ماهين شيخاني
مقدمة: جبلٌ بأربعة أسماء وتاريخ واحد
جبل “الجودي” أو “قردو” ليس مجرد ارتفاع صخري في جنوب شرق تركيا اليوم. إنه صفحة مضيئة من ذاكرة المنطقة، تتداخل فيه التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية، وفي الوقت نفسه شاهد على عمق الوجود الكوردي في هذه البقعة الجغرافية .
ففي حين يذكره القرآن الكريم باسم “الجودي” (هود: 44)، تطلق عليه المصادر السريانية والآرامية اسم “طور قردو” (جبال قردو)، وتجمع الروايات التوراتية والمسيحية المبكرة على أنه المكان الذي استقرت فيه سفينة نوح بعد الطوفان. هذا التداخل بين الأديان السماوية والذاكرة الكوردية يمنح المنطقة قدسية فريدة، ويربط الجبل بهوية شعب بأكمله.
الجزء الأول: بيت قردو ومملكة كوردوين – صلة الاسم والجذر
إذا أردنا البحث عن أول إشارة واضحة إلى “كرد” في التاريخ، فسنقف عند اسم مملكة “كوردوين” (Corduene/Gordyene) التي ازدهرت في العصر الهلنستي والروماني، وتطابق جغرافياً المناطق الجبلية جنوب بحيرة وان وشرق دجلة, والتي تعتبر مرادفاً قديماً لكوردستان الحالية. فهذه المملكة لم تكن مجرد كيان سياسي عابر، بل كانت حلقة وصل بين الحضارات الرئيسية.
المصادر السريانية تذكرها باسم “بيت قردو” أو “بيت قوردايا”. هذا الاسم السرياني ليس عابراً؛ بل هو الذي نراه لاحقاً في المصطلحات اليونانية (Gordyene)، واللاتينية (Corduene)، والأرمنية (Kordukh). بل إن الترجوم الآرامي للتوراة (Targum Onkelos) يترجم “جبال أرارات” إلى “طور قردو”, أي جبال قردو, وقد ورد هذا الاسم في أدبياتهم لتحديد المنطقة التي استقرت فيها السفينة.
اللافت للنظر أن التسمية لم تقتصر على المملكة فقط، بل أُطلق اسم “قردو” على جبل بعينه (جبل الجودي/ قردو حالياً في تركيا)، والذي لبث قروناً محطة حج للمسيحيين واليهود والمسلمين. هذه التسمية الجغرافية المزدوجة (لمملكة وجبل) تُظهر أن اسم “قردو” لم يكن طارئاً، بل ضارباً في أعماق التاريخ قبل الميلاد بقرون.
المستشرق الألماني ثيودور نولدكه (Nöldeke) ربط في بحثه الشهير (1898) بين “كردو” (الاسم الأساسي عند الإغريق) و”الكردوخيون” الذين واجهوا الفرس والإغريق، مرجحاً أن الجذر “قردو” هو التسمية القديمة التي تحولت إلى “كرد”. هذا صحيح إلى حد بعيد، فالاسم تحول من “كاردوخي” (Carduchi) عند زينوفون (401 ق.م) إلى “كرد” في المصادر العربية والفارسية اللاحقة. كما يذكر بعض الباحثين أن أصل الكلمة في الأكادية “qardu” يعني شجاعاً أو بطلاً، وهي صفة تنطبق على سكان هذه الجبال.
الجزء الثاني: جبل قردو وسفينة نوح – علامة فارقة في الذاكرة الجماعية
يبدو أن “جبل قردو” الذي يقع حالياً في محافظة شرناق (Şırnak) التركية، والمسمى اليوم بـ “جودي” أو “چيا جودي” بالكردية، كان محطة فاصلة في تثبيت اسم “قردو” في الأذهان.
ما يجعل الأمر فريداً هو أن علماء الآشوريين والسريان والكنيسة الشرقية توارثوا هذا التقليد جيلاً بعد جيل. فقد بنيت الأديرة على سفوح هذا الجبل, وأُنشئت فيها كنائس وأديرة مثل “دير السفينة” الذي ظل مزاراً عبر القرون. وبما أن الأديرة كانت مراكز للكتابة والتأريخ، فقد انتشرت تسمية “قردو” في الوثائق السريانية والمسيحية بشكل كبير، وأصبحت مرادفاً للمنطقة الجبلية جنوب بحيرة وان وشرق دجلة (بوتان).
الجزء الثالث: ملوك وممالك تحت الراية الرومانية والفارسية
كانت مملكة كوردوين كياناً سياسياً مهماً في العصر الكلاسيكي، تمركزت في شرق دجلة وبين بحيرة وان وجزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان). برزت المملكة بعد انهيار السلوقيين، واستمرت لعقود طويلة كدولة تابعة للإمبراطورية الرومانية ثم الفارسية، متمتعة بقدر من الحكم الذاتي. وقد لعب ملوك كوردوين دوراً مهماً في التوازنات الإقليمية بين روما وبارثيا.
أما على المستوى الشعبي، فقد ذكر المؤرخون القدامى (كزينوفون) قسوة وكفاءة محاربي “كاردوخي” (Carduchi / Gordyaei) الذين صدوا الهجمات الفارسية واليونانية. تشير الدراسات الحديثة إلى أن هؤلاء السكان الجبليين كانوا أسلافاً محتملين للكورد.
