عماد الحمزاوي
اختلف المؤرخون حول أصول الكورد وتأريخهم، وكل منهم أدلى بدلوه حسب معرفته، وقد حصل النقاش الكثير حول هذا الموضوع.
لذا وجب ان نعود الى التأريخ القديم وتحديداً الفترة بين (القرن العاشر والقرن السابع قبل الميلاد) لتبيان النقاط الآتية حول:
تأريخ وأصول الكورد
١- ألمانيون وهم احدى الشعوب القديمة التي استوطنت أراضي تسمى اليوم (بأذربيجان الإيرانية)، وذكر اسمهم في العهد القديم من الكتاب المقدس، وجاوروا الآشوريين ودولة آرارات، وأصول هذه الشعوب هندو- أوروبية، ويجمع أغلب المؤرخون ان هؤلاء الشعوب هم الأصول القديمة للشعب الكوردي، ولكن المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي فند هذه النظرية وذكر في كتابه (خلاصة تأريخ الكورد وكوردستان) ان الشعب الكوردي كان يقطن كوردستان منذ فجر التأريخ وامتزج مع (شعوب الهندو- أوروبيون ) كالميديين الذين هاجروا الى كوردستان في القرن العاشر/ق.م.

وذكر أيضاً ان الشعب الكوردي من الشعوب الثابتة غير المتنقلة واعتمدوا على الزراعة وتربية المواشي وأنهم كانوا عدة قبائل مثل (لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، وسوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري).
وكانت عاصمتهم (زرتا) ووصلوا الى أوج قوتهم بين الاعوام (725-720) قبل الميلاد، ولكن الملك الآشوري سرجون الثالث استطاع عام 716 /ق. م في القضاء على حكمهم.
٢- الكاردوخيون هم أيضاً شعوب هندو- أوروبية انضموا الى الشعب الكوردي في الاعوام (427-355) ق.م، وقد كان إقليم كاردو / شرق ارمينيا حاليا موطنهم، وتم احتلال الإقليم من قبل الإمبراطور الروماني بومبياس، وقد وصفهم المؤرخ اليوناني زينوفون ((بأنهم المحاربين الأشداء ساكني المناطق الجبلية)).
٣- الميديون/ذكر في كتاب هيرودوت ان الميديون كانوا 6 قبائل رئيسية سميت بالقبائل الميدية استناداً الى العهد القديم من الكتاب المقدس، وأنهم من سلالة (يافث بن نوح) وذكر اسمهم أيضاً في المخطوطات اليونانية لأول مرة عام 836 ق. م.

آثار قصور امبراطورية ميديا
وأجمع اغلب المؤرخون ان جذور الكورد هي آرية، وهذا واضح في كلمات نشيدهم الوطني بأنهم أبناء الميديون، واصل الميديين يرجع الى شخص اسمه (دياكو) الذي كان زعيم قبائل منطقة جبال زاگروس.
في منتصف القرن السابع /ق. م حصلت هذه القبيلة على الاستقلال وشكلت امبراطورية ميديا، وفي القرن السادس ق.م تمكنوا من بسط إمبراطوريتهم الى أذربيجان وآسيا الوسطى وأفغانستان، واعتنقوا الديانة الزردشتية، وفي عام 612 ق.م تمكنوا من تدمير عاصمة الآشوريين في نينوى الأمر الذي ادخل الخوف والرعب في قلوب البابليين فبادروا للصلح معهم حتى ان الملك البابلي نبوخذ نصر تزوج من ابنة إمبراطور الميديين (سياخاريس)، واستمر نفوذهم الى نهاية عام553 ق.م.
٤- الهزوانيون/ ويسمون شعب حدياب استوطنوا بلاد ما بين النهرين (سوريا وتركيا والعراق) وأسسوا مملكة لهم واتخذوا من اربيل الحالية عاصمة لهم، وملكتهم كانت تسمى هيلين، وبحسب المخطوطات القديمة ان مملكة الهزوانيين كانت تمتد بمكان استقرار سفينة نوح عليه السلام، ووصلت حدود مملكتهم الى شمال مدينة القدس، واستمر حكمهم 100 عام.
٥- الشداديون/ وهم اصحاب الإمارة الشدادية وسميت بهذا الاسم نسبة الى مؤسسها محمد بن شداد وكان كورديا ً، وعندما شن الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السادس الحرب على ملك ارمينيا جاغيك الثاني بعث قسطنطين رسالة الى علي لشكري أمير الشداديين يطلب الانضمام اليه في حربه ضد ملك ارمينيا، انضم اليه وهزموا ملك ارمينيا، انتهى حكم الإمارة في عهد الفضل بن الفضل من قبل السلاجقة.
٦- الحسنويون/ وهم اصحاب إمارة كوردية بين الأعوام (959-1015) وعاصمتهم مدينة دينور (كرمنشاه) حالياً، مؤسس هذه الإمارة هو الأمير حسنويه بن حسين الذي كان رئيس قبيلة بزريكاني الكوردية، ولهذا سميت الإمارة الحسنوية، وصل نفوذ هذا الامارة الى حدود نهاوند (إيران حاليا) أسد آباد، أهواز، كرمنشاه، وكركوك في العراق.
بعد وفاة الامير حسنويه بن حسين ضعفت الامارة واستطاع البويهيون في القضاء عليها.
٧- العنازيون / او العناريون : أسست هذه الامارة بين الأعوام ( 990-1117) وسميت الامارة العنازية نسبة الى مؤسسها محمد العيار، وكلمة العيار باللغة الكوردية تعني الداهية او الشخص الذكي، واشتهروا بتربية الماعز، امتد نفوذهم من مدينة كرمنشاه إلى داقوق ومندلي والنعمانية ، وفي عام 1045 تمكن طغرل بگ من القضاء على هذه الامارة في معركة شهيرة قرب نهر سيروان (نهر ديالى الحالي).

