محمد علي محيي الدين
في سهول المدحتية، حيث تتعانق سنابل القمح مع أطياف دجلة، ولد الشاعر سليم مرزة جراح طلفاح الحسيني، في الأول من تموز عام 1964، كأنما ولد وفي فمه نغمة، وفي قلبه قصيدة تنتظر أن تُروى. هناك، في تلك الناحية الوادعة من محافظة بابل، تفتّح وعيه على الأرض والناس، وعلى موسيقى الحياة المتقشفة التي سرعان ما تحولت في روحه إلى لحنٍ شعريٍ طويل.
أكمل دراسته الأولى في بلدته، ثم ارتحل إلى بغداد، كما يرحل الشعراء في الأزمنة القديمة، متتبعًا خطى الحلم، فدخل كلية التربية (ابن الهيثم) وتخرج فيها عام 1993. لكنه لم يغادر القصيدة، بل حملها معه إلى قاعات الدراسة حين صار معلّمًا، يبث في طلابه ليس العلم وحده، بل وهج الكلمة التي تشعل الفكر وتضيء القلب.
عرفه القرّاء عبر قصائده التي نُشرت في الصحف والمجلات العراقية، أبرزها جريدة طريق الشعب ومجلة أضواء التربية. ولم يكن غائبًا عن المنصات الثقافية؛ بل كان أحد الأصوات التي شاركت بفعالية في المهرجانات الشعرية والأمسيات الأدبية، لا سيما في الحلة، حيث يرفرف الحرف مجبولًا برائحة التاريخ.
قصيدة تمشي على رماد
سليم جراح لم يكن شاعرًا طارئًا على الشعر، بل كان ابنًا بارًا للقصيدة العمودية، ومجددًا هادئًا في بنيتها، يعرف أين يزرع المجاز، وأين يسحب اللغة إلى شفافية عالية لا تغادر العمق. أعماله الشعرية مثل قصائد خارج السرب وغزل فوق رماد تشي بشاعر يعرف كيف يصوغ الألم بذكاء، ويقطّر التجربة في أبيات مشبعة بالعذوبة والمرارة معًا.
وفي ديوانه لكنّكِ… الذي لم يصدر بعد، ينتظر القارئ مفاجآت في البوح والحبّ والرمز. فهو شاعر لا يبوح بسهولة، لكنه حين يكتب، يغسل الكلمات بندى التجربة، ويعطيها من نفسه ما يجعلها قريبة من الروح، بعيدة عن الابتذال.

صوت في المهرجانات، وحضور في الذاكرة
لم يكن الشاعر أسير الصفحة، بل امتد حضوره في المهرجانات الثقافية التي احتفت بقصيدته وجعلت من صوته واحدًا من الأصوات التي تعبّر عن نبض الجنوب العراقي. شارك في مهرجان بابل للثقافات والفنون والآداب في دوراته الرابعة والسادسة والسابعة، كما ألقى شعره في مهرجان “قصائد في رحاب الطف” الذي أقيم في بغداد، مضمّخًا نصوصه بروحٍ حسينية تنضح بالعاطفة والتاريخ.
وكان لصوته أيضًا مكان في الذاكرة السمعية للعراقيين من خلال الأناشيد التي كتبها وقدّمتها مديرية النشاط المدرسي في بابل، ومنها: عراق السلام، العنقاء، بلاد الرافدين، سيد الطف، وسلام من الله، حيث امتزجت الكلمة بالموسيقى، وتحوّل الشعر إلى نشيد وطنيّ يحتضنه الصغار والكبار.
رأي النقاد: شاعر يكتب بمداد التجربة
يرى النقاد أن سليم جراح شاعر ينتمي إلى تقاليد القصيدة العمودية دون أن يكون أسيرًا لها، فهو يمتلك نبرةً خاصة، وروحًا متوثبة تبحث دائمًا عن مرافئ جديدة للغة. كتب الناقد سعدون جبار: “إن سليم جراح يكتب القصيدة كما لو كان يصوغ صلاةً، فيها خشوعٌ، وفيها اندهاش، وفيها انحياز تامّ للجمال.” أما الشاعر والناقد كاظم غيلان فقد وصفه بأنه “شاعر لا يهادن اللغة، بل يعيد تشكيلها وفق تجربته الخاصة، ويمنحها عذوبة الفلاح، وذكاء المثقف.”
ويؤكد بعض النقاد أن تجربته الشعرية تتجدد مع كل ديوان، وأنه شاعر عرف كيف يوظف الحس الشعبي في القصيدة الفصحى دون أن يخلّ بموسيقاها أو رصانتها. وربما لهذا نال جوائز عديدة، منها جائزة أيقونة الشعر العمودي عن نصه عن البصرة، وجائزة مؤسسة بلا أقنعة الثقافية للشعر الشعبي، وهي شهادات تقدير من منابر أدبية مختلفة تلتقي عند نقطة واحدة: الاعتراف بقيمة هذا الشاعر وفرادته.
انتماء ثقافي لا يتزعزع
لا تكتمل سيرة سليم جراح دون الإشارة إلى عضويته الفاعلة في اتحاد الأدباء والكتاب – فرع بابل منذ عام 2022، وعضويته في جمعية الرواد الثقافية المستقلة وجمعية البيت العراقي للشعر الشعبي. فهو جزء من النسيج الثقافي العراقي، لا ينعزل عن واقعه، بل يخوض فيه بالشعر والموقف والانتماء.
خاتمة: حين تتنفس القصيدة
سليم جراح ليس مجرد شاعر من بابل، بل هو من أولئك الذين يجعلونك تؤمن بأن الشعر لا يُقال فحسب، بل يُعاش. من رماد الحروب كتب غزله، ومن قلوب الناس نسج قصيدته، ومن تراب العراق صاغ كلماته. إنك حين تقرأه، تشعر أن القصيدة لا تقتصر على الورق، بل تتنفس، وتمشي بيننا. فهو شاعر لا يعلو صوته، لكنه يصل عميقًا. يكتب لا ليدوّي، بل ليدوم.