المسؤولية الدولية عن التضليل الإعلامي العابر للحدود دراسة في ضوء قواعد القانون الدولي والتحديات الرقمية المعاصرة

الأستاذ الدكتور رزكار حمه رحيم بنجويني

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولاً جذرياً في طبيعة تدفق المعلومات نتيجة الثورة الرقمية وتطور وسائل الاتصال الحديثة، فلم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي الفاعل الوحيد في تشكيل الرأي العام، بل أصبحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أدوات قادرة على إنتاج المحتوى ونشره عالمياً خلال ثوانٍ معدودة. وقد أدى هذا التطور إلى بروز ظاهرة جديدة تتمثل في التضليل الإعلامي العابر للحدود، وهي ظاهرة تتجاوز الإطار الداخلي للدول لتؤثر في الأمن الدولي والاستقرار السياسي والعلاقات بين الدول. ولا يقتصر خطر التضليل الإعلامي على نشر الأخبار الكاذبة، بل يمتد إلى توجيه الرأي العام والتأثير في العمليات الانتخابية وإثارة النزاعات الداخلية وإضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، فضلاً عن استخدامه كأداة ضمن الحروب الهجينة والصراعات الجيوسياسية. ويثير ذلك تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية قواعد القانون الدولي التقليدية لمساءلة الدول أو الجهات التي تقف وراء حملات التضليل المنظمة.

ولا يوجد حتى الآن تعريف موحد للتضليل الإعلامي العابر للحدود في القانون الدولي، إلا أن الفقه يتجه إلى اعتباره نشاطاً منظماً يهدف إلى نشر معلومات أو صور أو بيانات مضللة عبر الحدود بقصد التأثير في دولة أخرى أو مجتمعها أو مؤسساتها. وتمتاز هذه الظاهرة بسرعة الانتشار، وصعوبة تحديد مصدرها، واعتمادها على المنصات الرقمية العالمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، الأمر الذي يجعلها أكثر تعقيداً من وسائل الدعاية التقليدية.

ويقوم نظام المسؤولية الدولية على مبدأ مفاده أن كل فعل غير مشروع دولياً يترتب عليه التزام بالإصلاح وجبر الضرر. وتبرز الإشكالية في البيئة الرقمية عندما تستخدم دولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة أدوات إعلامية أو إلكترونية للتأثير في دولة أخرى أو تمتنع عن اتخاذ العناية الواجبة لمنع استخدام إقليمها أو بنيتها الرقمية في تنفيذ حملات تضليل واسعة النطاق. ويُعد معيار العناية الواجبة أحد أهم الأسس القانونية الحديثة التي يمكن البناء عليها لتطوير قواعد المسؤولية الدولية في المجال الرقمي.

قد يعجبك ايضا