٨- المروانيون / سلالة كوردية حكموا شمال سوريا وجنوب الأناضول بين الاعوام (990-997) وانشأوا امارة مستقلة في ديار بكر وملاذ كورد، وكانت تختلف عن الإمارات السابقة لان أمراء هذه الامارة شجعوا حركة العمران وبناء المدن وكذلك شجعوا العلماء والأدباء، وبسبب التناحر على السلطة ضعفت الامارة فقام السلاجقة بطردهم من ديار بكر وتم القضاء على آخر أمير الاسرة الحاكمة.
٩- الأيوبيون / تأسست الدولة الأيوبية على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي في مصر، وامتدت نفوذها الى الشام والحجاز وشمال العراق وديار بكر جنوب تركيا وجنوب اليمن.
مؤسس هذه الدولة جاء هو وأسرته من ارمينيا وأصبح والياً لتكريت ومن ثم والياً لدمشق، وقد كان شقيقه وابنه صلاح الدين من القادة العسكريين، وعندما توفي شقيقه أسد الدين شيركوه أصبح صلاح الدين قائداً لجيوش مصر وقضى على الدولة الفاطمية عام (1171) وهو بطل الحروب الصليبية عام (1169).
تمكن القائد صلاح الدين الأيوبي من ضم الشام تحت رايته، ولقب بالسلطان وامتد سلطانه الى شمال النهرين، وقاد حملة ضد الصليبين عام (1187) واسترد القدس في معركة حطين الشهيرة، وبعد وفاته تمكن المماليك عام (1260) م من إنهاء حكم الأيوبيين في حمص، بينما بقي حكمهم في اليمن الى عام (1341) م.
١٠- الامارة البدليسية/ اصحاب هذه الامارة من الكورد، والقبيلة كانت تسمى روزاكي، وعندما انتصروا على ملك جورجيا هيمنوا على مناطق بدليس وساسون في ارمينيا، ولكنهم أحُتلوا من قبل قبيلة (آق قوينلو / الخروف الأبيض) وكذلك من قبل الصفويين بين الاعوام (2507-1514) م، ومن اعظم إنجازاتهم كتاب ( شرفنامه) للمؤلف شرف الدين البدليسي، وهو اول كتاب عن تأريخ الإمارات الكوردية ومن اهم مصادر تأريخ الشعب الكوردي.
تحت ضغوط السلطان سليمان القانوني فر الامير شمس الدين الى إيران واحتمى بالصفويين، وتم تنصيب ابنه شرف الدين البدليسي اميراً على بدليس عام 1583م وبذلك فقدت الامارة استقلاليتها.
١١- الامارة الاردلانية / امتدت هذه الامارة بين الاعوام (1169-1867) م وكانت عاصمتها (سنندج) حالياً، مع ان شهرزور كوردستان العراق كانت العاصمة، ولا يزال احفاد الاردلانيون يعيشون في كوردستان العراق، وبناءاً على مخطوطات التأريخ القديم وكتاب شرفنامه انهم احفاد صلاح الدين الأيوبي، وشمل نفوذ هذه الامارة شمال العراق وخانقين، كفري، كركوك، ولكنها فقدت استقلاليتها بسبب التناحر بين الصفويين والعثمانيين.
١٢- بهدينانيون او بادينانيون / وهم اصحاب الإمارة الكوردية العباسية، وعرفت بإمارة بهدينان نسبة الى مؤسسها الملك بهاء الدين بن الملك خليل بن عز الدين العباسي وحفيد المبارك أبي المناقب بن الخليفة المستعصم بالله، وكان يعرف ببهاء الدين شمزيني، وشمزين منطقة في مقاطعة هكاري، وبادينان اسم منطقة في كوردستان حالياً، ومن أشهر شعراء هذه الفترة (أحمدي خاني) كاتب الملحمة الشعرية الكوردية الشهيرة (مه م وزين).
كانت العمادية عاصمة الامارة ومنطقة نفوذها شملت مدن عقرة، زاخو، زيبار، عين سفني وأجزاء من الموصل واربيل، نهاية إمارة بهدينان كانت على يد إمارة اخرى منافسة لها وهي إمارة سوران عام (1834) م. عام (1847) م، ثم سيطر العثمانيون على المنطقة وضمت الى الموصل.

