زينه عبدي
في خضم الحالة السورية الراهنة ذات الاستقطاب الحاد والتي باتت نتيجة لعقدٍ ونصفٍ من التغييرات الجذرية والتحولات المرافقة العاصفة بالبلد، ظهر المشهد الإعلامي بصورة هشة تتشابك فيها المجتمعات والسياسة والنزاعات والصراعات وهو يقف الآن أمام اختبار، يعد الأصعب في تاريخه، سيما فيما يتعلق بإيصال الحقيقة وأداء رسالته ضمن المعايير المهنية والأخلاقية من جهة وبين الانزلاقات التي تدفع نحو الانحياز والتحريض وخطاب الكراهية من جهة أخرى، هذا الخطاب الذي صار جزءً من عمل بعض المؤسسات الإعلامية وصفحات السوشيال ميديا وبعض المنصات الإخبارية نتيجة تحول البعض منها إلى ساحات مفتوحة ومتاحة دون حسيب أو رقيب، الأمر الذي فاقم الشرخ والتشرذم المجتمعي مهدداً بذلك السلم الأهلي والمجتمعي.
كيف برز التشظي؟
بعد عام 2011 انهارت هيمنة الإعلام الرسمي إلا أنه لا يزال متشبثاً وإلى اللحظة بخطابه التقليدي كما السابق، وبالمقابل ثمة وسائل ومنصات تدعي الاستقلالية تحاول شق طريقها والتفرد بذاتها الإعلامية وسط التحديات والشروط والمخاطر، بالإضافة إلى بروز بعض المبادرات بطابع فردي وأحيانا بطابع جماعي نشطت ولا تزال عبر الفضاء الرقمي، وهذا ما يعطي انطباعا أن المشهد الإعلامي السوري يبرز كساحة معقدة في ظل الفرص والتحديات بآن واحد، نتيجة تدخل عوامل خارجية كتقديم الدعم من بعض الأطراف الدولية مما شجع على غياب المعايير المهنية والأخلاقية وبالتالي تزايد الانشقاقات في الأصوات الإعلامية، بالإضافة إلى الثورة التكنولوجية الهائلة التي كانت أرضية خصبة وسهلة لجذب أي جهة أو فرد دون الأخذ بعين الاعتبار الالتزام بالمقاييس المهنية، مما أجج الكراهية في الخطاب الإعلامي محرضا بذلك على العنف بكافة أشكاله بما فيه غياب الاحترام الكامل لحقوق الإنسان ومنها الحريات، وهذا ما تناوله المركز السوري للإعلام وحرية التعبير عبر دراسة أطلقها بالشراكة مع اليونسكو تحت عنوان (مرصد خطاب الكراهية والتحريض على العنف) 6 سبتمبر/أيلول عام 2016، للتأكيد على الدور البنَّاء لحرية التعبير ووسائل الإعلام في بناء السلام ومقاومة العنف والتطرف.
(عند مواجهة خطاب الكراهية، يجب أن نتذكر أنّ حرية التعبير قائمة بشكل خاص على احترام الكرامة والمساواة، كما احترام حقوق الإنسان بشكل عام. وانطلاقاً من نشاط وعمل اليونسكو في مجال تعزيز الديمقراطية والحقوق الأساسية والعدالة الانتقالية في سوريا، نتشارك اليوم مع المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في مواجهة خطاب الكراهية في وسائل الإعلام السورية من خلال مشروع مرصد خطاب الكراهية والتحريض على العنف، الهادف إلى رصد خطاب الكراهية ومواجهته لتأمين بيئة إعلامية مهنية)، تقول (سيلفي كودراي)، رئيسة قسم حرية التعبير في اليونسكو.
