مهند الصالح
لا أحد يعلم على وجه التحديد متى صُنع أول “كرسي دوّار”، ولا من أول من خطر بباله أن يجعل الكراسي تتحرك تحت من يجلس عليها. لكن الثابت أن من اخترعه لا بد أن يكون داهيةً من الطراز الأول، لأنه صنع شيئًا لا يُدوّخ الجسد فحسب، بل العقول والقلوب كذلك.
الكرسي الدوّار – في رمزيته – ليس مجرد قطعة أثاث، بل هو رمز للمناصب والمواقع التي يتقلدها الناس. هو عرش صغير، يُغري بالبقاء عليه طويلًا، حتى يُنسي صاحبه أنه ليس خالدًا عليه. ما إن يعتليه الإنسان حتى يبدأ يرى الدنيا من فوق، فيتشوه المنظور لديه، وتغدو المجاملات حبًا، والمديح الصريح إخلاصًا، والنقد خيانة.
من يجلس على هذا الكرسي يرى وجوهًا مُبتسمة، وقلوبًا توهمه بالولاء، وأصواتًا تنشد مدحه وكأنها تراتيل قداسة. لكنه لا يدرك أن كثيرًا من هذه الوجوه مخفية تحت أقنعة، وأن الكلمات المعسولة ما هي إلا أوراق اعتماد مؤقتة، سرعان ما تُحرق فور مغادرته ذلك المقعد المتحرك.
يقول أحد المديرين المتقاعدين ذات مرة عندما سئل: كيف وجدت الدنيا بعد تركك المنصب؟ فأجاب بحكمة: “هي.. هي لم تتغير، لأنني لم أُصب بالدوار حينما اعتليت، فلم أُصب بالانكسار حينما هبطت.”
إنها الخلاصة الصادقة. من يصعد وهو واعٍ لحقيقة المناصب، لا يسقط بل ينزل واقفًا. أما من تملكه الغرور، فسقوطه يكون مدويًا، لأن “الكرسي الدوار” لا يدور فقط بالأجساد، بل يلف العقل حتى يفقد بوصلته.
كم من مسؤول لم يتعلم من مشاهد السقوط التي تكررت أمامه، وأصر على أن يُعيد نفس التجربة، وكأن التجارب وُجدت لتُنسى لا لتُعلِّم!
فليت من يعتلي المناصب يعلم أن المسؤولية شرفٌ لا جاه، وأنها أمانة لا غنيمة. الكراسي لا تدوم، والتاريخ لا يرحم. والسيرة الحسنة وحدها ما يبقى حين تُطوى صفحة الوظيفة. كما قال الشاعر:
دقـــــاتُ قلـــــــبِ المرءِ قائلةٌ لهُ
إن الحياةَ دقائقٌ وثــــــــــوانِ
فأرفعْ لنفسكَ بعدَ موتكَ ذِكرَها
فالذِّكرُ للإنسانِ عمرٌ ثـــانِ
هنيئًا لمن أدرك هذه الحقيقة مبكرًا، وعاش في منصبه خادمًا لا متسلطًا، مُصلحًا لا مُنتفعًا، فاستحق الذكر الجميل، والدعاء الخالص من القلوب التي خدمها بحق.
تذكر دومًا:
“وُجدت المناصب لتساعدنا على لذة العطاء.. فريح ضميرك، وتجهز للرحيل