حسو هورمي
1: نقطة نظام
في العديد من المؤتمرات والجلسات النقاشية حول الإبادة الجماعية، خاصة في تونس ومصر والعراق وكردستان والإمارات العربية المتحدة، لاحظت أن معظم التعريفات الذاتية للمشاركين تركز على الهوية الدينية بشكل أساسي، وذلك مع كامل الاحترام والتقدير لجميع الآراء. أود التوقف عند مسألة منهجية بالغة الأهمية.
غير أن مناقشة جريمة الإبادة الجماعية، كونها جريمة تُرتكب على أساس الهوية، تتطلب منا حذراً بالغاً في كيفية طرحنا للهويات التي نعتبرها سنداً للضحايا. فالإبادة الجماعية ليست حكراً على دين أو قومية أو عرق بعينه؛ إنها جريمة مروعة يمكن أن تطال أي جماعة بشرية. وغالباً ما يستغل المرتكبون الانتماءات الدينية أو القومية أو العرقية أو اللغوية كذريعة لتبرير وحشيتهم.
يقدم لنا التاريخ الحديث سلسلة من الأمثلة الصارخة التي تؤكد هذه الحقيقة:
في العراق: ما ارتكبه نظام صدام حسين من إبادة ضد الأكراد المسلمين السنة (إبادة البارزانيين وفي حملات الأنفال وحلبجة) وضد الكورد الفيليين المسلمين الشيعة (1980 – 1988)، مع الإشارة إلى أن القرار بالإبادة صدر عن سلطة كانت تنتمي إلى الإسلام السني.
في رواندا: الجريمة التي وقعت عام 1994 بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، على الرغم من اشتراكهما في الدين المسيحي.
في البوسنة: إبادة مسلمي البوسنة على يد القوات الصربية المسيحية في سريبرينيتشا عام 1995.
في ميانمار: حملة الإبادة والتهجير المنظمة التي تعرض لها مسلمو الروهينغا عام 2017 على يد جماعات بوذية متطرفة.
في العراق وسوريا: ما تعرض له الإيزيديون على يد تنظيم داعش الإرهابي في سنجار عام 2014، وهو تنظيم ينتمي فكرياً إلى تيار متطرف ضمن الإسلام السني.
هذه النماذج لا تثبت فقط أن جميع الهويات معرضة لأن تكون ضحية، بل تؤكد أيضاً – وللأسف الشديد – أن أي هوية يمكن أن تُستغل لتكون شريكاً في الجريمة أو غطاءً لها.
وبالمقابل، فإن الدعم والمناصرة للضحايا لم يكن محصوراً أبداً في هوية واحدة. ففي معركة تحرير سنجار والموصل والمدن السورية، قاتل تنظيم داعشَ جنودٌ من خلفيات دينية وقومية متنوعة ضمن صفوف البيشمركة وقوات قسد الكردية والقوات العراقية، من عرب سنة وشيعة ومسيحيين وكاكائيين وصابئة وتركمان وشبك، دون أن تكون هوياتهم الدينية هي المحرك الوحيد، بل كانت الإنسانية والوطنية هي الدافع. كما لا يمكننا أن ننسى الدعم التاريخي الذي قدمته دول مثل فرنسا، بقيادة السيدة دانيال ميتران، للشعب الكردي في محنته عام 1988 و1991، دون أن تكون الهوية الدينية حاضرة في سياق هذا الدعم الإنساني.
من هنا، فإن مناصرة الضحايا والوقوف إلى جانبهم ليست مسألة عاطفة أو شفقة، بل هي واجب أخلاقي وإنساني وتاريخي. إنها قضية عدالة وكرامة إنسانية عالمية تتجاوز جميع الحدود.
وفي هذا الإطار، فإن قضية الإيزيديين هي تجسيد صارخ لهذه الحقيقة. فهي قضية إنسانية عادلة، ليست ملكاً للإيزيديين وحدهم، بل هي قضية كل أبناء كردستان والعراق، بل هي قضية إنسانية عالمية عابرة للحدود والهويات.
لقد واجه الإيزيديون، كأحد أبرز ضحايا الإبادة في عصرنا، تنظيم داعش منذ اليوم الأول عسكرياً ودبلوماسياً، واليوم لهم أصدقاء ومناصرون كثر من مختلف أديان العالم وهوياته، وهو دليل على أن نداء العدالة يتجاوز كل انتماء.
: 2الفرق بين الإرهاب والإبادة الجماعية
الفرق بين الإرهاب والإبادة الجماعية يكمن في المفهوم، الأهداف، والأساليب المستخدمة، إضافة إلى السياق الذي يحدث فيه كل منهما. وفيما يلي توضيح لكل منهما:
الإرهاب : (Terrorism)
المفهوم: الإرهاب يشير إلى استخدام العنف أو التهديد بالعنف لتحقيق أهداف سياسية، دينية، أو أيديولوجية.
الأهداف: الهدف الأساسي من الإرهاب هو خلق حالة من الخوف والترهيب بين مجموعة معينة أو عامة الناس، أو الضغط على الحكومات أو المنظمات لتحقيق مطالب محددة.
الأساليب: تشمل التفجيرات، عمليات الاختطاف، الاغتيالات، الهجمات على المدنيين أو البنية التحتية، وغيرها من الأفعال التي تسبب الذعر.
السياق: الإرهاب يمكن أن يكون محليًا أو دوليًا، ويشمل أفرادًا، جماعات، أو حتى دول تقوم بأعمال إرهابية.
الإبادة الجماعية (Genocide):
المفهوم: الإبادة الجماعية هي عملية منظمة تهدف إلى تدمير جماعة بشرية بالكامل أو جزء كبير منها على أساس عرقي، ديني، قومي، أو أي انتماء اجتماعي محدد.
الأهداف: الهدف الرئيسي هو القضاء على مجموعة معينة بشكل نهائي، وليس مجرد خلق الخوف أو تحقيق مكاسب سياسية فورية.
الأساليب: تشمل القتل الجماعي، الترحيل القسري، الحرمان من الموارد الأساسية، التسبب في ظروف معيشية قاسية، أو منع الولادات داخل الجماعة المستهدفة.
السياق: الإبادة الجماعية غالبًا ما تكون مرتبطة بصراعات كبيرة أو أنظمة قمعية تهدف إلى تغيير البنية الديمغرافية أو القضاء على جماعات معينة كجزء من استراتيجية سياسية.
أهم الفروقات:
أولاً: الإرهاب
الهدف: نشر الخوف لتحقيق هدف سياسي أو أيديولوجي.
الضحايا: عشوائيون دون تحديد هوية معينة.
المدى الزمني: عادةً قصير الأمد وموجّه لهدف معين.
الدوافع: سياسية، دينية، أيديولوجية.
ثانياً: الإبادة الجماعية
الهدف: تدمير جماعة بشرية بشكل كامل أو جزئي.
الضحايا: مجموعة محددة بناءً على هويتهم العرقية/الدينية.
المدى الزمني: طويل الأمد ومستمر لتحقيق إبادة ممنهجة.
الدوافع: تطهير عرقي، ديني، قومي.
ملاحظة: الأمثلة كثيرة، لكن لضيق الوقت لا أستطيع ذكرها.
القانون الدولي:
الإرهاب: مدان بموجب العديد من الاتفاقيات الدولية، لكنه قد يكون تعريفه مرنًا ويختلف بين الدول.
الإبادة الجماعية: تُعد جريمة دولية واضحة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمنع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وحسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.