وفي ذات السياق، أجرى المركز السوري للإعلام وحرية التعبير دراسة وللمرة الثانية بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة(اليونسكو) عام 2020 م تحت عنوان (دراسة خطاب الكراهية والتحريض على العنف في الإعلام السوري) أكد من خلالها: (أن الأغلبية من خطاب الكراهية في الإعلام استهدفت بصورة مباشرة الجماعات السياسية والعسكرية، بينما تستخدم نفس الأداة لاستهداف المدنيين المرتبطين بهم اجتماعياً، ما يحول المدنيين إلى هدف مشروع للعنصرية أو التهجير). والهدف من هذه الدراسة كان الحد من خطاب العنف والكراهية الذي تبثه وسائل الإعلام السورية بطرق غير مباشرة والتشويش على الحالة المجتمعية وتحليل آثاره والسعي لبناء خطاب بديل لإنتاج محتوى يعزز التماسك المجتمعي بدلاً من تضخيم أصوات التحريض.
ومن جانبها وثقت دراسة مشتركة بين شبكة الصحفيين الكورد السوريين وشبكة آسو الإخبارية والتي صدرت بتاريخ 13 يوليو عام 2023م بعنوان: (خطاب الكراهية وتداعياته في محتوى وسائل الإعلام السورية)، كيفية استخدام بعض المؤسسات الإعلامية سيما في الشمال السوري مصطلحات ذات مصدر طائفي مثل (الكورد انفصاليون)، (العراقي إرهابي)، ما عزز ورسخ الانشطار والانقسام سيما في نسيج المجتمع السوري، ولا تزال تلك المؤسسات مستمرة في منهجية الخطاب هذه، الأمر الذي وسع حالة الشرخ بين كافة المكونات السورية ومستمرة إلى اللحظة.
مشهد إعلامي متشظٍ
بات المشهد الإعلامي السوري، كما نلاحظ، منقسماً ومتنافراً ليس من باب المرجعيات والأجندات السياسية والممولين وإنما من حيث اللغة والخطاب الإعلامي والجماهير المستهدفة، حيث الغياب التام لإعلام وطني موحد وجامع، كما كنا نأمله، لجميع السوريات والسوريين بل نرى المشهد متصارعا بمنأى عن لغة الحوار والنقاش، وأًصبح فضاءات تمارس هذه المهنة بما يتوازى مع مقابلاتها من الوسائل ذات الصلة، وهذا ما أكدت عليه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقريرها، الصادر بتاريخ 11 شباط / فبراير 2020 م، على موقعها الرسمي تحت عنوان(مناهضة خطاب الكراهية والتحريض على العنف في وسائل الإعلام السورية).
وفي ذات الإطار، وثقت شبكة آسو الإخبارية بالتعاون مع شبكة الصحفيين الكورد السوريين الحالة الإعلامية المتشظية هوياتيا وإثنيا في الإعلام السوري سيما في مناطق شمال شرق سوريا ما بين عامي 2023- 2024 بعنوان: (تعزيز دور الإعلام في محاربة الاستقطاب وخطاب الكراهية من أجل مجتمع متماسك) وذلك في برنامج تعاون ضمن مشروع (إعلام يجمعنا)، وقد أكد التقرير أنه يجب على الإعلام أن يكون رائداً في تعزيز المجتمع المتماسك من خلال محاربة الاستقطاب وخطاب الكراهية، ويجب أن تتعاون الحكومات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام لتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي، وضمان وجود بيئة إعلامية صحية ومتوازنة تعمل على تعزيز فهمنا المشترك وتقبل الآخر.
ومن جهة أخرى أجرى المؤشر السوري لاستطلاعات الرأي دراسة استطلاعية تحت عنوان: (خطاب الكراهية في الإعلام السوري- ما مدى انتشاره؟ وما أبرز الحلول للوقاية منه؟) ، يستعرض فيه رأي الصحفيات والصحفيين في شمال سوريا حول كمية انتشار خطاب الكراهية في الإعلام السوري وأبرز التحديات والعوامل التي تمنع ضبطه، والحلول المقترحة والفرص التي يواجهها الإعلام السوري في كيفية التعامل مع خطاب الكراهية في المنطقة، لاسيما في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة فقد اتخذ خطاب الكراهية شكلا آخر ومغاير تماما، والذي يناقض تماما حرية التعبير التي باتت تفهم على أساس أحقية الجميع في الانتقاد والشتم وقول ما يريد أن يقولونه بطرق مهينة وجارحة، مما أدى إلى خلق مساحات شاسعة لخطاب الكراهية وتصاعده في بيئة تشهد نزاعات مستمرة والذي في بعض الأوقات يفضي إلى الثأر والموت.
