الحدث الكوني العظيم ولادة الأرض من جديد ..

✍️ بقلم: نوري جاسم

في كل حقبة من حقب التاريخ، كانت هناك لحظات فاصلة، لحظات ينعطف فيها مسار البشرية، فتغادر مرحلة وتدخل أخرى. هذه اللحظات لا يصنعها البشر وحدهم، بل تحكمها سنن كونية، وإرادة إلهية عليا، تُعيد التوازن حين يطغى الفساد، وتفتح أبواب النور حين يشتد الظلام. واليوم، يقف العالم كله على أعتاب حدث كوني عظيم، لا يشبه ما عرفناه من أحداث، لأنه ليس تغييرًا محليًا أو إقليميًا، بل زلزالًا شاملًا يمسّ طبيعة الوجود الإنساني كله. ولقد بلغ الإنسان أقصى درجات غروره. اخترع التكنولوجيا، وغزا الفضاء، وفكك أسرار الذرّة، لكنه في المقابل خسر قلبه. عظمت قوته المادية، وضعفت روحه. توسعت المدن، وانهارت القيم. ارتفعت ناطحات السحاب، لكن النفوس هوت في قاع الأنانية والجشع. هذا الخلل العميق بين الروح والمادة لا يمكن أن يستمر طويلًا، فلكل انحراف ثمن، ولكل خلل تصحيح.

والحدث الكوني العظيم هو تصحيح لمسار البشرية. ليس انتقامًا ولا عبثًا، بل هو قانون كوني يعمل على إعادة التوازن. حين يطغى الظلم، لابد أن تنزل رحمة السماء. وحين يفسد الإنسان في الأرض، لابد أن تأتي لحظة تطهير. وهذه اللحظة ليست بعيدة، بل يوشك نورها أن يشرق من بين ركام هذا العالم المضطرب. وقد يتجلى الحدث في صور متعددة: وتحولات طبيعية كبرى، تغيّر وجه الأرض والمناخ والبحار، حتى يستفيق الإنسان من وهم السيطرة. وقد يكون شكل الحدث الكوني أزمات صحية وأوبئة، تهز كبرياءه وتجعله يدرك هشاشته. كما حصل في انتشار وباء كورونا، أو حروب وصراعات، تفضح زيف القوة وتدفع الأمم إلى البحث عن بديل قائم على السلام. أو تكون على شكل انهيارات اقتصادية واجتماعية، تكسر سلطان المال وتعيد الاعتبار للقيم الروحية والإنسانية.

لكن الأهم من كل ذلك أن هذا الحدث ليس مجرد وقائع خارجية، بل هو قبل كل شيء ثورة في وعي الإنسان. إنّه ولادة جديدة للبشرية، ولادة تُعيد الإنسان إلى فطرته السليمة الأولى، حيث يكون القلب ميزانًا، والضمير حاكمًا، والروح دليلًا. وفي الرؤية الروحية، يُفهم هذا الحدث على أنه فتح نوراني، لحظة يفيض فيها النور الإلهي على الأرض، فينير القلوب ويوقظ الأرواح. حينها يدرك الناس أن سرّ الحياة ليس في المال ولا في السلطة، بل في المحبة التي تجمع القلوب، وفي السلام الذي يروي الأرواح، وفي العدل الذي يقيم ميزان الأرض. ان الحدث الكوني العظيم هو غسل شامل للأرض من أدران الظلم. هو غربلة كبرى، يذهب فيها الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس. هو عبور من ليل طويل إلى فجر جديد. ليس نهاية العالم كما يتوهم البعض، بل بداية العالم الحق. وإذا كان كثير من الناس ينظرون إلى المستقبل بخوف، فإن العارف ينظر إليه برجاء. لأنه يدرك أن كل ما يحدث إنما هو إعداد لميلاد جديد، وتطهير يمهد لمرحلة أعظم. نعم، سيكون هناك ألم، كما يكون للولادة مخاض، لكن بعد الألم يولد الفرح، وبعد الليل يطلع النهار. وإنّ ما يلوح في الأفق ليس كارثة سوداء، بل وعد إلهي بصفحة بيضاء. صفحة يكتب فيها الإنسان تاريخه من جديد، بعيدًا عن الطغيان، قريبًا من الله. وفي هذه الصفحة سيكون للروح مقامها، وللقلب صوته، وللحب مجده.

