البرلمان يفقد بوصلته.. تقرير صادم يكشف انهيار الأداء التشريعي والرقابي في العراق خلال 15 عاماً

 

أربيل – التآخي

في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون مجلس النواب العراقي الركيزة الأولى للديمقراطية، تكشف الأرقام والبيانات الرسمية الصادرة عن المرصد النيابي العراقي عن صورة مغايرة تماما: مؤسسة تشريعية تفقد فاعليتها عاما بعد آخر، ونواب يغيبون أكثر مما يحضرون، وتشريعات تتبخر في زحمة الخلافات السياسية.

تقرير المرصد الذي قارن بين أداء البرلمان خلال الدورات الممتدة من عام 2010 حتى 2025، يكشف عن تراجع غير مسبوق في مجمل الأنشطة البرلمانية، سواء من حيث عدد الجلسات أو القوانين المقروءة والمصوّت عليها، أو حتى في أدوات الرقابة البرلمانية مثل الاستجوابات والأسئلة الشفهية.

برلمان ينعقد أقل ويتحدث أقل

بحسب البيانات، بلغ عدد الجلسات في الدورة الثانية (2010) نحو 252 جلسة، وارتفع قليلًا في الدورة الثالثة (2014) إلى 272 جلسة، وهي الفترة الذهبية للنشاط البرلماني. لكن هذا الزخم سرعان ما انكسر، إذ تراجع العدد في الدورة الرابعة (2018) إلى 149 جلسة فقط، وفي الدورة الخامسة (2021 – الحالية) لم يتجاوز 140 جلسة عادية مع 6 استثنائية واثنتين تداوليتين.

يقول المحلل السياسي عادل العماش في حديث لـ عراق أوبزيرفر إن هذه الأرقام لا تعكس مجرد انخفاض في عدد الجلسات، بل “انكماشا خطيرا في روح المؤسسة نفسها”، مضيفا أن البرلمان ” تحول من فضاء لصناعة القرار إلى ميدان للمساومات السياسية”، وهو ما جعل الجلسات تلغى أو تؤجل لأسباب تتعلق بالنصاب أو بالخلافات بين الكتل.

انهيار في التشريع: من 216 قانونا إلى 69 فقط

التدهور التشريعي يبدو أكثر وضوحا في أعداد القوانين التي أُقرت خلال الدورات المتعاقبة. ففي الدورة الثانية صوت المجلس على 216 قانونا، تراجع إلى 164 في الثالثة، ثم 91 في الرابعة، وأخيرا 69 قانونا فقط في الدورة الحالية.

أي أن البرلمان فقد نحو 70% من إنتاجه التشريعي خلال 12 عاما، رغم ازدياد عدد أعضائه وموارده التشغيلية.

ويشير العماش إلى أن “الانقسام الحزبي وتسييس التشريعات” عطلا تمرير الكثير من القوانين المفصلية مثل قانون النفط والغاز وقانون المحكمة الاتحادية، موضحا أن كل كتلة أصبحت تتعامل مع القوانين بمنظار المصلحة السياسية وليس الصالح العام.

رقابة برلمانية في غيبوبة

من المفترض أن تكون الرقابة البرلمانية هي الجدار الذي يحمي النظام الديمقراطي من التسلط التنفيذي، إلا أن الأرقام تظهر العكس تمامًا.

فقد انخفض عدد الاستضافات من 54 في الدورة الثالثة إلى 10 فقط في الحالية، فيما تراجعت الاستجوابات من 10 إلى اثنتين فقط.

هذا التراجع وصفه العماش بأنه “مؤشر خطير على تآكل استقلالية البرلمان”، مبينا أن “السلطة التنفيذية باتت تمتلك نفوذا واسعا داخل المجلس من خلال التحالفات السياسية، ما يجعل أدوات الرقابة شكلية أكثر من كونها فعالة”.

أما الأسئلة الشفهية، وهي من أبسط أدوات المحاسبة، فقد تراجعت من 16 سؤالا في الدورة الثالثة إلى 4 فقط في الخامسة، في دليل إضافي على انطفاء روح المبادرة لدى النواب أنفسهم.

حضور باهت وساعات عمل في تراجع

المرصد النيابي أشار كذلك إلى انخفاض معدل حضور النواب من 212 نائبا في الدورة الثالثة إلى 173 في الحالية، أي أن نحو خمس النواب يغيبون بشكل دائم تقريبا.

كما تراجعت ساعات العمل الفعلي من 993 ساعة في الدورة الثانية إلى 294 ساعة فقط في الخامسة، وهو ما يعكس فتورا عاما في الالتزام البرلماني.

ويرى العماش أن “ضعف الانضباط الحزبي داخل الكتل جعل النواب يتصرفون بشكل فردي دون التزام سياسي واضح”، مشيرا إلى أن غياب المحاسبة الداخلية داخل الأحزاب ساهم في تفشي ظاهرة الغياب وتكرار تأجيل الجلسات.

الأسباب العميقة للتراجع

يحدد العماش جملة من الأسباب البنيوية التي قادت إلى هذا الانحدار المستمر في الأداء النيابي: “الانقسام السياسي الحاد الذي جعل البرلمان ساحة صراع بدلاً من مؤسسة تشريعية. وهيمنة القوى المتنفذة على القرار، ما أضعف الرقابة على الحكومة. إضافة إلى تضارب المصالح وتسييس القوانين، فكل تشريع بات يُقاس بمقدار فائدته لهذا الطرف أو ذاك”.

ويضيف أن البرلمان بات “يعيش حالة من الترهل المزمن”، موضحا أن “اللجان النيابية الكثيرة لم تعد مؤثرة فعليا، وبعضها أصبح واجهة شكلية لتقاسم النفوذ داخل المجلس”.

دورة جديدة.. بوجه قديم؟

وحول توقعاته للدورة البرلمانية المقبلة، يرى العماش أن “مستقبل المؤسسة التشريعية مرتبط تماما بشكل الخارطة السياسية بعد الانتخابات”.

ويقول: “إذا استمرت التوازنات الحالية والكتل التقليدية نفسها، فسنشهد مزيدا من التراجع وربما العجز شبه الكامل عن التشريع”.

لكنه يضيف: “يمكن أن نشهد تحسنا نسبيا في حال بروز معارضة حقيقية أو دخول وجوه جديدة تملك رؤية إصلاحية، شرط أن ترافقها تعديلات جوهرية في النظام الداخلي وآليات العمل”.

قد يعجبك ايضا