وكما نلاحظ فقد تم توظيف خطاب الكراهية كأداة ووسيلة ممنهجة لدعم الاصطفافات في ظل غياب الردع القانوني والمحاسبة والمساءلة مستندة على نظرية (صناعة الكراهية)، حيث الخطاب لا ينتج عفوياً، بل يغذى ليخدم أهدافاً سلطوية ولتعزيز الهوية الجمعية ضد الآخر والتحريض الفعلي على العنف والإقصاء دوناً عن مستوى الألفاظ، إضافة إلى ذلك فإن الإعلام بدا وكأنه رافعة للتجييش عبر بعض الوسائل من خلال إنتاج روايات تدفع بجمهورها على الولاء لجهة معينة ضد أخرى، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت الأكثر انزلاقاً باتجاه العبارات التي تدعو للعنصرية مقارنة بالتقليدية.
الإطار القانوني
سردت (مراسلون بلا حدود) في تقرير نشرته على موقعها الرسمي تحت عنوان: (سوريا: مراسلون بلا حدود تدعو السلطات الجديدة إلى اتخاذ سبعة إجراءات ذات أولوية لتنفيذ تعهداتها المتعلقة بحرية الصحافة) بتاريخ 7/1/2025، بعد الوعود التي أطلقها وزير الإعلام في الحكومة الحالية من أجل حرية الصحافة في سوريا، توصياتها السبع للسلطة الجديدة كان أبرزها (ضمانات قانونية لحرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومات: الحرص على أن ينص الدستور على حرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومات وفقاً للمعايير الدولية والتوصيات الصادرة عن الجهات الفاعلة المحلية ذات الصلة، من وسائل إعلام وجماعات معنية بالدفاع عن حرية الصحافة مثل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، شريك منظمة مراسلون بلا حدود في سوريا. وتشمل هذه التوصيات ضمان حرية التعبير وحرية الإعلام والتعددية الإعلامية واستقلالية وسائل الإعلام، بما في ذلك حماية المصادر والصحفيين، والحماية من التجسس عليهم، وصون حرية الوصول إلى المعلومات).
غياب بيئة قانونية تضمن المهنية والتعددية يحفز خطاب الكراهية بلا ضوابط واضحة في السلك الإعلامي، الأمر الذي من شأنه غياب محاسبة وسائل الإعلام لدى تبنيها رسائل التضليل ونشر خطاب العنف والكراهية، وبالتالي فإن هذا الفراغ التشريعي سيساهم في تفتت وتشظي المشهد الإعلامي وانتشار وسائل إعلامية مسيسة، تقيد الصحفيات والصحفيين بقرارات ذات طابع أمني أكثر منها مهني وقانوني واضح، وأيضاً لا مهنية تضع العمل الصحفي والإعلامي في بوتقة المخاطر بدلا من تنظيم هذه المهنة بصورة مهنية وأخلاقية.
