محسن دزه يي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي الجزء الأول من كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

القسم السادس
وكان الـوعي القومي يومـذاك في أوجه, واتذكـر انه في يوم عيـد نوروزالعـام 1945 أحــتـفلنـا نحن الطلبــة بالمناسبة بحـجــة النزهة الى المنطقة القـريـبـة من دار مـتــصـرف (مـحـافـظ) أربيل وكـان المتصرف انذاك هوالمرحوم سـعـيــد قـزاز(١) وبعـد أن قــضـينا ســاعـات النهــار بالاحـتــفـال والرقص والغـناء عـدنا مـســاء ذلك اليـوم ومــررنا بجـانب دار المتصرف ونحن مـازلنا مسـتمـرين في الغناء على انغـام الطبل والمزمار وفـجأة مـر سعيـد قزاز بسيارتـه وحين شاهدنا أوقف السيارة وترجل منهـا حيث وقف بيننا وطلب منا الاستـمرار في الاحتفال والقـيام ببعض الدبكات الشعـبية فـقـمنا بادائهـا وأعطى مـبلغـاً من المال لعـازفي الطبل والمزمار حـيث كـان يعـزفهـما الفنان المبدع المرحوم حمـه سور وأحـد مـساعـديه وأبدى اعجـابه بفعـالياتنا ثم غادر المكان وعدنـا نحن الى المدينة وكان موقع الاحتـفال يومـذاك بعيـداً عن مـركز المدينة أمـا الان فقـد أصـبح ذلك الموقع في قلب المدينة نتيجة التوسع العمراني الذي شهدته خلال العقود الاخيرة..
تلك الظروف جعلت من كل كردي سـيــاسـيـاً بطـريقـة أو بأخــرى وكـان لاندلاع حـركــة بارزان مـجــدداً العـام1945 بعـــد أن نكـثت الحكومـــة العـــراقـــيــة وعـــودها ولـم تلب المطالب الكردية تأثيـراً كبيـراً في رفع الحمـاس والروح القومـية لدى الطلبـة وبعد انتــهــاء الحـــركــة وانســحــاب البــارزانـي ومن مــعــه من الثـــوار الى ايران واشتراكـهم في الدفاع عن جمهورية كـردستان في مهـاباد كنت قد نجحت من الصف الأول المتوسط الى الصف الثـاني وقـضـيـنا أيام العـام١٩٤٦ في تأييـد الجـمهـورية الفـتيـة
وفي العــام التـالـي 1946 أقـيم احــتـفــال رسـمي بمناسبة عـيــد نوروزة وبحضـور متصرف أربيل سـعيد قـزاز وشخصيـات ووجوه المدينة وجمـاهيرغـفيـرة من المحـتـفل وقـد أقيم الاحـتـفـال في السـاحة الكائـنة خلف بناية سـينمـا صـلاح الدين الحـاليـة وكـانـت تتـخـذ يومـذاك كـسـاحـة لكرة القـدم واقـامة الاسـتعـراضـات الرياضيـة لطلبـة الثانـوية وكان شـقيـقي الصـغيـرعـمـر فـي مـقـدمـة المغنيين في جـمـيع احــتـفـالات عـيــد نوروز انذاك وكنت عــضـوا فـي فـرقــة الدبكات الـشـعــبــيـة ومع انـني لم أكن أجــيـد الـدبكة الشـعـبيًـة ومـازلت الا انهم اخـتاروني عـضـواً في الفـرقـة المذكورة لسـبـب اولهما لكوني كنت أملك ازياء كردية لائقة وثانيهـما لاقناع شقيقي عمر بالغناء في الاحتـفال لأنه كان يتـمرد في اللحظات الأخـيرة وفي وقت كنا بأمس الحاجة الى غنائه!
