نهاد القاضي
ترى هل عجاج التكريتي الشخص الوحيد الذي كان مسؤولا عن سجن نكرة السلمان ماذا عن الاخرين الذين كانوا معه.؟؟؟؟
عجاج التكريتي بين العدالة المتأخرة وذاكرة الأنفال في نقرة السلمان
تشكل محاكمة عجاج التكريتي، المسؤول السابق في سجن نقرة السلمان خلال حملات الأنفال، واحدة من أكثر المحاكمات حساسية في الذاكرة الكوردية والعراقية المعاصرة. فالقضية لا تتعلق فقط بمحاكمة فرد متهم بارتكاب انتهاكات خطيرة، بل تفتح ملفاً تاريخياً وإنسانياً يرتبط بجرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الكوردي خلال حقبة النظام البعثي السابق.
لقد جاءت هذه المحاكمة بعد عقود طويلة من الألم والصمت، وبعد سنوات عاش فيها كثير من الضحايا والناجين وهم يعتقدون أن الجناة أفلتوا نهائياً من العقاب. ولذلك فإن ظهور أحد رموز سجن نقرة السلمان أمام القضاء يمثل بالنسبة للكثير من عوائل الضحايا لحظة اعتراف متأخرة بمعاناتهم. لكن القضية، في بعدها الأعمق، تتجاوز شخص عجاج التكريتي نفسه، لتطرح أسئلة كبرى حول العدالة والذاكرة والانتقام والمصالحة، وحول قدرة المجتمعات الخارجة من الكوارث الجماعية على مواجهة ماضيها دون السقوط في دوامة الثأر المستمر.
أولاً: من هو عجاج التكريتي؟
ارتبط اسم عجاج التكريتي في ذاكرة كثير من الناجين من الأنفال بسجن نقرة السلمان، ذلك المكان الصحراوي القاسي الذي تحول خلال سنوات الثمانينيات إلى رمز للخوف والتجويع والإذلال الجماعي للمؤنفلين الكورد وايضا لاعضاء و قيادات الحزب الشيوعي العراقي ولاغلب الوطنيين الذين وقفوا بالضد من النظام الصدامي السابق.
وبحسب شهادات ناجين وتقارير إعلامية، كان عجاج واحداً من المسؤولين المباشرين عن إدارة السجن والتعامل مع المعتقلين، حيث تحدث شهود عن:
التعذيب الجسدي والنفسي،
التجويع المتعمد،
الإهانات اليومية،
ظروف الاحتجاز اللاإنسانية
والانتهاكات التي تعرضت لها النساء والأطفال
في 31 تموز 2025 أعلنت السلطات العراقية إلقاء القبض عليه بعد سنوات طويلة من التخفي، قبل أن تبدأ محاكمته بحضور مئات الشهود والناجين من حملات الأنفال.
ثانياً: التوصيف القانوني والحقوقي للجرائم
إن الجرائم المرتكبة خلال حملات الأنفال لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء عسكرية، بل تندرج ضمن الجرائم الكبرى التي عرفها القانون الدولي الحديث.
فما تعرض له الكورد شمل: القتل الجماعي، الإخفاء القسري، التهجير، التدمير المنظم للقرى، التعذيب، والانتهاكات الجنسية. ولهذا اعتبرت المحكمة الجنائية العراقية العليا سابقاً أن الأنفال تمثل جريمة إبادة جماعية بحق الشعب الكوردي. ومن الناحية الحقوقية، فإن أهمية محاكمة عجاج لا تكمن فقط في معاقبة متهم فرد، بل في:
الاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا، توثيق الجرائم أمام القضاء، حماية الذاكرة الجماعية من الإنكار، فتح الباب أمام ملاحقة متورطين آخرين. فالجرائم ضد الإنسانية لا تسقط أخلاقياً وإنسانياً بمرور الزمن، حتى عندما تتأخر العدالة لعقود.
