مهند الصالح
عبر العصور، شكّلت العبودية إحدى أحلك الصفحات في سجل الإنسانية. وقد كانت ظاهرة عالمية، لم تقتصر على حضارة دون أخرى، ولا على زمن دون زمن. إلا أن المدهش، بل المؤلم في آنٍ واحد، أن العبيد أنفسهم لم يكونوا دائمًا صفًا واحدًا في مواجهة الظلم، بل انقسموا إلى فئتين واضحتين: عبيدٌ مجبرون مقهورون، وعبيدٌ أحبّوا قيدهم واعتادوا الذل حتى أصبح لهم عادةً وهوية.
حين نقرأ في تاريخ الرق في أمريكا على سبيل المثال، نجد أن العبيد قُسّموا إلى نوعين رئيسيين: عبيد الحقول وعبيد المنازل. عبيد الحقول كانوا يعملون في ظروف قاسية لا تطاق، يتعرضون للجلد والتجويع، ويكدحون تحت أشعة الشمس الحارقة في مزارع القطن والتبغ. كانوا أكثر وعيًا بجحيم العبودية، وأكثر توقًا للحرية، ولذا فقد كانوا وقود كل انتفاضة أو محاولة للهرب أو التمرد.
أما عبيد المنازل، فقد نالوا بعض الامتيازات الشكلية: كانوا يعملون في بيوت السادة، يأكلون من بقايا طعامهم، ويرتدون ملابسهم القديمة. ولأنهم اعتادوا هذا “الترف النسبي”، لم يعودوا يرون أنفسهم عبيدًا بالكامل، بل تطبّعوا بطباع السادة، حتى إن بعضهم كان يخون ثورات عبيد الحقول، فينقل مخططاتهم إلى أسياده، مقابل الحفاظ على فتات الامتيازات.
المفارقة الكبرى أن الخيانة لم تكن بدافع الخوف فقط، بل بدافع التعلّق بـ”نمط حياة” رأوه أفضل من مصير الفقراء المتمردين. لقد اختار بعض العبيد القيود على الحرية، ليس لأنهم لا يفهمون معناها، بل لأنهم رأوا في القيد أمانًا، وفي الحرية خطرًا ومجهولًا.
هؤلاء لم يكونوا عبيد جسد فقط، بل عبيد عقل وروح. استعبدهم الطغاة مرة، فاستعبدوا أنفسهم ألف مرة. وهذا النوع من العبودية هو الأخطر، لأنه يعيق كل حركة نحو التحرر، ويقوّض كل ثورة من داخلها.
ورغم أن العبودية الرسمية قد أُلغيت في معظم دول العالم، إلا أن أنماطًا جديدة منها لا تزال قائمة. هناك من يستعبدهم المال، ومن يستعبدهم المنصب، ومن يفضلون الصمت والتطبيل للسادة، على المطالبة بالحق. هؤلاء “العبيد الجدد” لا يختلفون عن عبيد المنازل، فهم أيضًا يقتاتون على بقايا الكبار، ويخشون زوال فتاتهم أكثر من شوقهم إلى العدالة.
الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع. وهي لا تُنال إلا إذا اتّحد المستعبَدون، ورفضوا أن يكون بينهم من يحنّ إلى قيوده. فطالما وُجد من يرى في العبودية أمنًا، لن تقوم للحرية قائمة. ولذلك، فإن أول معركة في طريق التحرر، ليست مع السيد، بل مع العبيد الذين أحبوا سجنهم ورضوا به وطنا.
ماادري عليمن جبناها اليوم في ظل الأوضاع الراهنة وتصريحات الزبابيك والذيول.