وخـلال احـتـفـال عـيـد نوروز لعـام 1947 كـان سـعـيـد قـزاز قـد نقل من أربيل وحل محـله المتصرف جـمال عـمر نظمي(٢) والذي حضر الاحـتفال وقـد جــرى تحـشـيـد قــوي للاحـتـفــال بالمناسبة ولم يكن قـد مــضى على تأســيس الحــزب الديقــراطي الكردســتـانـي سـوى بضــعــة أشـهــر لذا كــان التنافس شــديداً مع الحـزب الشـيـوعي الـعـراقي لاسـتـغـلال مناســبـة عـيـد نوروز كل لصـالحــه رغم انه كـان قـد جـرى الاتفـاق على اقــامـة الاحـتـفـال بصــورة مــشـتــركــة بين الطرفين وكــان ذلك الاحــتــفـال من اكــبــر وأوسع الاحتفالات لكون كلا الحزبين قد عملا على جمع أكبر عدد من انصارهما للمشـاركة فـيه ولكون القائم عـلى الاحتفـال قد استـفادوا من التـجارب السـابقـة وأصـبحـت لديهم خـبرة وتجـربة اكـثـر من السـابق في هذا المجـال وشـاركت جـماهيـر غـفـيـرة من أهالي اربيل واطرافـهـا في ذلك الاحتـفـال وكـان صـوت المغني الأربيلي الشـهـيـر حـيدر عـبـد الرحـمن الملقب بـ(حـيـدركـچل) يدوي بين تلك الجـماهيـر وكـان قد سـبق له ان شـارك في احـتفـال العام الذي سبقه.
أمـا احتـفـال عـيد نوروز الـعام 1948 فـقـد صـادف موعـد اقـامتـه بعـد احـداِث وثبـة كـانون الـثـاني وكـانت الجـمـاهيـر مـتـحـمـسـة لـلمـشـاركـة في الاحـتـفـال لكن سـوء تصـرف بعض المندفع في السـيـاسـة واسـتـفـزازات بعض الشــيـوعيين أثارت حــفـيظة رجــال الدين في أربيل وفي مــقـدمــتـهما المرحوم الشـيخ مـحي الدين الشـيخ صـالح البـرزنجي الذي كـان شـخـصـيـة دينيـة واجتـمـاعيـة ذا مـركز مـرمـوق وفي هذا الصـدد ذكر لي فـيـما بعـد المرحوم علي فـتـاح دزه يي الذي كـان ضـمـن تنظيـمـات الحـزب الشـيـوعي انذاك انه ذهب مع آخرين للـقاء الشيخ مـحي الدين وجمع التبـرعات منه ونتـيجـة مـزاح اعتـيـادي من الشيخ مـعـهم (لأنه كـان يعرف عليـا مـعرفـة شــخـصــيــة اذ كـان صــديقــاً لوالده) أجــابه علي بكـثـيــر من الاســتـهــزاء والسخرية وبما لا يليق بـسن الشيخ ومكانته الدينية والاجتـماعية فأسـتفزه ذلك ورفض التبـرع وأعلن بأن المحتفل بعـيد نوروز قد خـرجوا عن طريق الدين علمـاً بأنه كان في العـام الذي سبـقه قـد حضـر الاحتـفال شـخصـياً وتبرع ببعض المبالغ لهذا الغرض.

وهكذا أعلن الشـيخ العداء للاحـتفال بعـيد نوروز وتشكلت جـبهـة قوية ضد الاحتفال بالمناسبة وتراجعت جماهير كثيرة عن تأييد اقامة الاحتفال وقد ذكر لي علي فـتاح دزه يي فيما بعـد أيضاً انه كان مخطئـاً حيث قام باســتــفـزاز الشــيخ في وقـت كـان الشــيخ علـى عـلاقــة جــيـدة مع جــمــيع الوطنيين وقد ظهرت هذه الحقيقة بعد قيام ثورة 14تموز 1958 اذ تبين بان الشـيخ كـان رجلاً قـومـيـاً يتـعاطف مـع الحركـة الكردية ويقـدم لهـا يد المساعدة وكـان على علاقـة طيبـة مع الزعـيم مصطفى البـارزاني رحمـهم الله جميعاً. تلك هي قصة الاحـتفال بعيد نوروز للعام 1948 والذي كان آخر احتـفال اقيم بصورة رسـمية في اربيل إذ لم يجرأ أحـد بعد ذلك على اقـامة الاحـتفـال بصـورة علنية الا بعـد مرور زهـاء سبـعة أعـوام على ذلك التاريخ.
