“
(( فكل صلته بالقضية أنهم وجدوا جثة القتيل على أعتاب داره في الوقت الذي كان هو نفسه غائبا عن الدار لفترة طويلة))
في العام 2025 صدرت الطبعة الاولى من مجموعة قصص قصيرة بعنوان ( أنثى في معبد وثني) للأديب والصحفي والإعلامي جليل ابراهيم المندلاوي، الذي اشتمل على عدة قصص بعناوين مختلفة اخترنا لكم منها العنوان الوارد في العنوان:
– ” رقصة مع الموت: أن تشقى النفس وتعيش تحت وطأة الألم من أجل التعايش معه، كذبة لا تنطوي إلا على الأذكياء… فالأغبياء لا يشعرون بالألم، بل ظنوا أنهم استطاعوا التغلب عليه.. لكن نفسه كانت تشقى لأن الألم قد تعايش معها دون إرادة منه، إذ لم يغمض له جفن طوال الأيام الأخيرة التي قضاها بين جدران أربع بمساحة ضيقة لا تكاد تسع جسده المنهار على أرض تلك الزنزانة التي قضى فيها شهورا عدة لم يعد يحص لها عددا .. فأيامها كانت هي كل ما تبقى من عمره.. بل وكأن الزنزانة تذكره بالمأوى الذي سينتقل اليه بعد حياة صاخبة قضاها بين حبائلها متأرجحا من حال الى حال حتى قذفت به الى غياهبها دونما سبب سوىلأنه وثق بهذه الحياة وسبّح باسمها لاهثا متلهفا لنعيمها ، فلم يَكُ يعلم أن ذلك النعيم سينتهي به الى الهاوية. تأمل السقف القذر الذي يجثم على جدران زنزانته وقد تناثرت بقع تشبه زيتا أسودا على سطحه المائل للون التراب وكأنها بقع دماء متخثرة بل هي دماء حقيقية، حتى إن نور ذلك المصباح الأصفر الذي يتوسط السقف لم يستطع إخفاء بشاعة المنظر، فكان يتساءل عن أصحاب هذه الدماء وهو متيقن بأنه لم يعد لهم نصيب في الحياة، كما هو بالضبط، فهاهو نصيبه يكاد ينفذ،فكيف له أن يغمض جفنيه وهو يعلم أن رقدة أخيرة تتربص به، فلم يجد بُدّاً من محاولة الاستمتاع بكل لحظة متبقية له ولربما ينجح في محاولته هذه فلا ضير طالما لم يكن له خيار آخر سواه، أو لعله يستطيع استرجاع بعض اللقطات والصور الضائعة بين طيات اكرته المرهقة لمواقف مرت في حياته التي هي على وشك الأفول والتي لطالما اعتقد إن بينها مواقفا مهمة حري به ألا ينساها، فلن يبق هناك شيء اسمه مستقبل إذا اضطررت العيش في ماض ليس بماضيك.. بل لن يكون هناكحاضر يتسع لوجودك طالما لا تشعر بقيمة كل لحظة مرت من حياتك.. فكل لحظة مضت هي صك إثبات على الوجود وبمجموعها تبتاع الذات ماض لمستقبلها… فحتى من يعتقد إنه يعيش لحظاته الأخيرة عليه إن يوقن بأن لهذه اللحظات مستقبلحتما هو ليس بمجهول، فالوقت يمضي بسرعة، وكل شيء حوله يمضي مسرعا حتى صور ذلك الماضي كانت تدور في ذهنه كشريط سينمائي باللونين الأسود والأبيض قد تم تصويره بكاميراصنعت قبل قرن من الزمان.. لم يتبق من وقته الكثير فها هو ذا مكبل أمام حبل غليظ يتدلى أمامه وهو يتأرجح يمينا وشمالا، وكأنه يرقص فرحا والاثنان ينتظران اللقاء بلهفة وهما يتأرجحان.. فهو ينتظر من يقوم بوضع حَلَقة ذلك الحبل اللعين حول عنقه.. والحبل المتدلي ينتظر من يشدّهُ حول تلك العنق البائسة ليكسرها ثم ليرتقي بروحصاحبها الى السماء بعد أن يرقصا سوية رقصة الموت.. لم يبق هناك سوى القليل من اللحظات والكثير من الذكريات، ليتوقف الزمن لديه حتى كأنه لا زمان