علامات اقتراب الحدث الكوني العظيم
العارفون وأهل البصيرة لا ينظرون إلى هذا الحدث باعتباره مفاجأة مباغتة، بل يرون أن الكون يرسل إشارات، وأن التاريخ يمهّد له عبر علامات يمكن للقلب الصافي أن يقرأها. ومن أبرز هذه العلامات:

1. تفكك القيم وضعف الضمائر :
حين يتحول الإنسان إلى آلة مادية، ويُختزل وجوده في المال والاستهلاك، ويغيب صوت الضمير، وانتشار الحرام والمثلية والفساد والانحطاط الأخلاقي، وانتشار الربا، والكذب والظلم والنفاق والغش، وتفكك الأسر، والافنتخار بكل ما هو سيء ومشين الخ، فهذه إشارة أن الأرض بلغت مرحلة الخلل القصوى، واقتربت ساعة التوازن.

2. احتدام الظلم والدماء :
الحروب التي لا تنتهي، وصراعات الطغاة، وانتهاك كرامة الشعوب، كلها دلائل على أن البشرية وصلت إلى حدٍّ لا يمكن أن يُترك بلا تصحيح.

3. اضطراب الطبيعة :
التغيّرات المناخية، ذوبان الجليد، الفيضانات، الأعاصير، الزلازل، ليست مجرد حوادث طبيعية، بل نُذر تُعلن أن الكون يتألم، وأن الأرض تستعد لولادة جديدة.

4. الأوبئة والأمراض الغامضة :
حين تنتشر الأمراض التي تعجز البشرية عن السيطرة عليها بسهولة، فهذا تذكير بأن الإنسان ضعيف مهما بلغ علمه، وأنه بحاجة إلى العودة للرحمة الإلهية.

5. بحث القلوب عن الروح :
في مقابل الانهيار، هناك عطش عالمي للروحانية، وعودة ملحوظة للناس نحو التأمل، والبحث عن المعنى، واللجوء إلى التصوف والعرفان. وهذا من أوضح العلامات على اقتراب الفتح النوراني.

6. تسارع الزمن وتكثف الأحداث :
وكأن الأيام تختصر أعمارًا، وكأن التاريخ يركض نحو نقطة مفصلية. هذا التسارع في الأحداث إشارة أن العالم يتهيأ لانتقال كوني كبير.

الرسالة الجوهرية :
الحدث الكوني العظيم ليس رعبًا يُنتظر، بل بشارة. هو وعد بأن الأرض لن تُترك فريسة للظالمين، بل سيأتي يوم يُسترد فيه العدل. هو جرس إنذار لكي يعود الإنسان إلى قلبه قبل أن يُفاجَأ بالمصير. وإن الاستعداد لهذا الحدث لا يكون بالأسلحة ولا بالمال، بل بصفاء الروح. أن يكون قلبك بيتًا للنور، وأن يكون حبك جسرًا للسلام، وأن تكون إنسانيتك جواز عبور إلى الغد. فمن حمل هذه القيم سيشهد الفجر الجديد، ومن غرق في الظلم سيذوب مع ظلام الليل الراحل. إننا اليوم، أمام مشهد كوني عظيم، لن يغيّر وجه الأرض فقط، بل سيغيّر وجه الإنسان. ولئن كان التاريخ يكتب سطور نهاياته الآن، فإنه في الوقت نفسه يهيّئ أوراق بداياته. وبين النهاية والبداية، هناك لحظة مخاض، هي الحدث الكوني العظيم، الذي ستولد فيه الأرض من جديد.

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا