قبيلة جاوان عند الروژبياني (1)

اعداد: عدنان رحمن

                 بعد فترة طويلة من صدور كتاب د- مصطفى جواد، الذي كان بعنوان ( جاوان القبيلة الكوردية المنسية ومشاهير الجاوانيين). وبعد بحث وتمحيص من قبل العلاّمة المرحوم محمد جميل روژبياني توصل الى نتائج مذهلة حول تاريخالجاوانيين. نشرها كبحث في مجلة كاروان العدد 54 في نيسان \ 1987 باللغة الكوردية وقد ترجمها للعربية عبد المجيد عبد الحميد گويري، التي ورد فيها ما ذكره الروژبياني بانه قال للدكتور مصطفى عندما قابله:

– ” ان قبيلة جاوان كانت تقطن منطقة جوان رو ومن ثمة نزحت نحو الجنوب، وان كلمة جوان هي نفس كلمة جاوان الكوردية او مشتقة منها، وليست مشتقة من كلمة جوان الفارسية…… وقد استحسن الدكتور كلامي وتقبله واستمع اليه برحابة صدر، ثم قال ان هذا الموضوع يحتاج الى بحث وتحقيق اعمق وتمحيص.

واضاف الرو ژبياني:

– “ عندما كنت خارج الوطن في ايران خلال سنوات 1975- 1979 وعند ركوبي سيارة اجرة خاطبه السائق، وعند اجابته استنتج السائق انه كوردي، لذلك بادر بمخاطبتهباللغة الكوردية باللهجة الكرمانجية الجنوبية، فسألته من اي منطقة انت؟ اجاب:من بليدة جاوون فخفق قلبي لأني كنت منذ مدة ابحث عن هذه الكلمة. فسألته وما هي جاوون؟ أهي قبيلة أم منطقة؟. قال هي اسم قبيلة ومنطقة ايضا، وقال ان جاوون وعدة قرى من ضواحي ( ده ما وه ند) وهذه القرى تابعة لـــ ( ئه به رشيو) في منطقة ناو خوي التابعة لقضاء دماوند، وهم جميعا يتكلمون اللهجة الكرمانجية الجنوبية، ويُسمّي الفُرس هذه البليدة بـــ ( جابان). ثم بعد التحري توصلت الى ما كتبه المسعودي في مروج الذهب، ان الكورد الذين يقطنون مناطق دينه وه ر ( همدان) لا شك ان جميعهم من نسل ربيعة بن نزار، وكذلك الماجوران الذين هم من نسل الكيكانيين ( الاذربيجانيين) والهذبانيون- السرات- اللور- الباردلكان- البارينجان- الباريسيان- الخالية- الجبانارقيه- الجاوان“.

وبعد ان شرح روژبياني بشكل مفصل حول هذه القبائل وبعد ان وصل الى جاوان كتب:

– ” لقد تبيّن لنا من النص السابق بأن المسعودي حذا حذو المؤرخين من قبله في اعادة والحاق ارومة هذه القبائل الى اصل عربي!!! بيد ان ارآءه هذه تعرضت للنقد والمعارضة والتجريح- كما- يبدو- فلهذا تراجع عن آرائه تلك. فها هو ذا في كتابه ( التنبيه والاشراف) الذي ألّفه بعد مروج الذهب يذكر اسم قبيلة من ضمن اسماء القبائل الكوردية: ( جوانيه) وان الذين يعيشون في المضائق التي ذكرها المسعودي في التنبيه والاشراف ومنهم الجوانيه انهم قبائل جميعها من نسل كورد ابن اسفنديار بن منوجهر. ان هذا الرأي ابعد من الصحة والواقع من الرأي الاول القائل بإلحاق الكورد بالعرب للاسباب الآتية: ان اسفنديار ليس ابن منوجهر، وانما ابن كوشتاسب ابن لهراسب، حيث لم يكن لاسفنديار ولد اسمه كورد، وان احد ملوك ماد الذي هو كوردان شاه قد خاض حربا ضد اردشير الساساني، وذلك كما مُدوّن في كارنامه ي اردشير: سير جيش اردشير لمحاربة كوردان شاه المادي، وان بهرام بن بهرام كوشنس الملقب بــبهرام جوبين من نسل كوكين ميلاد الكوردي الذي انتزع السلطة من هرمز الرابع الساساني،وكان لهذا الملك اخ واخت اسم الاول كورد والثاني كوردي. ولم يرد في تاريخ ايران القديم ذكر احد باسم كورد. هذا يدحض ما يذكره المؤرخون العنصريون، إذ كيف يجوز ان تكون قومية كبيرة متكونة من عدة ملايين منحدرة من ذرية رجل واحد مهما حاولنا تقادمه فانه لا يبعد عنا زمنيا اكثر من الفي عام على اكثر تقدير!. لذلك يبدو لنا من النصوص التي عثرنا عليها بأن الجاوانيين عاشوا واستوطنوا في القسم الجبلي. ويقصد المؤرخون والجغرافيون من الجبل،تلك المناطق والبلاد التي تتوسط سلسلة جبل شاهو- زاگروس- وسلسلة جبال هه له به رز البورز- بدءا من حلوان الى اعالي الري عرضا. ومن اصفهان الى مشارف أذربيجان الجنوبية طولا. وقد سميّت هذه المنطقة الجبلية بـ ( بلاد الجبل) أو ( عراق العجم).

