د. نزار الربيعي
تمثل الرمزية في الأساطير الشعبية العراقية أحد أهم المكونات الثقافية التي تسهم في تشكيل الوعي الجمعي وتفسير الإنسان للعالم من حوله. فالأسطورة لم تكن مجرد قصة تُروى للتسلية، بل كانت نظاماً رمزياً متكاملاً يعكس رؤية المجتمع للعلاقات الاجتماعية، والطبيعة، والقوى فوق الطبيعية. وقد جاءت الرموز في الأساطير العراقية الشعبية لتجسد صراعات الإنسان وأحلامه وخوفه من المجهول، فصارت مرآة لثقافة متجذرة تمتد جذورها إلى حضارات وادي الرافدين.
لقد اعتمدت الأساطير الشعبية العراقية على الرمز في التعبير عن المفاهيم الكبرى مثل الخير والشر، الحياة والموت، الخصوبة والجدب. ولعل ارتباط العراق بالأرض والزراعة والنهرين جعله ينتج أساطير تركز على رمزية الماء والنبات والحيوان. ومن أبرز هذه الرموز رمز النهر الذي جسّد في الوعي الشعبي مفهوم التجدد والاستمرارية، فالنهر في الأسطورة ليس مجرد مجرى مائي بل هو كيان حي له إرادة وقدرة على العطاء أو الغضب. وتظهر هذه الرمزية في الحكايات التي تربط بين فيضانات دجلة والفرات وغضب الأرواح أو الجن أو القوى غير المرئية.
أما الحيوان فقد شكّل بدوره رمزاً أساسياً في الأساطير الشعبية العراقية؛ فالثور رمز القوة والصبر، والثعبان رمز الشر أو الحكمة بحسب السياق، والطيور غالباً ما ارتبطت بالروح والحرية. وقد كانت العلاقة بين الإنسان والحيوان في المخيال الشعبي علاقة غنية بالمعاني، إذ ظهرت الكائنات الحيوانية كوسائط بين العالم البشري والعالم الغيبي. وهذا يعكس بوضوح مدى تأثير الموروث السومري والبابلي في الثقافة الشعبية، إذ نجد أن رموز الحيوانات استمرت قروناً طويلة في الذاكرة الجمعية.
ومن الرموز البارزة أيضاً رمز المرأة التي ظهرت في الأساطير الشعبية العراقية بصورتين متناقضتين: فهي مرة تجسيد للخصوبة والجمال والرحمة، ومرة أخرى رمز للفتنة والخطر. هذا التناقض يعبّر عن عمق النظرة الاجتماعية لدور المرأة ومكانتها، وكذلك عن ثنائية الحياة والموت التي مثّلت محوراً مهماً في الأسطورة العراقية. وتبرز شخصية “السعلاة” في المخيال الشعبي كشكل رمزي للخوف من المجهول وللعقاب الأخلاقي، فيما تظهر المرأة الطيبة أو الساحرة العالمة كرمز للحكمة والقدرة على الشفاء.
وتحضر الرمزية أيضاً في الشخصيات الأسطورية ذات الطبيعة المزدوجة، مثل “الجن” و”العفاريت” الذين يجسدون القوى الخفية التي يمكن أن تكون خيّرة أو شريرة. فالأسطورة الشعبية العراقية لا تنظر إلى العالم بمنطق الأبيض والأسود؛ بل هي رؤية تمزج بين الخير والشر في كائن واحد، مما يشير إلى عمق الفلسفة الشعبية التي تدرك أن الحياة مركّبة ومعقدة. وهذه الشخصيات كانت تستخدم رمزياً لتفسير الظواهر الطبيعية أو لتقويم السلوك الاجتماعي، إذ لعبت الأسطورة دوراً تربوياً يوجّه الأفراد نحو قيم معينة أو يحذرهم من أفعال محددة.
وتظهر الرمزية في الأساطير أيضاً من خلال ارتباطها بالمكان، فالمناطق الريفية والبيئة الصحراوية والغابات والمستنقعات كلها تحمل دلالات رمزية خاصة. فالصحراء رمز للضياع والخطر، والمستنقعات رمز للغموض والكائنات الخفية، والبيوت القديمة رمز للذكريات والأرواح التي لا تفارق. وهذا الارتباط بين الأسطورة والمكان يعكس عمق العلاقة بين الإنسان العراقي وبيئته، حيث تتحول الجغرافيا إلى لغة رمزية يتحدث بها الوعي الجمعي.
إن دراسة الرمزية في الأساطير الشعبية العراقية تكشف أن هذه الرموز لم تُبتكر اعتباطاً، بل جاءت نتيجة تفاعل طويل بين الإنسان وظروفه الطبيعية والاجتماعية والدينية. فالأسطورة، بما تحمله من رموز، تعد وسيلة لفهم العالم وإيجاد تفسيرات للظواهر التي كانت عصية على الإدراك العلمي. كما أنها وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية وتوريث القيم والعادات من جيل إلى آخر.
وعلى الرغم من التطور العلمي والمعرفي، ما تزال الرموز الأسطورية حاضرة في الحياة اليومية للعراقيين، سواء في الأمثال أو الحكايات أو الأغاني الشعبية أو المعتقدات المتوارثة. وهذا يدل على أن الأسطورة ليست مجرد ماضٍ غابر، بل عنصر حي يواصل تأثيره في تشكيل الوجدان والهوية. ولذلك فإن فهم الرمزية في الأساطير الشعبية العراقية يتيح قراءة معمقة للثقافة المحلية ويفتح باباً لفهم الإنسان العراقي في ماضيه وحاضره.