أعود للاجابة على سؤالك فأقول بأن تلك الظروف جعلت من كل كردي سـيــاسـيـاً بطـريقـة أو بأخــرى وكـان لاندلاع حـركــة بارزان مـجــدداً العـام1945 بعـــد أن نكـثت الحكومـــة العـــراقـــيــة وعـــودها ولـم تلب المطالب الكردية تأثيـراً كبيـراً في رفع الحمـاس والروح القومـية لدى الطلبـة وبعد انتــهــاء الحـــركــة وانســحــاب البــارزانـي ومن مــعــه من الثـــوار الى ايران واشتراكـهم في الدفاع عن جمهورية كـردستان في مهـاباد كنت قد نجحت من الصف الأول المتوسط الى الصف الثـاني وقـضـيـنا أيام العـام١٩٤٦ في تأييـد الجـمهـورية الفـتيـة, وفي صـيف العـام نفسـه أعلن عن تأسـيس الحزب الديمقراطي الكردستاني وكنت أسوة بشـقيقي كاك احـمد من أشد المتحمسين والمؤيدين للحزب وقد لاحظت ان شقـيقي الاخر انوريميل الى الحزب الشيوعي وان اكـثر اصدقائه من طلبة الثانوية هـم من الشيوعي فلم يكن الأمر يدعو الى العجب..
نقلنا البارزانيين الى احـد الجوامع – اعتقـد انه كان جامع خـانقاه – وجلبنا لهم كـمــيـات وافــرة من المأكولات ثم بدأت الشــرطة بتـوزيعــهم على الـقـرى ولاقـوا مـعـاملة كـريمة جـدا من قبـل اهالي المنطقة وسكنت حـوالي خـمس وعـشـرون عــائلة في القـرى الثــلاث العـائدة لنا وسكن الاخــرون في قـرى اقاربنا وقد لقي هؤلاء الذين سكنوا قـرانا معاملة خاصة واحترامـا كبيرا وخـاصة من قـبل شـقيـقي كـاك احـمد الذي كـان يقـول لهم بأنه يوفـرً كافـةً مــايحـتــاجـونه ولا يـرضى بأن يراجـعــوا الاخــرين وكـان اقــاربنا القــريب وبتـأثيـر مـن عندنا يعـاملونهـم مـعـاملة مـتـمـيـزة وان بعـض الذين كـانوا اطفـالاً او صبـياناً في ذلك الوقت مـازالوا على قـيد الحـياة وانهم يذكـرون ذلك.
وسـارت الأمور بصـورة اعتـيادية حـتى العام 1947 حـيث كانت نهـاية جـمهـورية مهـاباد واستـشهـاد رئيسـهـا القاضي مـحمـد وعلى اثرها بدأت رحلة البـارزاني الى الاتحاد السـوفيتـي وأختلفت الاوضـاع فأصبـحت بين تأثيرين مختلفين لشقيقيّ حيث كان شقيقي الاكبر كاك احمد هو موجهنا وكـانت كلمتـه مطاعـة عندنا أمـا شقـيقي الاخـر انور القـريب مني والذي كنا نعـيش مـعاً ايام دراسـتنا فـانه كان دائم المحـاولة مـعي لتـأييد الحـزب الشيوعي وبسبب العاطفة الطلابية وخـاصة كون البارزاني قد التجأ الى الاتحــاد الســوفـيــتي فــقــد رأيت في الحــزب الشــيـوعـي الخـيــار الأفــضل وأصبـحت من المؤيدين لذلك الحـزب وبدت ديمقراطية شقـيقـي كاك احـمد جلية في هذا الصدد حيث بالرغم من انه كان شقيقنا الاكبر وبمثابة والدنا فـقـد كــان بامكانه الضــغط علينا للســيـر على نهـجــه لكنه تعـامـل مـعنا بمنتـهى الديمقـراطيـة وترك لنا حريـة التفكيـر والعـقـيدة ورغم انـه كان قـد تربى في بيـئة عـشائريـة ولم يحصل الا على قـدر يسيـر من التـعليم لكنه كان يؤمن بالديمقـراطية والحرية اكثـر من أي مثقف آخر وكـان يحاول في بعض الاحيـان وضع حد لتطرفنا لأنه كان يقـدر النتائج أكثـر منا ويخشى على مستقبلنا وهذا ما حصل مراراً.
