات المتحدة ليس لها عداء مباشر للعراق لكنها تراه ضمن إطار استراتيجيتها في الشرق الأوسط، وليس كدولة يجب أن تصبح قوية وفاعلة. كما أن إدارتها للفوضى بعد 2003، والسماح المفرط للنشاط الايراني اضعف مؤسسات الدولة، بل الغى بعضها، وهذه كلها عوامل جعلت العراق عاجزا عن النهوض، أمريكا تريد ان يبقى العراق ضعيفا وداخل حدود مصالحها.
العراق اذن لا يواجه أعداء في الخارج فقط، بل يواجه عدوا داخليا يتمثل في دولة بنيتها مختلة، ومنظومتها فاسدة، وارادتها مخترقة. والدول الأخرى المحيطة بنا قد تتمنى للعراق الضعف، لكن الذي يجعل هذا الضعف ممكنا هو فشل الدولة من الداخل.
والعراق لن يستعيد عافيته إلا إذا تغيّرت البنية التي تنتج الفساد ويُعاد بناء الدولة على أساس الكفاءة والسيادة والمهنية.
jabbarhussein7@gmail.com