ثالثاً: كيف تصنع الأنظمة الشمولية جلاديها؟
تطرح قضية عجاج التكريتي سؤالاً إنسانياً وفلسفياً بالغ الأهمية:
هل يولد الإنسان جلاداً؟
أم أن الأنظمة الشمولية قادرة على تحويل الإنسان العادي إلى أداة تعذيب؟
إن كثيراً من التجارب التاريخية أثبتت أن الأنظمة الدكتاتورية لا تعتمد فقط على القادة الكبار، بل على شبكة واسعة من: المنفذين، الحراس، المخبرين، والمتعاونين المحليين. وقد ظهر ذلك في: ألمانيا النازية، رواندا، البوسنة، تشيلي، والأرجنتين. وفي أغلب الحالات كان الجناة يبررون أفعالهم بعبارات مثل: “كنا ننفذ الأوامر” أو “كنا نخدم الدولة”. لكن القانون الدولي الحديث رفض هذا التبرير، واعتبر أن تنفيذ الأوامر لا يلغي المسؤولية الفردية عن الجرائم الكبرى.
رابعاً: العدالة المتأخرة… هل تكفي؟
قد يشعر كثير من الضحايا أن رؤية أحد الجلادين أمام المحكمة تمثل انتصاراً معنوياً بعد سنوات طويلة من الألم.
لكن السؤال الأعمق يبقى: هل تستطيع محاكمة متأخرة أن تعالج جرحاً جماعياً بهذا الحجم؟
الواقع أن العدالة المتأخرة ليست عدالة كاملة، لكنها أفضل من الصمت الكامل.
فالمحاكمات المتأخرة تحقق عدة أهداف: الاعتراف الرسمي بالضحايا، كشف جزء من الحقيقة، منح الناجين فرصة الكلام، وتثبيت الجرائم داخل الذاكرة القانونية والتاريخية. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع: إعادة الضحايا، أو محو آثار الإبادة النفسية والاجتماعية، أو إنهاء الألم المتراكم عبر الأجيال.
خامساً: رواندا وجنوب أفريقيا — عندما تواجه الشعوب ماضيها
بعد الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، والتي قُتل فيها مئات الآلاف خلال أشهر قليلة، واجهت الدولة سؤالاً بالغ الصعوبة: هل يمكن سجن كل القتلة؟ ولأن ذلك كان شبه مستحيل، ظهرت محاكم “الغاشاشا” الشعبية، التي اعتمدت على: الاعتراف بالحقيقة، مواجهة الضحايا، الاعتذار، وتخفيف العقوبات مقابل الاعتراف. لكن التجربة بقيت مثيرة للجدل، لأن بعض الضحايا شعروا أن العدالة لم تكن كافية.
أما في جنوب أفريقيا، فقد اختارت الدولة بعد سقوط نظام الفصل العنصري طريقاً مختلفاً عبر “لجنة الحقيقة والمصالحة”، التي ركزت على: كشف الحقيقة، سماع شهادات الضحايا، الاعتراف العلني بالجرائم، ومنح بعض أشكال العفو المشروط. وقد أثبتت تلك التجارب أن المجتمعات الخارجة من الكوارث الجماعية لا تبحث فقط عن العقاب، بل أيضاً عن الحقيقة، والاعتراف، وضمان عدم تكرار المأساة.
سادساً: قضية (( الجحوش )) المتعاونين المحليين
تبقى قضية المتعاونين المحليين مع النظام السابق من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الكوردي. فكثير من الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ اعتمدت على متعاونين محليين في تنفيذ سياساتها القمعية، كما حدث في: فرنسا خلال الاحتلال النازي، رواندا، البوسنة، وعدة دول أخرى. لكن الخطر الأكبر بعد انتهاء الصراعات هو تحول العدالة إلى ثأر جماعي. ولهذا تؤكد المبادئ الحقوقية على:
1- المسؤولية الفردية لا الجماعية
2- عدم تحميل الأبناء جرائم الآباء
3- ضرورة المحاكمة القانونية العادلة
4- رفض الانتقام الأهلي
فالعدالة لا تعني إنتاج ظلم جديد باسم الضحايا.