وهكذا مـــرت الايام بعــد وثـبــة كــانون الثـــاني العــام 1948 فـكثــرت المظاهرات والمسيرات واصـبـحت مـن الامـور الاعـتـيـاديـة في ذلك الوقت ونظمت مظاهرة واحدة كل اسبوع بسبب جو الحرية الذي ساد العراق لأشهرقليلة بعـد تلك الوثبـة واذكـر المظاهرة الاخـيـرة التي قـامت في اربيل في الاسـبـوع الثـاني من شـهر مـايس (ايار) عـام 1948 قـبل اعـلان الاحكام العرفـية في 15 مايس 1948 اثر اعـلان الحرب الفلسطينيـة وقامت تلك المظاهرة بسـبب المجيء بمئات العـوائل البـارزانية مـخفـورين لتوزيعـهم في قــرى منطـقـة دزه يـي باربيل وكــان اكــثــر هؤلاء مـن الشــيــوخ والنســاء والاطفـــال وكـــانوا في وضع مـــزر من الجـــوع والفـــاقــة ونـظمت مظـاهرة احــتــجـاج على تـلك الاوضــاع وبعــد ان ســارت المظاهرة بـهم امــام ديوان المتصرفية (المحــافـظة) وفي شــوارع اربـيل وكــان مـن بين المتظاهرين المتحمسين (الشـيخ مـحـمـد مـحــمـد) المشهور بـ(شـيـخـه شــه ل) نقلنا البارزانيين الى احـد الجوامع – اعتقـد انه كان جامع خـانقاه – وجلبنا لهم كـمــيـات وافــرة من المأكولات ثم بدأت الشــرطة بتـوزيعــهم على الـقـرى ولاقـوا مـعـاملة كـريمة جـدا من قبـل اهالي المنطقة وسكنت حـوالي خـمس وعـشـرون عــائلة في القـرى الثــلاث العـائدة لنا وسكن الاخــرون في قـرى اقاربنا وقد لقي هؤلاء الذين سكنوا قـرانا معاملة خاصة واحترامـا كبيرا وخـاصة من قـبل شـقيـقي كـاك احـمد الذي كـان يقـول لهم بأنه يوفـرً كافـةً مــايحـتــاجـونه ولا يـرضى بأن يراجـعــوا الاخــرين وكـان اقــاربنا القــريب وبتـأثيـر مـن عندنا يعـاملونهـم مـعـاملة مـتـمـيـزة وان بعـض الذين كـانوا اطفـالاً او صبـياناً في ذلك الوقت مـازالوا على قـيد الحـياة وانهم يذكـرون ذلك.
وإثر احـداث وثبة كـانون الثانـي عام 1948 توفـر نوع من الحرية وقـ دشــاركت في هـذه المرحلة مع زمــلائـي الطلبــة في النـشــاطات والمسيرات والمظاهرات الـطلابيـة واتـذكـر انه في 27 كــانون الثــاني 1948 أي في يوم الوثبة نظمنا مظاهرة حاشدة وكان افراد الشرطة مستعدين للمواجهة معنا حيث كادت ان تؤدي الـى اراقة الدماء وكان شقيقي كـاك احمد قدبعث خـبـراً الى جمـيع أهالي قـريتنا ووفـر لهم سـيارات نقل خـاصـة وطلب منهم الحـضور الى مـدينة أربيل للأشـتراك في المظاهرة والدفـاع عنها وقـد حـضر هؤلاء وكـانوا مـسلحين بالمسدسات والخناجـر والعـصي تحـسبـا لكل طارئ وعنـد بدء المظاهرة توجــه افـــراد الشــرطة لـتــفــريـقــهــا وكـــان في مــقـدمــتــهم مــدير شــرطة اربيل جــمـيـل رشـيــد(٣) ورغم حـصــول بعض الاشـتـبــاكـات ووجـود الاوامـر لدى مـدير الـشـرطة لاتخـاذ مـايراه مـناسـبـاً ووجـود السـيـارات المسلحة بالرشـاشـات بأمـرته ورغم تعـرضـه شخـصـيـا بــعض الاهانات والاعــتـداءات من قــبل الطلبــة لكنه أمــتنع عن اصــدار الاوامـر بـفـتح النار علـى المتظاهرين وقــد سـمـعــتـه يقــول:»ان هؤلاء هم أبناؤنا ولايجـوز الحـاق الأذى بهم« حـقـاً كـان مـوقـفـاً مـشـرفـاً من الرجل رحـمه الله وقـد أنسـحب افراد الشـرطة تدريجـيا وسـارت المظاهرة حـسب الأصول دون اراقة الدماء ودون تسجيل حادث يذًكر..