وبالنسبة الى الاماكن التي استقر فيها الجاوانيون فقد اورد الروژبياني:

– ” ان الفرس حرّفوا كلمة جاوان الى جابان. وان بليدة جابان تقع في ديهستان- ئه به رشيو- التابعة الى منطقة خوي في قضاء ده ماوند وتبعد عنها مسافة 27 كم وتقع على طريق ( خوله به تان وجه كلي تاران- مازندران- الى جنوب شرقي دماوند). لكننا لاندري بالضبط متى نزحت قبيلة جاوان من مرابعها متوجهة نحو الجنوب الى مناطق نفوذ الحسنويهين؟؟. يبدو ان سبب النزوح كان إما القحط والظروف القاسية او الزلزال، واما ان الامراء البويهيين الذين كانت عاصمتهم الري خلال القرنين 3 و 4 هـ قد حاصروها وضيقوا عليها الخناق مما اضطرها الى الجلاء. كما ان قسما منها رحلت عن اماكنها ومرابعها ليستقروا بين كنف الامراء الحسنويهيون الذين كان بينهم وبين البويهيين عداء متحكم“.

وبالنسبة لحدود سلطة الحسنويهيين ذكر الروژبياني:

– ” كانت من همدان حتى الاهواز ومن مندلي حتى الزاب الصغير. فمن هنا يتراءى لنا بانهم انتقلوا في هذا العهد. وبعد ترحالهم اتخذوا مشارف جبل شاهو كمنطقة لسكناهم ومرابع لعلف مواشيهم. لان مناظرها تشبه مناظر مرابعهم السابقة. لذلك حملت تلك المنطقة أرضاً وماءً ومنطقةً اسم هذه القبيلة ( جوان رو). وعلى الرغم من اننا ليس لدينا مستند تاريخي وثيق ندعم به دعوانا. لكنه ومن خلال اقوال ابن الاثير حيث يبحث حوادث 397 هـ – 1006م وانه يذكر لاول مرّة اسم امير من الجاوانيين كان من حماية الحسنويهيين. ومن ثم فإنه تتجلّى لنا هذه الحقيقة من ثنايا اقوال ابن الاثير. فها هو نفسه يقول في كتابه الكامل: ( ان عميد الجيوش عين ابا الفتوح بن عناز العياري الذي كان عدوا لبدر بن حسنويه عينّه مسؤولاً عن محافظة الطريق الرئيس لخراسان أي طريق بغداد- خانقين- كرماشان، فغضب بدر وارسل الى ابي جعفر الحجاج رئيس اركان البويهيين المعزول يستدعيه. فجمع له عددا كبيرا من الكورد امثال: الامير هند، ابو عيسى شادي بن محمد، الامير ورام بن محمد وغيرهم. وهذا الاخير كان زعيم الجاوانيين وارسلهم لمحاصرة بغداد. وفي هذه الاثناء كان ابو الحسن علي بن مزيد الاسدي- العربي الذي كان قبل هذا تابعا لبهاء الدولة البويهي والي بغداد- سلطان- حيث صحبه لمهاجمة خوزستان، كان ابو الحسن هذا قد انفصل من الحملة وعاد حانقا وانضم الى هذه الحملة. هكذا وبهذه الصورة تمكنت هذه الجماعة من ان تجمع جيشا قويا يتجاوز تعداده اكثر من عشرة آلاف محارب وتوجهت هذه القوة الجرارة الى بغداد وحاصرتها…. الخ). ان هذا الهجوم على بغداد صار سببا لانتزاح قبيلة الجاوانيين عن مناطقها الجبلية كمقدمة لطلائعها الزاحفة نحو السهل الجنوبي. وكذلك صار عاملا كيما يتقارب هؤلاء الامراء الكورد بعضهم من بعض ايضا ويوطدوا اواصر الصداقة والارتباط فيما بينهم. وكذلك مع الامير الاسدي العربي. ثم في حوادث 1014م عند ابن الاثير: ( جمع العرب مع الشازنجانيين والجاوانيين وآخرين من الكورد وزحف عليهم …. الخ). ان هذين الهجومين كانا سببا في نزوح قبيلة الجاوانيين من المناطق الجبلية الخاضعة لسلطة الحسنويهيين فينقذون انفسهم ويرحلون نحو السهول الخاضعة لنفوذ العيارين الذين كانوا بدَورهم تابعين لسلطة البويهيين في بغداد. وبدَورهم بعد موت بدر قد عززوا أساس دولتهم اكثر من ذي قبل. وهكذا اشتهر الجاوانيون في القرن الخامسالهـجري حيث تمكنوا من تثبيت نفوذهم. ان الجاوانيون بعد كل هذه السنين عرفوا واشتهروا في المنطقة واخذ نفوذهم بالازدياد والنمو وتوجهوا نحو الجنوب تدريجيا باتجاه: شهربان- ده سگره- بلدروز- مندلي- كه ركه رايا- والكوت وضواحي بغداد. وكذلك جنوبيها وفي 1101م شيد الجاوانيون مدينة الحلة بالتعاون مع بني اسد.