واعتبرت (مراسلون بلا حدود) سوريا، سيما أنها احتلت المرتبة 179 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة ضمن تقريرها السنوي لعام 2025 م، من أسوأ دول العالم التي تتصف بغياب القوانين الناظمة وتطبيقها الفعلي أو استخدامها بشكل سيء في حال تواجدها مثل معاقبة الصحفيات والصحفيين من خلال تهم فضفاضة (النيل من هيبة الدولة)، وغياب الرقابة الأمنية والتشريعية وتصنيفها ضمن بلدان العالم الأكثر قمعاً لحرية الصحافة والإعلام، بالإضافة إلى أنه ولا تزال تمارس RSF”” ضغوطا متواصلة لإحداث تغييرات جذرية أو ما تسمى (الإصلاحات المؤسسية) فيما يتعلق بالعمل الإعلامي والصحفي السوري كونها ترى الإطار القانوني للإعلام في سوريا جزء لا يتجزأ من وسائل السيطرة على الرأي وتقييده، إلا أنه وحتى اللحظة لم يُلتَمَس تغييرا جوهريا منذ سقوط نظام الأسد، ولا تزال الحالة الإعلامية السورية في أوج ولادتها، كما يقولون، لذلك سنأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار ريثما يتم الإعداد والتحضير لتنفيذ الوعود التي أطلقتها وزارة الإعلام وإحداث تغييرات جذرية.
دور الصحافة الأخلاقية
لم تعد الصحافة الأخلاقية ذات دور إخباري فقط، وإنما باتت تجسد حلقة أو صلة وصل أساسية بين المواطنين وصناع القرار، وتعزيز المبادئ الأساسية المرتبطة بالعدالة والمساءلة والشفافية. وفي حالتنا السورية، والتي لا يزال الانشطار والتضليل والانقسام الإعلامي فيها ذو تطور لافت يحتل الحديث عن الصحافة الأخلاقية المرتبة الأولى في بيئة العمل الإعلامي.
وفي هذا الصدد، يقول الصحفي الكوردي السوري عزالدين ملا: (الآن في سوريا ما بعد الأسد، أنه لا يمكن تصور تحول ديمقراطي حقيقي دون وجود إعلام حر ومسؤول وأخلاقي. فالصحافة الأخلاقية ليست ترفاً بل هي ضرورة سياسية وأخلاقية ومجتمعية لإعادة بناء سوريا على أسس من الحقيقة والعدالة والحرية والتعددية. إنها البوصلة التي تمنع الانحراف عن المسار، وتضبط إيقاع الانتقال، وتُبقي صوت الضحايا حياً في مواجهة صخب المصالح).
جرح الثقة
لا يزال جرح الثقة بالإعلام السوري غير ملتئما، بسبب ما عاناه الإعلام خلال العقود الماضية من هيمنة السلطة التنفيذية، فالقوانين كانت تقدم مجمل الخدمات للرقابة أكثر مما تقدمه لحرية الرأي والتعبير، ومع اندلاع الصراع السوري عام 2011 م، انشطرت الحالة الإعلامية السورية ببروز مؤسسات إعلامية متعددة التوجهات والولاءات، وتحول معظمها لأدوات التعبئة ونشر خطاب الكراهية والأخبار المضللة والكاذبة، الأمر الذي أفقد الجمهور السوري ثقته بإعلامه لدرجة كبير.
يقول ملا أنه: (بعد عقود من استخدام السلطة السابقة للإعلام كوسيلة للقمع والدعاية، باتت إعادة بناء الثقة بين الناس والمؤسسات الإعلامية مسألة مركزية. وهنا تلعب الصحافة الأخلاقية دوراً كبيراً، من خلال استقلالها عن السلطة السياسية والمال السياسي، وتقديمها لرؤية قائمة على خدمة الصالح العام. كما أنها تتيح للفئات المهمشة والضحايا أن يُسمع صوتهم، وتعيد الاعتبار للمواطن كفاعل في الشأن العام، وليس كمتلقٍ سلبي).
لماذا الصحافة الأخلاقية في المرحلة الانتقالية؟
(كما نلاحظ أن سوريا تمر بمرحلة مفصلية في تاريخها الجديد ما بعد سقوط نظام الأسد، إذ تواجه استحقاقات كبرى تتعلق بإعادة بناء الدولة، وتحديد الهوية الوطنية، وضمان العدالة الانتقالية، وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. في هذا السياق، تبرز الصحافة الأخلاقية كعنصر حيوي ومؤثر، ليس فقط كوسيلة لنقل المعلومات، بل كفاعل مركزي في صياغة المجال العام)، وفقاً لملا.