الجزء الرابع: تنوع الأديان في كردوين – من ميثرائية إلى مسيحية وإيزيدية
الأهم بالنسبة لموضوعنا: ماذا كان يعبد سكان كردوين قبل الإسلام؟
أ. الآلهة القديمة والحضارات الأولى:
من خلال الحفريات الأثرية، تبين أن سكان كردوين الأوائل كانوا ضمن الدائرة الحضارية للحوريين والآشوريين، وكانوا يقيمون الطقوس الوثنية المحلية التي تعبد قوى الطبيعة. وأشارت المصادر إلى أنهم عبدوا الإله الحوري تيشوب (Teššup)، إله السماء والرعد والبرق, والذي كان معبوداً رئيسياً في المنطقة. هذا يدل على أن المنطقة شهدت تعدداً دينياً منذ أقدم العصور.
لكن التطور الأهم كان مع دخول المنطقة في الحضارة الإيرانية تدريجياً؛ حيث انتشرت الديانة الميثرائية (عبادة إله الشمس مهر/ميثرا) بين النخب العسكرية في كردوين، جنباً إلى جنب مع انتشار الزرادشتية؛ دين الإمبراطورية الفارسية الرسمي. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان للإيزيدية حضورها المبكر أيضاً في هذه الرقعة الجغرافية.
ب. المسيحية: الجذور العميقة والمبكرة
تشير المصادر التاريخية إلى أن المسيحية دخلت المنطقة في وقت مبكر جداً، وانتشرت بين السكان المحليين بقوة. بل وفي رواية خاصة أن الحواريين مار ماري ومار آدي بشرا في كوردوين خلال القرن الأول الميلادي.
كما تذكر بعض المراجع أن ملكاً كوردياً في المنطقة يُدعى تيرداد (Tirdad) اعتنق المسيحية عام 338 ميلادي، ومن ثم نشرها بين أتباعه. هذا يؤكد أن هنالك حضوراً مسيحياً كوردياً مهماً قبل الفتح الإسلامي بقرون. لكن، مع ذلك، فإن انتشارها تزامن مع مقاومة البعض للفُرس المجوس، ومع تحول المنطقة إلى ميدان صراع بين الإمبراطوريات المسيحية والزرادشتية.
ج. الكنائس الشرقية وتحول المنطقة
وقد كان لمنطقة كردوين نصيب في النزاعات المذهبية داخل الكنيسة الشرقية (نسطورية/يعاقبة). أنشئت فيها الأديرة الشهيرة، مثل دير مار يوزادق في جبال قردو. وقد كان لهذا الحضور الديني دور في الحفاظ على الهوية والذاكرة المحلية التي انتقلت لاحقاً للقبائل الكوردية المسلمة واليزيدية والعلوية.
الجزء الخامس: ماذا عن الزردشتية؟
إن القول بأن الكورد كانوا زردشتيين بالكامل قبل الإسلام هو تبسيط مفرط.
صحيح أن المنطقة تأثرت بالزرادشتية (المجوسية)، خاصة أثناء فترات الحكم الفارسي وانتشار طقوس النار والنفوذ الديني للإمبراطورية الفارسية. وأثر هذه الديانة واضح في تراث الإيزيديين وبعض العادات الكوردية. وقد لاحظ الباحثون في العقود الأخيرة محاولات من قبل قوميين كورد لإحياء الزرادشتية كـ”دين قومي” أصلي للكورد، وكرد فعل ضد الأسلمة العربية والتركية. لكن هذه المحاولات تُصنف كـ”تقليد مستحدث” (Invented Tradition) أكثر من كونها استمراراً حقيقياً لديانة قديمة.
لكن الحقيقة التي تؤكدها المصادر هي أن معتقدات الكورد القدماء كانت مزيجاً معقداً من الطوائف والحضارات المتعاقبة، والتي تتضمن: بقايا عبادات طبيعية سابقة (حورية، آشورية)، ومعتقدات إيرانية قديمة (مهرية/زرادشتية) مختلطة بعناصر مسيحية وإيزيدية ويارسانية وما قبلها.
الخاتمة: شهادة تاريخية على عمق الوجود
إذا أردنا أن نلخص العلاقة بين “قردو” والكورد، فالصورة التي ترسمها الأدلة المتاحة هي كالتالي:
1. الارتباط الجغرافيّ والتاريخيّ: مملكة كوردوين جغرافياً هي قلب كوردستان الحديثة. هذا جعل السريان والآراميين يطلقون على المنطقة اسم “بيت قردو”، واعتبروها جزءاً لا يتجزأ من خرائطهم الدينية والتاريخية.
2. عمق التسمية والاستمرارية: التسمية السريانية “قردو” هي الأساس الذي تطور إلى “كورد” في المصادر العربية والفارسية والعثمانية فيما بعد، عبر قرون من التطور اللغوي والتواصل الحضاري.
3. تعدد وثراء الدين: لم يكن كردوين يتبعون ديناً واحداً قبل الإسلام، بل كانوا مزيجاً من عبّاد تيشوب الحوري، والديانة الميثرائية، والزرادشتية، والمسيحية (النسطورية واليعقوبية)، والإيزيدية.
هذه التفاصيل لا تثبت فقط أن جبل قردو (الجودي) هو أرض الكرد ومرسى سفينة نوح في المعتقد المسيحي والإسلامي، إنما تقدم دليلاً تاريخياً على أن جذور الاسم الكردي تمتد لأكثر من ألفي سنة قبل الميلاد في كتابات سكان المنطقة الأصليين أنفسهم. وهو تأكيد بأن الكرد ليسوا مجرد قادمين حديثين مع الفتوحات الإسلامية، بل هم أبناء هذه الجبال منذ فجر التاريخ.