واضاف الروژبياني انني اشير الى هفوتين وقع فيها الدكتور مصطفى:

– ” 1- ان كلمة جوامير اسم لجوامير آغا وهي مركبة من كلمتين ( جوان و مير) واصل الكلمة جوان مير= جوان مه رد. فكلمة ميرد او مير= الرجل، و جوان= الشاب او الحسن او الرجل الشجاع او الرجل الجواد. إذن فان جوامير هذه لم تنحدر من جاوان كما ذهب اليه د- مصطفى رحمه الله.

2- تبيّن بان قبيلة الجاوانيين بعد هجوم هولاكو على بغداد وسقوط الخلافة العباسية اندمجت مع سكان الفرات الاوسط واصبحوا عربا. ولكنني اعتقد بأن الجاوانيين لم يندمجوا مع العرب، وإنما عادوا الى المناطق الجبلية الحصينة. ثم بعد ارتباك الاوضاع ببغداد وضواحيه استقروا في اصقاع جوانرو، لهذا اختفى اسمهم في التاريخ. ولتعزيز ما ذهبت إليه لدّي الادلة الآتية:

1- أساساً ان اللهجة الكرمانجية الجنوبية كانت لهجة التخاطب بين الجاوانيين، لذلك سمّوا انفسهم جافان، وعندما هاجروا الى الحلة وضواحيها وكان علماؤهم وادباؤهم يعلمون بانه لا توجد حرف- ڤي– في الفارسية ولا في العربية، كما ان اللهجة الفارسية ذكرت اسم جاوان. علاوة على ذلكفانها اختلطت واتصلت بقبيلة بني أسد وغيرها في الحلة وما يجاورها، وانهم كانوا يُسَمون انفسهم ( جاڤان). من هنا توهم العرب ان الاسم هو جافان اسم مثنى يطلق على قبيلتين. ثم لما علموا بعد ذلك ان الاسم مفرد وليس تثنية اطلقوا عليها اسم الجاف وغب مرور مئتي سنة تكيفوا مع تسميتهم الجديدة وتعودوا على تسمية قبيلتهم بـــ( الجاوان).

2- عندما اصبحت كلمة الجاف علماً لهذه القبيلة الكبيرة الكوردية لا شك ان هؤلاء الجاوانيين انفسهم لما عادوا الى موطنهم الاصلي اكتسبوا اسم الجاف وفي عهد هاتين الدولتين (العثمانية – الصفوية) انشطروا الى قسمين.. القسم الذي بقى في جوانرو اصبح يعرف بجاف جوانرو والقسم الآخر انتقل نحو الجنوب الى ارض كوردستان في هذا الجانب تَسمّت بإسمجاف مرادي.

3- ان كلمة الجاف ليست عربية فان الكلمة في العربية تعني اليابس وهي لا تدل على معنى معقول. كما انها وبلا شك ليست فارسية. لان كلمة الجاف في الفارسية تدل على معنى شنيع لا يليق بقبيلة كوردية. امّا ما يقال من ان الاسم من جفا كيش اي المعاني من المعاناة. او انها مخففة من جافرة فان هذه فكرة غريبة وحديثة، واعتقد ان كلمة جاوان مشتقة من جاڤان ومخففّة منها ومختزلة عنها.