وفي ذات السياق، يردف ملا: (في المراحل الانتقالية، تكون المجتمعات مشبعة بذكريات الحرب والانقسام والتجاذبات السياسية والطائفية. وفي الحالة السورية، حيث تعمقت الانقسامات الأهلية والمناطقية والطائفية، تصبح الصحافة الأخلاقية ضرورة ملحّة. فهي تساهم في توثيق الانتهاكات بموضوعية ومسؤولية، دون تحريض أو تشويه، وتساعد على بناء سجل موثوق يمهّد لعدالة انتقالية حقيقية بعيداً عن التوظيف السياسي أو الانتقامي). كما تعزز مناخ المصالحة من خلال الاعتراف بالألم المشترك، ووضع معاناة الضحايا في قلب السردية الوطنية. وهي أيضاً أداة مهمة لكشف أسباب النزاع وتسليط الضوء على آليات القمع والإقصاء، مما يساهم في منع تكرار العنف والانزلاق إلى صراعات جديدة).
ويرى ملا أن تعدد الجهات الإعلامية وتنافسها على التأثير برعاية إقليمية ودولية، يقتضي الحاجة الملحة إلى صحافة أخلاقية مضاعفة تلتزم بالتحقق والشفافية، وتتصدى للتضليل المنهجي، وتسهم في تمكين المواطن من اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة، خاصة في ظل بيئة ديمقراطية ناشئة تتطلب درجة عالية من الوعي والتماسك المجتمعي.
ويدعو ملا إلى الإدراك التام بأن: (الصحافة الأخلاقية ليست مجرد مراقب خارجي، بل شريك في عملية بناء مؤسسات الدولة الجديدة. فهي تسهم في دعم التحول الديمقراطي من خلال مراقبة أداء السلطات الناشئة ومنع توغّلها، كما تخلق فضاءً عاماً تعددياً ومتزناً يُعلي من قيم الحوار والتوافق، لا الإقصاء والصراع، وهو أمر حيوي في مجتمع متنوع ومجروح كـ مجتمعنا السوري).
التحديات أمام الصحافة الأخلاقية
رغم الأهمية الجسيمة للصحافة الأخلاقية كجزء لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية في سوريا، إلا أنها تواجه جمله من التحديات وعقبات مزدوجة ومعقدة وأبرزها ضعف البنى المؤسسية المستقلة ونشر محتوى صحفي منحاز أو تحريضي بناء على انقسامات ناتجة عن أسس مناطقية أو قومية أو طائفية، وهذا ما يضع الصحفي الأخلاقي أمام خطاب التخوين والتجييش، إضافة إلى ذلك محدودية التدريب والتأهيل حيث معظم المؤسسات الإعلامية تفتقر إلى أجسام تحريرية واضحة وسياسات تنظم العمل الأخلاقي، وغياب البيئة القانونية الذي يجعل الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية ضعيفا وخطيرا، وفي ظل بيئة الاستقطاب الحاد يجد الكثير من الصحفيين أنفسهم مجبرين على الانحياز لجهة أمنية أو عسكرية أو سياسية لضمان البقاء، كما أن صعوبة الوصول للمعلومة الحقيقية من مصادر موثوقة وفي ظل غياب الشفافية يزيد من احتمالية نشر الأخبار الكاذبة والمضللة لاسيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إسهامات الصحافة الأخلاقية في بناء سوريا الجديدة
(الآن، يمكن للصحافة الأخلاقية أن تشكل مساحة مستقلة، تقاوم التسييس، وتعيد الاعتبار للمعايير المهنية، وتمنح الأولوية لحق المواطن في الوصول إلى المعلومة الدقيقة لا المؤدلجة، كما تصبح الصحافة الأخلاقية درعاً لمناعة المجتمع، إذ تشتغل على التحقق، وتقديم المعلومات ضمن سياقها، ما يسمح ببناء وعي جمعي مقاوم للانزلاق نحو التطرف أو الإذعان للدعاية)، حسب ما صرح به ملا.
