الدكتورة : مريم كاظم هادي
ينظر الإسلام إلى المرأة على أنها عنصر فاعل في الحياة, ولها ذات القيمة التي للرجل بل إن قيمتها مستمدة من قيامها على مقصد وجود الإنسان ذاته في الحياة، ويرتقي كل من الرجل والمرأة بمقدار ما يتمتع به من التقوى والقيم السامية والمثل العليا .
وقد أساء بعض الناس فهم موقف الإسلام من بعض قضايا المرأة، ونسبوا إليه ما ليس فيه وقد حدث هذا الخلط في التعاطي مع دراسات المرأة من الجانب الديني لأسباب عديدة بعضها كان في جانب الغلو والإفراط ، والبعض الآخر كان في جانب التفريط والابتذال .
و موقف الإسلام من القضايا المتعلقة بالمرأة والتي حصل فيها اللبس والخلط ، وتحاول تحقيق الموقف الشرعي الصحيح القائم على الأدلة الشرعية المقبولة بعيداً عن المواقف العاطفية والتقليدية المتأثرة بضغط العادات المجتمعية الموروثة، وبعيداً أيضاً عن التأثر بموجات التغريب التي تجد لها سوقاً رائجةً في أوقات الشعور بالنقص والانهزام النفسي والروحي
سأوضح في مقالتي المفاهيم والأفكار المشوهة والمغلوطة تجاه المرأة والتي تنتشر في بعض الأوساط العامة في المجتمع وموقف الاستشراق منها .
الخلط في تناول موقف الإسلام من قضايا المرأة نتج عن عدد من الأسبـاب ، ومن أهمها : –
الجهل بالإسلام : سواءً كان هذا الجهل من بعض المسلمين أو من الدارسين والكتاب غير المسلمين، وينشأ الجهل بين المسلمين بحقائق دينهم نتيجة الإقبال على العلوم المادية وإهمال العلم الشرعي الذي هو واجب على كل مسلم، ورواج فكرة أن علم الدين خاص بالعلماء فقط ، ويأتي جهل غير المسلمين بالإسلام نتيجة استقائهم نظرتهم عن الإسلام من غير مظانها الموثوقة .
التأثر بالفكر الغربي : حيث عانى كثير من المسلمين في هذا العصر من آثار الانهزام النفسي، الذي سببته الفجوة الحضارية بين العالم الغربي والعالم الإسلامي اليوم ، فتقبلوا الفكر والثقافة الغربية دون تردد، وبدأت بعض العقول المنهزمة أمام الفكر الغربي تتلقف رؤية هذا الفكر لمواقف الإسلام من المرأة، فأساءوا فهم الإسلام تبعاً لإساءة الغرب فهمه له .
الغلو في الدين : قد يظن بعض المسلمين الغيورين على دينهم، أن المبالغة في التورع، والتشدد في الدين، سبب للتقرب من الله، والفوز برضوانه، فيفهمون مواقف الإسلام من المرأة تبعاً لمواقفهم المتشددة، ويسقطون هذا الفهم على النصوص الشرعية .
أثر الدراسات الاستشراقية : أن موقف الاستشراق من المرأة المسلمة نابع من وقوعه ً تحت تأثير وضع المرأة الغربية أنها أنموذج يجب أن يحتذى به وأن ما حققته من مساواة – في نظرهم -وحقوق يجب أن يتسع ليشمل المرأة المسلمة والمرأة الشرقية عامةً، ويضيف خليفة بأن الاستشراق يسعى إلى تقويض وضع المرأة المسلمة داخل الأسرة ، و يحضها على التمرد على النظام ، والخروج باسم الحرية، و يسعى إلى تصوير وضع المرأة المسلمة تصويرا مزيفا لا يعكس الحقيقة.
وقد أنشئت رابطة دراسات المرأة في الشرق الأوسط ضمن تنظيم رابطة دراسات الشرق الأوسط الأمريكية، وهي التي تهتم بأوضاع المرأة المسلمة، وتشجع اتجاهات التغريب من خلال مجلتها ربع السنوية، واجتماعاتها في إطار المؤتمر السنوي لرابطة دراسات الشرق الأوسط، وذلك بدعوة الباحثات المسلمات اللاتي يتبنين الأفكار الغربية، ومن خلال تنظيم الندوات حول وضع المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية .
ويقوم الاستشراق الإعلامي بدور بارز في ترويج الفكر الغربي في مجال المرأة ، ومن ذلك الصحافة الغربية والإذاعات الموجهة.
وإن الموضوعية الإعلامية في عرض وجهات النظر تقتضي أن تقدم من يتناول وجهة النظر الأخرى .
وقد حقق الاستشراق نجاحاً كبيراً في التأثير في الحياة الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي فبعد أن كان القرآن الكريم والسنة المطهرة وتراث علماء الأمة الذين فهموا هذين المصدرين فهما جيدا منارة يسترشد بها المسلمون في فهمهم للحياة، وعاش المسلمون على هدي من هذه المصادر في جميع مجالات الحياة، أصبحت المصادر الغربية تدخل في التكوين الفكري والثقافي لهذه الأمة ، سواء أكان في نظرتها لكتاب ربها سبحانه وتعالى ولسنة نبيها أو للفقه و العلوم الشريعة الأخرى ، أو في منهجية فهم هذه المصادر ومنهجية التعامل معها كما أثر الفكر الغربي في مجالات الفكرية الأخرى؛ كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيره من العلوم .
وقد استطاع الاستشراق تحقيق هذا النجاح بما توفر له من السيطرة على منابر الرأي في العالم الإسلامي ، فقد أنشأ الغرب العديد من المدارس في العالم الإسلامي، كما أن العديد من أبناء الأمة الإسلامية تلقوا تعليمهم على أيدي المستشرقين في الجامعات الغربية، ولما كانت بعض البلاد العربية والإسلامية خاضعة للاحتلال الأجنبي فقد مُكّن لهؤلاء الذين تعلموا في مدارسه، و تبوأوا أعلى المناصب القيادية في مجالات الحياة المختلفة .