لقـد كــانت هنالك اعـتــبـارات وحـســابات للنتـائـج المترتبة علـى اتخـاذ القـرارات انذاك وكـانت هنالك هيـبـة للـقانـون وبالرغم من مـآخـذنا على العــهـد الملكي واخطاء ذلك العــهـد الا انه كــان للانسـان شــأنه وللقــانون قـدسـيـته وكـانت هنـالك اعتـبـارات اخـلاقـيـة وفي هذا الصـدد أورد لك مثلا رغم انـي أبتـعــد بعض الـشيء عن مــوضـوع حــديثنا فــفي احــدى امـسـيًــات صـيف عـام 1956 أو عـام 1957 لـست مـتـأكـدا مـن تاريخـه بالضـبط وبينما كـنا جالس قـرب نافورة الماء في حديقـة نادي الموظفين بأربيل أنا والمرحوم محمد حـسن دزه يي نتناول العشاء اذا بالمدعو حسين ثابت الذي كنا نـسـمـيه (حسين ره شـه با) وكـان مـعـاونا للأمن (ضـابطا للأمن) انذاك يتـقدم نحـونا ويوجه كـلامه لنا بحـدة باللغةً التـركيـة (وكنا نجيد التحدث بها قليلا وقد أعتدنا الـتحدث معه بالتركية) قائًلاً:( كيف انكمــا تجلـسـان هنـا في وقت تم فيه القــاء القــبض على فــتــاة أربيليــة وأودعت رهن التوقيف?!) ولما هدأنا من غضبه أستفسرنا منه عن حقيقة الأمـر فـقـال ان اخـبـارية قــد وصلتـه بشـأن الفـتـاة (سـاكنـة سليـمـان) وانه عـرض الموضوع على حـاكم التــحـقـيق فـأمــر باجـراء التـحــري في دارها واثناء التـحـري تم العثـور على بعض المنشورات الشـيـوعيـة فـأمر الحـاكم بتـوقيـفهـا وأضـاف معـاون الأمن بقـوله انه منزعج كثـيـراً بسبب توقـيف فتاة لأسباب سياسية,وطلب منا العمل لأطلاق سراحها,وكان يعلم بأن حاكم التحقيق المذكور المرحوم عبد الرزاق العالم هو من أصدقائنا…
وعلى اثـر ذلك ذهبنـا أنا ومــحـــمــد حـــسن دزه يي في تـلك الليـلة الىسـجن الموقف وقـابلنا الـفتـاة الاربيـليـة الموقوفة وكان شـقـيـقـهـا الشـهـيـد مـوسى سليمـان من اصدقـائنا وطلبنا منهـا تقديم عريضـة (طلب خطي)موقعـة من قبلها ثم ذهبنا الى دار حاكـم التحقيق الذي أستـقبلنا بملابس النوم ووافق على اطلاق سراحـها في صباح اليوم التـالي بعد ذلك عدنا الى سـجن الموقف ثانيـة وكان حـسين ثابت مـوجـوداً هناك حـيث تم توفيـر مكان خـاص للفـتاة الموقوفة ثم أحضـرنا لهـا الفـراش اللازم وفي صبـاح اليوم التالي تم اطلاق سراحهـا.. هكذا كان الحال في العهد الملكي, وهذا هو الفـارق بين ذلك العـهد والعـهود الـتي تلته حـيث لم يعـد بامكان المرء حتى استلام جثة أحد أقاربه القتلى تحت التعذيب!!
أعـود الى موضـوع حديـثنا ففي خـريف العـام 1948 وبعد أن باشـرت بالـدراســـة بـعـــد انـتـــهــــاء عطلـة المدارس وكنـت انذاك فـي الصف الـرابع الثانوي فوجئت ذات يوم المرحوم عاصم الحيدري(٤) الذي كانت تربطنا به وباشـقـائه وافـراد أسـرته صلـة صداقـة وهـو يأخـذني جـانبـاً ويشـاورني ويخـبرني بأنني قـد قُـبلتُ عضـواً في الحزب الشـيـوعي وقد فـرحت بذلك فـرحـا شـديدا وشـعــرت بنوع من الزهو لكوني أصـبــحت عـضـوا في حـزب محظوًر في تًلك الظروف السياسية العصـيبة حيث كانت الاحكام العرفية مـعلنة فـأعـتــبـرت ذلك نوعـاً من الرجـولة وتم تنظـيـمي في احـدى خـلايا الحــزب وقـــمت بدوري بتـنظيم خـليــة اخــرى وهـكذا مــرت الايـام ونحن نمارس نشاطنا بصورة سرية..