ومن جهة أخرى، يشير ملا، إلى أن: (الصحافة الأخلاقية، من خلال التوثيق المنهجي والنزيه، تساهم في الحفاظ على سردية حقيقية متوازنة، تمثل ذاكرة المجتمع، وتُستخدم لاحقاً في عمليات العدالة الانتقالية والمساءلة التاريخية. ويمكن للصحافة الأخلاقية أن تنشئ منبراً آمناً للحوار، ينفتح على جميع الآراء دون إقصاء، ويشجع ثقافة الاستماع والتفاهم، وهو شرط أساسي للمصالحة المستقبلية. وعليه تصبح الصحافة الأخلاقية خط الدفاع الأول عن كرامة الضحايا، إذ ترفض استخدام آلام الناس كأدوات دعاية، وتلتزم بإنسانية التغطية، وتسرد القصص باحترام ومسؤولي).
وضمن هذا الإطار يوضح ملا أنه وفي المستقبل، يمكن للصحافة الأخلاقية، باستقلالها ومهنيتها، أن تكون جزءاً من منظومة التوازن الديمقراطي، تراقب السلطة، تكشف الانحرافات، وتمنع توغلها.
كما ويلفت الانتباه إلى أن : (الإعلام الأخلاقي يساعد على خلق ثقافة سياسية قائمة على الشفافية. من خلال التحقيقات الجادة، ونقل المعلومات حول أداء المؤسسات، يصبح الإعلام شريكاً في ترسيخ مبدأ المساءلة، ما يعزز الثقة بين المواطن والدولة، وتستطيع الصحافة الأخلاقية لعب دور حاسم في بلورة الهوية الوطنية الجامعة، عبر تقديم روايات متعددة، تسلط الضوء على التنوع، وتُخرج السوريين من ضيق الهويات الجزئية إلى أفق وطني أوسع).
ويفيد ملا بأن الدولة الديمقراطية لا تُبنى فقط بالدساتير والمؤسسات، بل أيضاً بثقافة يومية تحترم القانون والحقوق والحريات. الإعلام المهني والأخلاقي يُسهم في تكريس هذه القيم، ويخلق فضاءً عاماً يحترم التعدد، ويشجع على المشاركة المدنية.
ويكشف ملا أنه: (عندما تبدأ سوريا مسارها نحو العدالة الانتقالية، فإن الصحافة الأخلاقية ستكون لاعباً محورياً في تغطية المحاكمات، ونقل شهادات الضحايا، وتحليل السياسات الجديدة بطريقة تضمن أن تكون العدالة شاملة، لا انتقائية، وأن يكون السلام عادلاً لا مفروضاً).
ويذكر ملا أن ما تستطيع الصحافة الأخلاقية أن تقدمه في سوريا، الآن وفي المستقبل، يتجاوز الوظيفة الإعلامية التقليدية. إنها فاعل سياسي واجتماعي وثقافي، تشارك في صنع الوعي، وتشكيل الرأي العام، وضمان العدالة، وبناء السلم الأهلي. لذا فإن مستقبل سوريا، كدولة ديمقراطية تعددية عادلة، يرتبط عضوياً بمستقبل صحافتها، وبمدى قدرتها على الالتزام بالمبادئ الأخلاقية والمهنية في أحلك الظروف وأكثرها حساسية.
إن بناء سوريا الجديدة استنادا إلى المواطنة والتنمية المستدامة والعدالة الانتقالية يقتضي بيئة إعلامية مختلفة تماما عن السابقة، حيث الالتزام بميثاق أخلاقي بأعلى درجات الصرامة يشمل احترام حقوق الإنسان بما فيها كرامته، وتقديم الحقيقة كما هي بمنأى عن التحيز، ونبذ خطاب الكراهية والعنف والتحريض ونشر معلومات من مصادر موثوقة ومنح فضاءات واسعة للأصوات المهمشة وضمان تمثيل الجميع دون إقصاء أو تهميش.