١٣- إمارة سوران- استناداً الى كتاب الشرفنامه أسست هذه الامارة بين الاعوام (1816-1838) م، ومؤسسها كولوس ابن احد الرجال المعروفين في بغداد، وتسمية سوران جاءت من الصخور المحيطة بقلاع إمارة كوردية كانت منافسة لإمارة سوران، وعندما احتل ابن كولوس تلك القلاع أسموا إمارتهم امارة سوران اي (الحمر) نسبة الى لون الصخور المحيطة بالقلاع.
خانزاد وقلعتها التأريخية
امارة سوران هي الامارة الوحيدة التي حكمتها امرأة اسمها الملكة (خانزاد).
وكما حال الإمارات الكوردية آنذاك كانت استقلاليتها تتغير حسب التحالفات والصراعات، وفي أوج قوة امارة سوران امتد نفوذها الى اربيل، كركوك، الموصل حتى الحدود الفاصلة بينها وبين امارة بابان عند نهر الزاب الصغير.
شن العثمانيون هجوماً كبيراً عام (1838) م على الامارة ولكن السوران دافعوا عنها بشراسة، فلجأ الوالي العثماني رشيد باشا الى خدعة، بأن بعث برسالة الى الامير السوراني محمد ذكر فيها بالكف عن إراقة دماء المسلمين، ولكن الامير محمد رفض العرض واعتبره خضوعاً للإمبراطورية العثمانية، ولكن مفتي الامارة الملا محمد الخطي أصدر فتوى أعلن فيها (ان كل من يحارب جيش الخليفة العثماني غير مؤمن وزوجه منه طالق) وكانت هذه الفتوى السبب الرئيسي لسقوط امارة سوران.

١٤- البابانيون/ كانت امارة بابان معروفة بين الاعوام (1639-1851) م وأصولهم تعود الى القبائل الكوردية التي كانت تسكن منطقة پشدر، وقد كان رئيس الامارة احمد الفقيه ولقب ب (به به او بابان) من قبل السلطان العثماني مكافأة له لتحالفه معه ضد الصفويين.
بنى البابانيون مدينة السليمانية عام (1783) م وجعلوها عاصمة لهم، ويقال ان سبب تسمية العاصمة سليمانية انه تم العثور على خاتم عليه نقش اسم النبي سليمان، ويقال أيضاً ان ابراهيم باشا بابان سماها باسم والده سليمان.
بسطت الاسرة الحاكمة في امارة بابان نفوذها على المناطق الممتدة بين نهر الزاب الصغير ونهر سيروان (نهر ديالى) حالياً، وكانت في فترة من الفترات مستقلة استقلالاً تاماً.
كانت علاقة امارة بابان غير جيدة مع إمارة سوران وإمارة بوتان اضافة الى الصراع مع الدولة العثمانية والقاجار الإيرانيين، وانتهى نفوذ امارة بابان على يد العثمانيين عام (1851) م