مع هذا الكم الهائل من صور ماضيه بل حتى حاضره ومستقبله.. محاولا التخلص منشعوره باليأس الذي بدأ بالتسلل بين الصور ليمزقها.. لم يسبق له أن مرّ بمثل هذا الشعور الممتزج بطعم الحياة والموت معا، فقد كان متفائلا في حياته البسيطة، بل وفخور بماضيه، حيث لم يخطر بباله أن يقف متسمرا أمام مثل هكذا حبل لعين.. غير إن الكفة تميل دائما الى تصاريف القدر ثم سوء التقدير، فبعد أن كان يشعر بالحيوية ويتذوق الجانب اللذيذ من الحياة، أصبح يتجرع علقمها، ليتدلى دون ارادة منه نحو مستقبل وعينيه شاخصتان الى الماضي، مستسلما بخمول بعد أن توقف كل شي،حوله، فها هي لحظتهالأخيرة تكسر عقارب ساعته وتمزق أوراق الزمن وتخرس صرير أبواب الحياة بعد أن أغلقتها بوجهه حتى إنه لم يعد يسمع أي شي حوله ولا يرى أحد سوى ذلك الحبل فضلا عن أصوات مختلفة وكأنها تصدر من أعماقه لتضج في رأسه قبل أن يتدلى أخيرا على كتفه.. تأمل حلقة الحبلالمتدلي أمام ناظريه فبدت كأنها تحيط بثقب أسود سحيق من ثقوب السماء حتى بدت وكأنها آخر كوة له في هذه الحياة، فما عليه إلا أن يمر من خلالها لينتقل الى عالم جديد.. عالم يجهل عنه كل شيء، حاملا معه شريط ذكرياته الذي أضحى يدور أسرع فأسرع فيها عينيه عالقتان وسط تلك الحلقة، لكن هذه المرّة بدأت الصور ترتسم أمامه كأنما خيول تتسابق في حلبة مليئة بالوجوه فحسب، وجوه لا أجساد لها، فيما صور الطفولة، التي كان لها وقع حسن في نفسه بما حملته من مسرات ومآس إلا إنها في مجملها رسمت على شفتيه الذابلتين ابتسامة تاهت بين تعابير وجهه، فالابتسامة أبسط أمر في الحياة يمكن رسمه من تعابير الوجه، فهي لا تحتاج الى مجهود ولا تكلف الكثير، لكن أهميتها تكمن فب أنها تحمل بين طياتها الكثير من المعاني.. فأيام الطفولة تحمل أسرار شخصية الإنسان الحقيقية، حيث مراتعه الأولى التي ترسم ملامحها وتحدد هويتها.. أسرار تحفظها ولا تستطيع البوح بها حتى لمن تعتقد بأنه أقرب المقربين.. فقد انطوت حياته بجميع مراحلها على حفنة من الأسرار، في طفولته وصباه وشبابه وفي زنزانته أسرار كتلك التي يحملها معظم الناس ومنها ما كان ينطوي على الغموض حتى أضحت أسرارا يجهلها هو نفسه. هنالك الكثير من الوجوه التي أطلّت عليه من خلال حلقة ذلك الحبل، وعلى الرغم من إنه نَسِيَ أسماء الكثير أصحابها إلا إنه على يقين بأنه أو على الأقل مروا في مرحلة من مراحل حياته، مقابل ذلكفهنالك الكثير من الوجوه أيضا ما زال يحتفظ بأسماء أصحابها، وعن تفاصيل كثيرة من حياتهم التي تشاركوا فيها ردحا من الزمن.. فهذا وجه فاروق وذاك عباس ثم نائل وآيدن و آزاد.. وكأنهم يبتسمون له ويشيرون إليه بالتحية عبر ذلك الحبل.. كيف أصبح شكلهم الآن، لم يكن مهما بالنسبة له، فهو لا يتذكرهم إلا وهم في سني الطفولة حيث كانوا أترابه في مراتعه الأولى.. دوت في أعماقه ضحكة ساخرة من هذا الدهر العجيب،فضلا عن ذلك فهو يعرفهم، فها هو ذا يبعد سنينا طويلة عن ذلك النهار الذي كسر فيه ساقه ولم يعرف سرّ الغموض الذي اكتنف هذه الحادثة حتىوهو مدبر بعد لحظات الى عالم آخر، كان آنذاك في العاشرة من عمره، وربما التاسعة كان يلعب وأقرانه فوق إحدى التلال القريبة من قريتهم النائية حين دفعه أحدهم ليتدحرج الى أسفل التل وترتطم ساقيه الصغيرتين بصخرة مختبئة تحت الأحراش الكثيفة فلم تتحمل إحداهما الصدمة فانكسرت..