4- ان الحاق اسم جاوان بگاوان يبعث على الحيرة والاندهاش، صحيح ان الفرس كثيرا ما يبدلون حرف الــــ گاف بحرف الجيم كما تفعله العرب. مثلما حرفوا اسم وه رو گورد الى بروجرد، واسم زه فگان بدلوها الى زنجان، وكلمة سنگاوي الى سنجابي. فيحين ان الفرس انفسهم لم يبدلوا كلمة كاوان الى جاوان دائما إذ انه لا تزال كلمة ( گاوان- گاوبان- گابان) شائعة ومألوفة ومتداولة لديهم. فلو كان اصل الاسم كاوان لحافظ الكورد الجاوانيون في ده ما وند على اسمهم وصانوه من التحريف والتبديل. وان كورد جابانا لا يزالون يسمون انفسهم گاوباره والـــ جورقان يسمون انفسهم گه ورك والــــــجوران يسمون انفسهم گوران.

5- اننا يمكننا ان نقول فقط بان اسم جاڤانحُرِّفَ الى جابان، لان حرف ڤ الكوردي تبدل في الفارسية مطلقا الى ( ب) مثل ئاڤ ( ئاب) وتاڤ الى ( تاب).

6- ثم لنرجع الى موضوع الجاوانيين الذين يسكنون في دماوند فان هؤلاء كانوا يعيشون مندمجين مع قبيلة التاتي والگوران لكنهم لا يزالون يحافظون على لهجتهم، اما الجاوانيون في منطقة جوانرو فقد طغت لهجة الگوران واللور على لهجتهم مع ان لهجتهم تختلف عن سائر اللهجات في مناطق: كرماشان- اردلان- بابان القديم- كلهور- الباجلان. ان الجاوانيين الذين من دماوند يعيشون في هذه المدن الصغيرة والقرى مع التاتيين والگورانيين سويةوتعدادهم: (( جابان: 900 نسمة. ئاب سه رد: 750 نسمة. ئايينه وه رزا: 90 نسمة. سه ربندان: 1740 نسمة. مبهر آباد: 1342نسمة.سورخه وي: 450 نسمة)). وفيما عدا هؤلاء فانهم يوجدون في ضواحي واطراف اصفهان وبعض المناطق الاخرى من ايران.                     وكذلك في آمد- ديار بكر في قلعة- شاتان- التابعة الى حصن كيفا حيث لا يزال يوجد فرع بإسم قبيلة جاوان.

وفي الختام اشار الروژبياني:

– ” إنني أريد أن أكرّر هنا بأن جابان الذي كان قائدا للجيوش في عهد المملكة الساسانية بوران روخت، وكذلك جابان الذي كان احد اصحاب النبي محمد ( ص) انهما ينحدران من ارومة القبيلة الجاوانية الكوردية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- من المؤرخين الكورد ولد سنة 1913 في إحدى القرى التابعة لمحافظة كركوك سنة 1942 نال الإجازة الدينية على يد العالم شيخ رضا الطالباني تعرض للسجن والإعتقال والنفي والتشريد والإقامة الجبرية مرات عديدة. كتب العديد من المقالات في الصحافة العراقية بالعربية والكوردية، كان ضليعاً باللغات الكوردية والعربية والفارسية والتركية. سنة 1963 إلتحق بالثورة الكوردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني وعمل قاضياً في المناطق المحررة. عمل فترة طويلة في إذاعة طهران مترجماً ومختصاً في اللغتين العربية والكوردية. سنة 1979 عيّن عضواً في المجمع العلمي العراقي الهيئة الكورديةسنة 1994 نال الميدالية الذهبية لإتحاد المؤرخين العرب. سنة 1958 سافر مع وفد شعبي عراقي إلى الإتحاد السوفيتي وإلتقوا بالرئيس السوفيتي خروتشوفوتحدث عن حقوق الشعب الكوردي مع خروتشوف، من ترجماته: تأريخ السليمانية وأنحائها لمحمد أمين زكي وقد ترجمها من الكوردية إلى العربية وهو في سجن العمارة. الشرفنامة لشرفخان البدليسي وقد ترجمها من الفارسية إلى الكوردية وهو في سجن نقرة السلمان. مذكرات رفيق حلمي وقد ترجمها من الكوردية إلى العربية. من مؤلفاته: الدولة الحسنوية والعياريةبالكوردية. حكومة موكريان بالكوردية. أربع دول كوردية بالكوردية.

قد يعجبك ايضا