سابعاً: هل تنتهي مأساة الكورد بإعدام عجاج التكريتي؟
قد يرى كثير من الضحايا وذوي المؤنفلين أن إعدام عجاج يمثل شكلاً من أشكال القصاص العادل، خصوصاً بعد عقود من الإنكار والصمت لكن السؤال الأكثر عمقاً هو: هل يستطيع حكم بالإعدام أن ينهي مأساة بحجم الأنفال؟
الحقيقة أن مأساة الكورد لم تكن نتيجة شخص واحد، بل كانت نتيجة:
منظومة استبداد كاملة، وعقيدة عنصرية، ومؤسسات أمنية وعسكرية، وشبكات من المنفذين والمتعاونين. لذلك فإن إعدام فرد، مهما كانت جرائمه، لا يعيد القرى المدمرة، ولا يكشف مصير جميع المفقودين، ولا يمحو آثار الرعب داخل ذاكرة الناجين.
ثامناً: هل الإعدام يروي عطش عوائل الضحايا؟
لا يوجد جواب واحد على هذا السؤال. فبعض العوائل قد ترى في العقوبة القاسية اعترافاً رسمياً بمعاناتها، وشعوراً بأن الدولة وقفت أخيراً إلى جانب الضحية. لكن تجارب إنسانية عديدة أظهرت أن العقوبة وحدها لا تشفي الجراح. فالضحايا يبحثون أيضاً عن: الحقيقة، الاعتراف، معرفة أماكن المقابر الجماعية، ضمان عدم تكرار الجرائم، وحفظ كرامة الضحايا داخل الذاكرة الوطنية. فالعدالة ليست فقط معاقبة الجاني، بل إعادة الاعتبار للإنسان الذي تعرض للإبادة والإذلال.
هل يمكن للمجتمع أن يسامح؟
المسامحة ليست النسيان، وليست تبرئة الجريمة.
في كثير من التجارب الدولية، لم تبدأ المصالحة إلا بعد:
كشف الحقيقة
واعتراف الجناة
وتحمل المسؤولية الأخلاقية
وتوثيق الجرائم رسمياً
أما “العفو دون حقيقة”، فقد كان غالباً شكلاً آخر من أشكال الظلم للضحايا.
ولهذا فإن المجتمع الكوردي، مثل غيره من الشعوب التي تعرضت للإبادة، يواجه معضلة صعبة: كيف يحافظ على حق الضحايا دون أن يبقى أسيراً للألم إلى الأبد؟
تاسعاً: بين العدالة والانتقام
الخطر الكبير بعد الجرائم الجماعية هو أن يتحول الألم إلى رغبة دائمة في الانتقام.
فالانتقام: هو رد فعل عاطفي، وغير محدود، قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة وقد يقود إلى دورة جديدة من الكراهية والعنف والانقسام، خصوصاً إذا تحول إلى عقاب جماعي أو ثأر اجتماعي. .
أما العدالة: هو قرارات تقوم على القانون، والمحاكمة، والأدلة، والاعتراف بالجرائم والاعتراف بحقوق الضحايا، ومنع تكرار الجريمة. ولهذا فإن الفرق كبير بين مجتمع يريد الثأر فقط، ومجتمع يريد بناء ذاكرة تمنع ظهور جلادين جدد.
قصر الكلام إن محاكمة عجاج التكريتي لا تعيد الموتى، ولا تمحو رعب نقرة السلمان، لكنها تحمل معنى أخلاقياً وإنسانياً مهماً، يتمثل في أن ذاكرة الضحايا لم تمت، وأن الجرائم الكبرى قد تتأخر محاسبتها، لكنها لا تسقط بالتقادم الأخلاقي والإنساني
فالشعوب لا تشفى بالعقوبة وحدها، بل بالحقيقة والاعتراف والعدالة والقدرة على بناء مستقبل يمنع تكرار المأساة. ويبقى الخطر الأكبر ليس فقط بقاء جلاد قديم، بل احتمال ولادة جلاد جديد داخل مجتمعات لا تتعلم من آلام الماضي.
راجع كذلك
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=917598&fbclid=IwdGRjcARyiaFleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEe2N2FF0Qytp47bNr0eMZ2Vn1Bw9vWjrq7wvEgoiJtJQ3QXdLLsTxQrVZxvuY_aem_YWdncwCJrsYmMUxXTHADwH0U7srt&brid=YWdncwHNUk6w6BPzafM8NM-K8_eK