قراءة في كتاب الأنا والهو لفرويد/1

عارف محمد نجدت شهيد

في أواخر القرن التاسع عشر، لاحظ الأطباء ظاهرة الهستيريا، حيث يظهر المرضى أعراضاً جسدية واضحة مثل الشلل المؤقت أو فقدان القدرة على الكلام، رغم عدم وجود سبب عضوي. في ذلك الوقت كان الاعتقاد السائد أن العقل كله شعوري، أي أن كل ما نفكر فيه أو نشعر به يكون في متناول وعينا. لكن فرويد اكتشف أن هذه الأعراض غالباً ما ترتبط بذكريات وتجارب مؤلمة مكبوتة في اللاشعور، لم يتمكن المرضى من التعبير عنها، لكنها كانت تتحكم بهم بطرق غير مباشرة. وعندما استطاع المريض تذكر هذه الذكريات والتحدث عنها، اختفت الأعراض، وأصبح الشفاء ممكناً.

أعلن فرويد عن اكتشافه الثوري في علم النفس إذ قال بأن جزءاً كبيراً من العقل لا شعوري، وما الجزء الشعوري للعقل إلا السطح الذي يغطي أعماقاً لا حدود لها. وقد لقي فرويد من أقرانه من علماء ذلك الزمان قدراً عظيماً من الإنكار والسخرية، إذ أن جميع الدراسات السابقة للعقل البشري كانت قائمة على أساس شعورية العقل! ومع ذلك، لم تكن فكرة اللاوعي جديدة كلياً، إذ سبق أن أشار إليها فلاسفة مثل شوبنهاور وليبنيز، لكن فرويد طورها إلى نظرية علمية منظمة تربطها بالأعراض النفسية والجسدية.

إن العقل البشري، أو الجهاز النفسي كما يصفه فرويد، يتكون من ثلاث طبقات متراكمة.؛ على السطح يوجد الشعور، وهو ما نعيشه لحظة بلحظة، وأسفل هذا السطح يوجد “ما قبل الشعور”؛ خزان قريب من الوعي يمكن استدعاؤه بسهولة عند الحاجة. أما في العمق، فيوجد اللاشعور، عالم مظلم يضم الرغبات المكبوتة والذكريات المؤلمة، والتي يمنعها “الرقيب النفسي” من الظهور إلى الوعي لأنها قد تصطدم بالقيم أو الواقع. يمكن تصور اللاشعور كصندوق مخفي في أعماق العقل، حيث نضع ما لا نريد مواجهته، لكنه يتسلل أحياناً إلى سلوكنا في صورة أحلام أو أعراض جسدية أو مشاعر غير مفهومة.

ثم أضاف فرويد تعريفاً جديداً للجهاز النفسي والذي يتألف من ثلاثة مكونات: الأنا، والهو، والأنا العليا، وهي الركائز الأساسية للصراع النفسي الداخلي. يمثل الهو الغرائز البدائية التي تسعى إلى الإشباع الفوري دون اعتبار للأخلاق أو المنطق، إنه كطفل صغير لا يعرف إلا الصراخ والإصرار على طلباته. أما الأنا العليا فتمثل الضمير والقيود الأخلاقية والاجتماعية. وأما الأنا فهو الوسيط الذي يحاول إيجاد توازن بين رغبات الهو، ضغوط الأنا العليا، ومتطلبات العالم الخارجي، وإذا عجز الأنا عن تحقيق هذه التوازنات، ظهرت الأمراض النفسية! يمكن تصور الأنا وكأنه راكب على ظهر جواد هائج يمثل الهو؛ يحاول التحكم في قوة الجوّاد، وأحياناً يضطر أن يتركه يقوده حسب قوته، كما يحدث في حياتنا اليومية عندما ننجرف وراء رغبة ما رغم وعي الأنا.

تشكّل الغرائز القوة المحركة الأساسية لأجزاء النفس المختلفة، فهي بمثابة الطاقة الكامنة التي تدفع الإنسان نحو الفعل، ومن أبرزها الغرائز الجنسية، التي تنبع من طاقة خاصة سماها فرويد “الليبيدو“، وهي طاقة تسعى بطبيعتها إلى الإشباع والاتحاد مع موضوعات تحقق لها الرضا واللذة. وفي المقابل، هناك غرائز أخرى يعمل الأنا من خلالها على حماية الذات، فيكبح بعض الرغبات أو يؤجل إشباعها حين يرى أنها تتعارض مع الواقع أو مع القيم الأخلاقية والاجتماعية. وهنا يظهر ما يسميه فرويد مبدأ اللذة: فكل توتر داخلي يولّد شعوراً بالألم، والإنسان يسعى بطبعه إلى التخلص من هذا التوتر والبحث عن اللذة كوسيلة لاستعادة التوازن النفسي.

لقد لاحظ فرويد أن مبدأ اللذة لا يكفي لتفسير كل السلوك الإنساني. فخلال عمله مع الجنود العائدين من الحرب العالمية الأولى، وجد أن بعضهم كان يعيش كوابيس متكررة تعيد لهم مشاهد الحرب القاسية بكل تفاصيلها، من دماء وانفجارات وخوف. وهنا طرح السؤال: أين اللذة في إعادة تجربة مؤلمة كهذه؟ بدا الأمر وكأن النفس مدفوعة إلى تكرار الألم بدلاً من تجنبه. ومن هنا صاغ فرويد مفهوم إجبار التكرار، أي الميل الغريزي إلى إعادة تجربة صادمة أو مؤلمة، لا بحثاً عن اللذة، بل كمحاولة لاشعورية للتعامل مع الصراع الداخلي الذي تركته التجربة.

لقد بيّن “إجبار التكرار” أن هناك في النفس قوى أعمق من مجرد السعي وراء اللذة، قوى تدفع الإنسان أحياناً إلى إعادة التجارب المؤلمة نفسها. وهذا ما جعل فرويد يتأمل في طبيعة النفس البشرية، ليكتشف أن الأنا – رغم كونه مركز التوازن – ليس سيد الموقف دائماً، فهو في الأصل جزء خرج من الهو ويظل خاضعاً لضغط غرائزه. ومن هنا برزت الفكرة الأساسية: أن الإنسان تحكمه قوتان متعارضتان، إحداهما تسعى إلى البقاء والحياة، والأخرى تتجه إلى الفناء والعدم.

أطلق فرويد على الغريزة الأولى اسم إيروس، وهي ليست مجرد الرغبة الجنسية كما قد يُظن، بل تشمل كل ما يجعل الحياة ممكنة: الحب، التعلق، التعاون، وحتى دافع الإنسان إلى الأكل والشرب وحماية نفسه. إنها الطاقة التي تسعى لتوحيد أجزاء الحياة، وللحفاظ عليها وإطالة أمدها. أما الغريزة الثانية فهي أكثر غموضاً، وقد أسماها فرويد غريزة الموت. هذه الغريزة لا تريد البناء ولا الاستمرار، بل تسعى لإعادة الأشياء إلى حالتها الأصلية، أي إلى السكون والجمود، وكأنها تقول: “لقد عشنا ما يكفي، فلنعد إلى الصمت الأول.” ويمكن أن نفهم هذا عبر العلاقة بين الجنس والموت: فبعد الإشباع الجنسي التام، يشعر الإنسان بحالة من السكون والفراغ، كأنه اقترب خطوة من العدم. وفي بعض الكائنات البسيطة، لا يبقى الأمر شعوراً فحسب، بل حقيقة بيولوجية؛ إذ يموت الذكر مباشرة بعد تخصيب الأنثى، لأن إيروس قد أدى مهمته في استمرار النوع، تاركاً المجال لغريزة الموت كي تنجز عملها.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة، عندما تتصارع غرائز الحياة والموت داخل النفس البشرية، لا يظهر هذا الصراع دائماً بشكل مباشر، بل قد يتجلى في سلوكيات معقدة ومتناقضة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك السادية والمازوخية، حيث تختلط رغبة الحياة واللذة (إيروس) مع نزعة العدوان والفناء (غريزة الموت). هذه السلوكيات ليست قرارات واعية، بل تعبير عن صراع داخلي بين غرائز الهو، رغبات الأنا، وضغوط الأنا الأعلى.

في المازوخية، يقمع الشخص بعض رغباته أو غرائزه الطبيعية—سواء كانت جنسية أو عدوانية—بسبب قيود المجتمع أو الضمير أو الخوف من العقاب. هنا يظهر صراع غرائز الحياة والموت داخل النفس: رغبة الحياة واللذة تحاول التعبير عن نفسها، لكن غرائز الموت المكبوتة تحول هذه الطاقة إلى عدوان موجه نحو الذات. مثال على ذلك الطفل الذي يتعلم أن الغضب “سيء”، فيشعر بالذنب وينتقد نفسه، وقد يجد في الألم الداخلي وسيلة لتفريغ هذه الطاقة بأمان. بمعنى آخر، يعاقب الفرد نفسه ليواجه الصراع بين الرغبة في المتعة وبين الانضباط الأخلاقي أو الخوف من العقاب.

