دلزار اسماعيل رسول
أتت من بلاد بعيدة ووطئت قدماها أرضي وغرست وتدها فيها، ومع الايام ازداد عمقها في قلبي، و بدأت جذورها تغوص عميقا في وجداني، حتى اضحت جزءا منه، وبات من المستحيل استئصالها، أو يكون باستطاعة نبتة أخرى أن تستحوذ على أرضي، حتى اذا حاولت فان مصيرها الذبول، فلم يعد لاي غيرها مكان أو حيز أو جذور…
حتى خييل الي أننا من المستحيل بمكان أن نفترق أو يسلك كل منا طريقا مختلفا عن الاخر، ونبتعد عن بعض رغم نداء قلبينا، كل منا للآخر، ولكن أصبح لزاماً علينا، أن نمضي ونصم آذاننا عن صيحات وآهات قلبينا، ونخفي دموعنا في مقلتينا، ونمضي …
فلقد بات كل منا يغرد على طريقته وهو يحسب نفسه أنه على صواب وبتنا نطير كل في سماءه …كأننا فراشتان، تحلق في فضاء مختلف عن الاخر، ولا يلتقيان رغم التقاء الدروب وتناغم الاهواء والقلوب…
حتى افترقنا ولكن رغم ذلك لا يستطيع أحد منا الاقتراب من شخص آخر، فهي كلما تحاول الاقتراب من رجل آخر، يخيل اليها، أن ملامحه، ملامحي وصوته، صوتي، لذلك تبتعد عنه. وأنا كذلك لدي نفس الشعور، فكيفما تكلمت مع أنثى، تراءت لي وجهها في ملامحها وأطرق سمعي صوتها في نبرات كلامها…
اصبحنا معلقين بين السماء و الأرض، فلا نقدر على التحليق بعد الان. فأجنحتنا قد كلّت عن الطيران، ولم يعد بوسعها أن ترفرف في عنان السماء، ولا نقدر أن ننزل الى الارض لكي نرنو الى الهدوء والسكينة، ونرتاح بعد هذا التعب المضني، هذا التعلق قد أصبح عبئا ثقيلا على أكتاف كلينا، فقد فقدنا قدرة التأقلم والعيش في كل العوالم، بدون بعضنا البعض، وفي نفس الوقت حينما نقترب من بعض، يخيم علينا غمامة الغيرة وسوء الظن وإطلاق الاحكام جزافاً…
أحيانا احسب أن ليس بمقدور غيرها، ان تعرفني حق معرفتي، فهي وصلت الى عمق في روحي، لم تصلها أحد قبلها، ولا احسب أن يقدر احد بعدها وفي نفس الوقت تطلق احكاما، فاصطدم بواقع انها لم تعرفني، ولن تعرفني، فأوصافها بعيدة عني كل البعد. لا يشبهني لا عن قريب ولا عن بعيد لقد اصبحنا مشوهين عن بعضنا البعض ملامحنا قد تداخلت بها الرتوش والخطوط، والظروف التي مررنا بها حفرت أخاديد وحفر في قلبينا فتغير كل منا لذلك لم يعد بمقدور أي منا أن يتعرف على الاخر…
هي الحياة وهي الموت تجمع الاثنين في كفها فأرى الحياة فاندفع لها واريد أن استحوذ على آخر رمق فيها، فأنا أتنفس بأنفاسها، وأرى قرة عيني في نور مقلتيها ولكن أصطدم حينما أرى الموت في الاقتراب منها، فهي تهيج كل الامراض والعلل في جسدي، وتحيل شبابي الى شيبتي، وتوقدي الى انطفائي، وتوهجي الى ركودي وخيبات أملي…
لقد تشوه كل شيء اصبحت اللحظات الحلوة عندها مسخة عقيمة من دون طعم وتحول اللون الزاهي الى لون أسود قاتم لا بريق فيها وهذا كان آخر شيء اتوقعه منها أن يتحول اللحظات الحلوة التي قضيناها معاً الى ساعات تريدها أن تمضي سريعاً وتمضي في سبيلها، ولا تتحسر عليها، فانا كلما حاولت أن أبني لها طريقا وأمهده للوصول لها، ذهبت الى اتجاه اخر وسلكت طريقا مختلفاً، ومقتت الطريق الذي سلكناه فيما مضى…
انا اعترف اني خسرت معركتي في الحياة، ولم استطع الانتصار في معركة قلبي التي طال الصراع والسجال فيها، وفقدت توهج الحياة، والامل، لم يبقى في وجداني غير رياح الخواء تضرب بواطن نفسي، فتعيث فيها فسادا، وتحيلها الى بوار، فأحس بجذوة روحي تنطفئ شيئاً فشيئاً تمهيداً لفنائي….