الكلمة المشنوقة في عهد البعث

هيام حاجي أحمد – باحثة سياسية في شؤون العراق وكردستان

السنوات الذهبية من عمر الشباب، عندما كنت طالبة في الإعدادية التجارية، وسط خوف وترهيب نظام البعث البائد، كانت مشاعر الهوية الكوردية والوطنية تتوهج في قلوبنا كنارٍ خفية. خاصة في شهر آذار، ذلك الشهر الذي يوقظ المشاعر والأحاسيس القومية، كنا نحيي ذكرى رحيل الأب الروحي لأمتنا، البارزاني الخالد، ببعض الرموز البسيطة ولكن المليئة بالمعاني. بعضنا كن يضعن شريطًا أسود على ضفائرهن والبعض الآخر كن يرتدين قميصًا أسود، لنعبر بصمت عن مشاعر وفائنا. على جدران المدرسة، التي كان كل واحد منها بمثابة رقيب صامت للنظام، كنا نكتب بسرّ وبسرعة كلمات نارية، كلمات تحمل في طياتها الخوف والأمل: “يسقط صدام حسين” و “عاش الملا مصطفى البارزاني”.
لم تكن هذه الكتابات مجرد بضع كلمات، بل كانت نشيد الوطنية الذي كنا نخفيه في قلوبنا. في ذلك الزمن المظلم، مجرد كتابة اسم “كردستان” أو “بارزاني” على قطعة من الورق، كان يمكن أن يجلب معه حكم الإعدام. مدير المدرسة في ذلك الوقت، حسن قوزي، كان رفيقًا حزبيًا نشطًا، لكنه في داخله كان رجلاً طيبًا.
في يوم ثلاثاء من شهر آذار، شهر الثورة وذكرى البارزاني الخالد، اتخذت قرارًا لا رجعة فيه. كتبت تلك الكلمات المقدسة على ورقة وألقيتها سرًا في غرفة “اتحاد” البعثيين. في اليوم التالي، الأربعاء، الذي كان يوم الاجتماعات الحزبية، قامت القيامة في المدرسة. دخلت قوات الأمن والرفاق الحزبيون إلى المدرسة وتم اعتقال العديد من الطلاب الأبرياء، وساد خوف كبير في قلوب الجميع.
بالتأكيد، كنت أنا أيضًا خائفة جدًا، وازداد هذا الخوف أكثر، لأنه قبل فترة وجيزة، كانت شقيقتي ( ریزان) في مدرسة (أفين) التي تسمى الآن (ليلان)، قد بصقت على صورة صدام حسين. بقي والدي حائرًا، ولجأ إلى أحد الأغوات ليتوسط له، لكنه أجاب باختصار وقال: “التي تبصق على صورة والد عدي، فلتتحمل نتيجة فعلها”، وللعلم ذلك الآغا يملك الآن منصبًا. فقط بعد أخذ ورد ورشوة كبيرة، استطعنا بواسطة عدة وساطات إنقاذ شقيقتي من الموت. هذان الحادثان كانا يظهران كيف كان الخوف كالظل يخيم على كل فرد كردي.
ولزمنٍ طويل، لم يجرؤ أحد على السؤال عن مصير أولئك الطلاب المعتقلين، وبقيت القصة مدفونة في أعماقي كجمرٍ تحت الرماد. هذا العام، حين اجتمعنا نحن أصدقاء الإعدادية، وسرد كلٌّ منّا ذاكرته، قررت أن أروي قصتي. وهناك، اكتشفت أن اثنين من أولئك المعتقلين كانا زوجين لصديقتين لي، وقد علمن حينها فقط أنني كنت السبب في تلك الكارثة. أحدهما كان علي سعيد حسن مصطفى مزوري، ومعه دلشاد حسن عبد الرحمن باجلوري. وكان من بين المعتقلين أيضًا: سعد جلال دهوكي وإياد طاهر علي سعيد وشفان مزوري وآزاد عبد الله ومحمد عبد الكريم فيصل عبد الله. واليوم، بعد أن مضى كل هذا الزمن، بتنا ندرك جميعًا كم كان التمسك بالهوية الكوردية، حين كانت تُنسج بالخوف والدم، عملًا بطوليًا شاقًا، لكنه مجيد.
اليوم، عندما ننظر إلى سماء كردستان الحرة، يجب أن نعلم أن كل حرف من اسمها كُتب بدماء الشهداء ومعاناة السجناء. نضال اليوم هو امتداد لذلك النضال المقدس السابق، والواجب الملقى على عاتقنا هو ألا ننسى ملحمة البطولة والصمود هذه وأن نرويها للأجيال القادم.

قد يعجبك ايضا