سنوات طويلة مرت لم يكن خلالها محتما بمعرفه الفاعل ولا سبب تدحرجه من التل، كما لم يعرف تفسير الكثير من القضايا الغامضة التي مرّت عليه لكن حين لا يبقى في العمر بقية، تبرز رغبة جامحة في اكتشاف الأشياء الغامضة والخوض في المجهول قضايا أهم من ساقه التي كسرت، ليبحر ببصره حيث الثقب الأسود التي تطل منه الوجوه متأملا أن يقع بصره على أولئك. وجوه الحراس المساكين الذين قتلوا غدرا لعلهم يخبروه مَنْ الذيسرق المصرف القابع في زاوية أحد أكثر شوارع المدينة امتلاء برجال الأمن الذي كانوا يتناوبون على حراسته بعد أن تم تصویب رصاصات الموت نحوهم لتستقر في رؤوسهم وهم معصوبي الأعين ومشدودي الوثاق.. فمن الذي فجر ذلك السوقالممتلئ حتى أذنيه بأناس أبرياء لتتبعثر أشلاؤهم وتختلط حتى لم يمكن تمييز أشلاء طفل عن عجوز، أو رجل عن امرأة ؟؟.. مَنْ الذي فجر في ذلك الشارع؟؟. وتلك الأزقة ؟؟.. وقطع الطرقات على الآمنين وسلب وقتل ودمر.. مَنْ الذي سرق دواء المرضى ونهب مال اليتامى، وقطع قوت الفقير ؟؟ .. فطالما انتظر رفع الغموض عن كل تلك الحوادث وكشف كل أولئك المجرمين، لكنها لا زالت أسئلة يزداد شوقا لمعرفة أجوبة شافية لها وهو يعيش لحظته الأخيرة أمام هذا الحبل الحقيقي المتدليأمامه فما سواه لا يتعدى أن يكون وهما يدفعه للولوج برأسه طواعية ليبدأ رحلته الجديدة نحو عالم جديد متأملا لقاء من يجيب عن جميع ما يدور في خلده ويكشف غموض الأسرار والخفايا التي عاصرها في حياته.. توقف شريط ذكرياته فجأة وتجمدت جميع الصور على صورة الحبل المتدلي أمامه.. تساءل مع نفسه في دهشة عن سبب تأرجح الحبل حيث لا يوجد مصدر واحد ينفذ منه تيار هوائي في هذه القاعة المغلقة والتي لم يشعر فيها بنسمة هواء واحدة حتى تعرق جسده.. فلماذا يتأرجح ؟؟.. أهو يرقص فرحا بقربان جديدة أم أنه يرتجف حياء ؟؟.. وإن كان يرقص فلماذا يهتز فرحاوليس بينه وبين الحبل ثأر سابق حتى يسعى للانتقام منه، كما لم يكن بينه وبين ذوي القتيل الذين اتهموه ظلما بقتل ابنهم لم يكن هناك ثأر أو حتى سابق معرفة، فكل صلته بالقضية أنهم وجدوا جثة القتيل على أعتاب داره في الوقت الذي كان هو نفسه غائبا عن الدار لفترة طويلة.. فصرخ حتى بح صوته وعلا ضجيجه وهو يحاول اثبات براءته لكن دون جدوى، حتى لم يتبق له سوی هذه اللحظة التي يعيشها أمام حبل ظنه يرقص مثل أولئك القتلة الذين يرقصون فرحا فوق جثثضحاياهم، في حين كان يرتجف حياء من نفس أكرمها خالق وأذلها مخلوق.. سحب نفسا عميقا حين لامست وجهه نسمة هواء باردة انتعش علىأثرها وشعر بتحرره من قيوده حين داخل حلقة الحبل بل اختفى الحبل نفسه من أمام ناظريه،فالتفت الى الخلف ليرى الحبل وراءه ممددا كأفعى هامدة على الأرض التي كان يقف متسمرا عليها، فانطلق متأملا أن يجد حراس المصرف أو أحد ضحايا انفجار السوق أو لربما يكتشف من دفعه من قمة ذلك التل حتى كسرت إحدى ساقيه“.
