هه لكورد صالح علي
تعد القراءة النقدية للنتاج الفني – في أحد وجوهها – قراءة جمالية بالمرتبة الأولى، وان مسألة وجود الرموز في سياق العمل الفني تتطلب (تفسيرا وتأويلا). وهي عملية تتم مباشرة – آنيا – إذ تتداخل ضمن عملية التلقي/ التذوق الفني، ولا تعني المعرفة والدراسة لقواعد وأسس فنية ما أن تتم بالضرورة دراسة وفهم / قراءة النتاج الفني بموجبها/ أو في ضوءها.
ذلك لأن العمل الفني لا يخضع بطبيعته إلى أية قواعد وآليات وقوانين صارمة، إذ أنه لا يمكن – أو على الأقل لا يفضل – حصر دلالات العمل الفني بحدود نقدية/ جمالية وذلك نظرا لانفتاحه على تعدد القراءات مع حركة الزمن. لذا فانه كلما كانت العلامات متعددة الدلالة اتسع أفق الفكرة – أو مضمون النتاج الفني – وتعمقت رؤية الفنان وبالنتيجة تتجلى القيم الجمالية.
إن الرمز هو واحد من ثلاث تفرعات للعلامة جاء بها (تشارلز بيرس) حيث قسم العلامة إلى: إيقونة، إشارة، رمز. والرمز من أكثرها كثافة دلالية، حيث اختزال الدال وسعة المدلول. وقد عرف العديد من المنظرين الفن على انه نسق رمزي. وبالمقابل عرفوا الإنسان بأنه كائن رامز. وقد اثبت البحث العلمي إن الطفل يشرع في الترميز الصوتي والحركي بناء على معطيات البيئة والواقع المحيطين به. وليست الاصطلاحات اللغوية (الأصوات والكلمات والإشارات العرفية) إلا رموز يستعين بها الأطفال كما هو الحال مع الراشدين للتفاهم والتواصل والتفكير.
إن إيصال دلالات الرموز تعتمد على المدركات الحسية والمفاهيم المرتبطة بها بحدود الخبرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تعتمد على المدركات العقلية والقدرة على التفكير والتأويل. ويصنف (هيجل) الرمز على انه “دلالة خارج الذات تحتوي مضمون التمثيل الذي تستحضره منها… ولا يلزم بالرمز إن يكون مطابقا لمعناه، إلا انه يمتلك معنى مزدوج فهو يظهر كشكل له وجود مباشر ومن ثم تنتصب أمام أعيننا موضوع أو صورة له”.
والرمز يقود إلى غموض العمل الفني مما يضفي عليه مسحة جمالية، ذلك إن الغموض يعد عنصرا جماليا إذا ما قاد المتلقي نحو التعمق بالعمل الفني. إن الإيغال بالترميز (إي الإكثار من إنشاء الرموز ورصفها جنب بعضها البعض) قد يؤدي إلى تعقيد العمل الفني ورفعا لدرجة جماله، فالغموض الناتج من التكوين العام والنسيج الكلي للعمل الفني يعد مصدر جاذبية ومثار تأمل عميق ويعتمد في عمقه وجاذبيته على البعد الجمالي، ويأتي عكس الرمز والترميز المباشرة والسطحية.
وقد يفضي الإكثار من استخدام الرموز والقيام بعملية الترميز إلى نتيجة عكسية – إلى الغموض الزائد – مما ينتج عنه تضليل فهم/ تلقي العمل الفني بدل الجاذبية التي من المفترض إن يتمتع بها، وهي الحال التي يبدو عليها حين اكتماله، حيث يغدو منجزا فنيا وتختفي القصدية، ذلك إن الرمز يوحي بالأشياء ويوسع من معانيها ويعمق من دلالة الكلمات وموقعه يتوسط بين العلامات المجردة والعلامات الحسية وفهمه يرتبط بوظيفته الدلالية في سياق العمل الفني .
إن الفنان والأديب هو الذي يمتلك القدرة على الأخذ من الطبيعة والواقع، إي أخذ رموز موجودة فعلا أو تناول أشكال وتحويلها إلى رموز مستعينا (بالحدس) الذي يعرف بأنه “المسافة الفاصلة بين الشيء والمرموز له” فيكون الشيء المادي ليس هو الرمز بل المرموز له هو حقيقة الرمز، ومن الأشكال الرمزية الشائعة عرفا (الميزان الذي صار رمزا للعدالة، والأسد رمز للقوة والشجاعة، والفرس رمز للأصالة وما تضعه الدول في أعلامها هي رموز تأتلف ليكون العلم نفسه رمزا وغيرها من الرموز التي لا تعد ولا تحصى منها ما هو محلي/ الوطني ومنها القومي والديني والعالمي).
إن الفن يستوعب كل ما موجود في الحياة ويطرحه بصيغة جمالية، وعليه فالفن يستوعب كل الرموز الموجودة ويبتكر إلى جانبها رموز أخرى يضمها إلى سياق النتاج الفني. ويندرج الرمز الموجود في الحياة والذي تشرب به الإنسان وبات في نطاق المحسوس الذي يعني تلقائية الإدراك ومباشرته دون الحاجة إلى طول تأمل وعمق تفكير من قبل المتلقي لأنه يمثل تجربة سابقة أو ممارسة متكررة ومتداولة، وقد عمل الفكر فيها /بها/ معها مرات متكررة وعديدة، لذا لأنه –إي الرمز- في حال تلقيه لا يحتاج لإعادة العمليات الفكرية، لأنه سيدرك حسيا /فكريا. في حين إن الرمز المبتكر من قبل الفنان والموضوع في سياق النتاج الفني يحتاج إلى أن يعمل المتلقي فكره، مما يجعلنا نقول انه يستوجب عمليات عقلية. مع ملاحظة إن ثقافة المجتمع وطبيعة الحياة هي المصدر الأساس للرموز.