المعارضة الكوردية: بين وهم الإصلاح وحقيقة الإسقاط

هيام حاجي احمد – باحثة سياسية في شؤون العراق وكوردستان

إن العلاقة بين الحكومة والمعارضة تمثل ركيزة أساسية لأي نظام سياسي. ففي الديمقراطيات المستقرة، تُعد المعارضة أداة إصلاحية تُسهم في مراقبة السلطة وتصحيح مسارها عندما تنحرف عن المصلحة العامة. فهي ليست وسيلة للهدم، بل قوة توازن تحفظ استمرارية الدولة وتحصّن مؤسساتها. أما في الأنظمة غير المستقرة، فكثيرًا ما تتحول المعارضة إلى أداة لزعزعة الاستقرار وتقويض المنجزات، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا في التجربة الكوردية: هل تسلك المعارضة طريق البناء أم طريق الهدم؟

في كوردستان، لم تتمكن المعارضة حتى الآن من تقديم بدائل عملية أو برامج إصلاحية مقنعة للشارع. فقد انشغلت باستهداف السلطة الحاكمة، حتى لو كان الثمن تقويض الإقليم ومؤسساته. وهذا النهج يتناقض مع التجارب الديمقراطية الراسخة في دول مثل بريطانيا وألمانيا، وكذلك في معظم الدول ذات التقاليد الديمقراطية، حيث تقوم المعارضة بدور الشريك في حماية الدولة لا أداة لهدمها. ومع ذلك، فإن تجاهل المعارضة أو الاستهانة بها قد يكون خطأً استراتيجيًا مكلفًا، كما تؤكد لنا دروس التاريخ.

تاريخيًا، يوضح المثال التركي خطورة الاستهانة بالمعارضة. فمنذ تأسيس الجمهورية عام 1923 وحتى عام 1950، هيمن حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك على الحكم. غير أن أول حزب معارض حقيقي انبثق من داخل البرلمان ذاته بقيادة جلال بايار وعدد من رفاقه. في البداية، لم يُؤخذ هذا التكتل على محمل الجد لكون جذوره تعود إلى الحزب الحاكم نفسه، لكنه سرعان ما استغل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد، وهي ذات الأزمات التي عانت منها تركيا قبل تأسيس الجمهورية الجديدة، ليقدّم نفسه كبديل. لم يكن هدف تلك المعارضة الإصلاح بقدر ما كان السعي إلى السلطة، وعندما تمكن الحزب الديمقراطي من الوصول إلى الحكم مارس أسوأ أشكال الدكتاتورية ضد الشعب، ولم يتردد في استخدام القمع في الداخل والدخول في مغامرات عسكرية خارجية. إن هذا الدرس التاريخي يوضح أن المعارضة الضعيفة قد تتحول إلى قوة مهيمنة إذا وُجدت بيئة حاضنة للأزمات، لكنها ليست بالضرورة قوة إصلاح، بل يُظهر التاريخ أنها قد تلجأ إلى أساليب أكثر صرامة وقسوة للسيطرة على المجتمع، مستغلة الأزمات بدل معالجتها.

أما في كوردستان، فإن الأمر أكثر خطورة، لأن الشعب الكوردي دفع أثمانًا باهظة عبر القرون: من حملات الأنفال، إلى مأساة حلبجة، إلى الهجرة المليونية. هذه التضحيات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل هي الأساس الذي يقوم عليه الكيان الكوردي اليوم. ومن غير المقبول أن تُلقى هذه التضحيات جانبًا أو تُستغل في صراع سياسي عقيم قد يقود إلى إضعاف التجربة بدل تحصينها.

إن مسؤولية الحكومة في هذه المرحلة لا تقتصر على الرد على المعارضة، بل على سحب ذرائعها عبر الإصلاح الحقيقي. ويأتي في المقدمة التركيز على فئة الشباب، كونها الأكثر فاعلية في المجتمع والأكثر عرضة لمحاولات الاستمالة من قبل المعارضة. ويتحقق ذلك من خلال برامج تنموية وتوظيفية طويلة الأمد، لا عبر منح مؤقتة سرعان ما تنتهي. كما أن محاربة الفساد بجدية، وتطبيق شعار “من أين لك هذا؟”، يعززان الثقة ويمنعان المعارضة من استغلال هذا الملف. ولا يقل عن ذلك أهميةً تطوير القطاعين الصحي والتربوي، وتعزيز العدالة عبر مؤسسات رقابية فعّالة تضمن رضا المواطنين.

إن نجاح التجربة الكوردية مرهون بقدرة الحكومة على الجمع بين إصلاحات جادة تُعزز ثقة المواطن بالسلطة، وبين كشف حقيقة المعارضة بوصفها قوة هدم لا بناء. حينها فقط يمكن للإقليم أن يصمد أمام التحديات الداخلية والخارجية، ويحافظ على منجزاته التي تحققت بدماء الشهداء وتضحيات الشعب، فلا تُلقى بجانب الحائط ولا تُستغل كأداة لتقويض الكيان.

قد يعجبك ايضا