أما في السادية، فلا يُكبت العدوان بالكامل، لكنه يخضع لقيود المجتمع، فيتجه الصراع النفسي نحو الخارج: رغبة الحياة واللذة تتعايش مع نزعة العدوان والفناء، فيجد الشخص متنفسه في السيطرة على الآخرين أو إذلالهم بشكل رمزي، يتحول الصراع هنا بين غرائز الحياة والموت إلى سلوكيات تجاه الآخرين بدل توجيهها نحو الذات.

إذاً، فالفرق الأساسي بين المازوخية والسادية يكمن في اتجاه الطاقة العدوانية: في المازوخية تتجه نحو الذات، بينما في السادية تتجه نحو الآخرين، ومع ذلك يبقى الصراع بين غرائز الحياة والموت حاضرًا في كلا الحالتين، ويتشكل السلوك كنتيجة للتوازن أو التوتر بين هذه القوى المتعارضة.

تبرز هنا نظرية النقل لتساعدنا على فهم كيفية ظهور المشاعر المكبوتة والطاقة النفسية المكبوتة في السلوكيات الحالية للشخص بشكل أفضل. وفقاً لهذه النظرية، ينقل الفرد -أثناء العلاج النفسي أو حتى في حياته اليومية- مشاعره تجاه أشخاص من الماضي -سواء كانت محبة، غضب، أو إحباط- إلى شخص آخر في الحاضر، غالباً ما يكون المعالج أو شخصاً قريباً منه. فالمريض قد يشعر بغضب مكبوت تجاه والده أو والدته، لكنه يوجه هذا الغضب نحو المعالج أو زميل العمل. وفي سياق السادية والمازوخية، قد ينقل الشخص طاقته العدوانية المكبوتة من تجارب طفولية -مثل قمع الغضب أو الرغبات الجنسية- إلى علاقات حالية، فيظهرها كسيطرة على الآخرين (سادية) أو جلد ذاتي (مازوخية). يسمح النقل للطاقة المكبوتة بالظهور عبر رموز أو مواقف بديلة، فيصبح من الممكن تفسيرها وفهمها، مما يساعد على الوصول إلى ذكريات مكبوتة وفهم السلوكيات النفسية المعقدة.

يمكن رؤية تأثير هذه العملية في حياتنا اليومية، كالطفل الذي يشعر بالغيرة من أخيه الأصغر قد يصرخ أو يكسر شيئاً (توجيه العدوان نحو الخارج)، بينما طفل آخر يكبت شعوره بالغيرة فيصاب بالصداع أو القلق (توجيه العدوان نحو الداخل). كمثال آخر، شخص يخاف التعبير عن غضبه في العمل قد يحوّل طاقته إلى ممارسة رياضة شديدة لتفريغ التوتر، أو يجد نفسه يحلم بكوابيس متكررة تعكس صراعاته المكبوتة. بهذه الطريقة، تظهر الطاقة المكبوتة في شكل قابل للملاحظة والتفسير، ما يجعل السلوكيات النفسية المعقدة أكثر وضوحاً للفهم والتحليل.

ومن بين هذه السلوكيات المعقدة يبرز ما سماه فرويد بالمالنخوليا، وهو الحزن المرضي العميق. يرى فرويد أن هذه الحالة تنشأ حين يفقد الإنسان موضوعاً للحب لا يستطيع التخلي عنه كلياً. فبدلاً من تركه خارج الذات، يمتص الأنا صورته في عملية تسمى التقمص.، فالأناهنا لا يرضى بخسارة الموضوع، بل يحتفظ به عبر تحويل الحب الخارجي إلى حب داخلي أو نرجسي. يبدأ هذا النمط منذ الطفولة المبكرة، وبالتحديد في المرحلة الفمية حين يعجز الطفل عن التمييز بين رغبته في حب الآخر ورغبته في أن يصبح شبيهاً به. ومع نمو الهو، مستودع الغرائز، يحاول الأنا أن يوازن بين رغباته والواقع عبر الكبت أو الإشباع الجزئي. لكن حين يحدث فقدان لشخص عزيز مثل الوالدين أو الحبيب، يعود الأنا إلى وسيلة التقمص ليحتفظ بالموضوع داخله، وكأن الإنسان يتشبث بالآخر المفقود بأن يصبح هو ذاته صورة منه.

قد يعجبك ايضا