بين مشروع قومي راسخ و تحالفات مأجورة .

شــــريف علي

تعيش الساحة الكوردية في جنوب كوردستان لحظة سياسية تتجاوز حدود الجدل اليومي، لحظة تكشف عمق التباين بين مشروع قومي تحرري ترسخ بتضحيات مئات الآلاف من الشعب الكوردي وعلى نهج مدرسة البارزاني الخالد، وبين قوى اعتادت التموضع خارج هذا المشروع ،بل وبالضد منه ، حتى باتت في محطات عديدة أقرب إلى الأنظمة التي سلبت الشعب الكوردي حقوقه عبر عقود طويلة.
فالتحالف الراهن لبعض القوى الكوردية المناوئة لحكومة الإقليم لا يمكن قراءته كحدث طارئ أو رد فعل ظرفي. إنه تحالف يمثل امتداد لمسار تاريخي طويل من الانحياز إلى مراكز السلطة الغاصبة، ومسار متواصل من التصدي للمشروع القومي الكوردي الذي حملته الحركة التحررية الكوردية في أجزاء كوردستان الأربعة .
إذ منذ ستينيات القرن الماضي، ظهرت تيارات كوردية اختارت التعامل مع الحكومات المركزية الغاصبة لكوردستان بحثا عن مكاسب حزبية أو حماية وجود سياسي محدود، بدل الانخراط في مشروع قومي جامع يضع مصلحة الشعب الكوردستاني فوق الحسابات التنظيمية الضيقة.
ففي الوقت الذي كان فيه البارزاني الخالد يؤسس نهجا تحرريًا قائما على وحدة الصف، كانت تلك القوى تتنقل بين المواقف، تارة مع الثورة وتارة ضدها، ما جعلها في نظر الجماهير جزءا من أدوات الضغط على الحركة القومية الكوردية . وقد تكرر هذا التموضع في محطات مفصلية :
في ثورة أيلول وهي في أوج إنتصاراتها ،في ثورة كولان ، في أعقاب انتفاضة 1991، ومرحلة ما بعد سقوط النظام العراقي عام 2003، والحرب على داعش، ومؤامرة أكتوبر 2017، وصولًا إلى اللحظة الراهنة التي تعيد إنتاج ذات الاصطفاف القديم بأدوات جديدة وبأهداف تدميرية قد تفوق سابقاتها .
إن التحالف الحالي لقوى كوردية مع أخرى مصنفة على لائحة الارهاب ضد حكومة الإقليم وأنجازاتها على مختلف الاصعدة ،يستثمر الأزمات الاقتصادية والإدارية المفتعلة بقرارات ارتجالية من المركز ليقدم نفسه كبديل سياسي، رغم افتقاره إلى أية رؤية قومية أو مشروع إصلاحي قابل للتطبيق .
خطابه يقوم على النقد وحده، دون تقديم تصور استراتيجي لمستقبل كوردستان أو لبنية الحكم التي يدعي السعي إلى إصلاحها. وعلى المستوى الإقليمي، يرتبط بعض أطراف هذا التحالف بمحاور ترى في قوة إقليم كوردستان تهديدا مباشرا لمصالحها وحتى لوجودها ، ما يجعل مواقفه جزءا من صراع إقليمي أكبر، يتقاطع في كثير من الأحيان مع سياسات بغداد في ملفات النفط والميزانية والمناطق المتنازع عليها. أما جماهيريا، فإن حضور هذه القوى يبقى محدودًا، يعتمد على الضجيج الإعلامي أكثر من العمل التنظيمي – وهو ما أكدته نتائج الإنتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق عموما – ويسعى إلى صناعة شرعية سياسية بديلة لا تستند إلى تاريخ نضالي أو إنجازات وطنية . في المقابل، يواصل المشروع القومي الكوردي بقيادة الرئيس مسعود بارزاني ، نهج يقوم على تحرير الأرض عبر دعم قوات البيشمركة وتوحيدها كقوة كوردية مؤهلة لحماية حدود الإقليم، ومكتسبات الشعب الكوردي ،وعلى بناء المؤسسات وترسيخ الحكم الفيدرالي وتطوير الإدارة، وعلى حماية الهوية القومية والدفاع عن اللغة والثقافة والحقوق التاريخية، إضافة إلى الانفتاح الدولي الذي جعل الإقليم نموذجا وعاملا للاستقرار في منطقة مضطربة. هذا الثبات في الرؤية هو ما يفسر محاولات القوى المناوئة تقويضه، وهو ما يجعل الحفاظ عليه مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية .
إن تكرار الاصطفاف المناوئ للمشروع القومي الكوردي يمكن تفسيره بغياب البنية التنظيمية والحاصنة الجماهيرية الكوردستانية لدى تلك القوى، واعتمادها على داعمين خارجيين، وعدم امتلاكها مشروعا قوميا واضحا، وسعيها الدائم إلى خلق دور سياسي مفقود عبر مهاجمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي يمتلك الشرعية التاريخية والجماهيرية . لذلك، فإن التحالفات الراهنة ليست سوى فصل جديد من مسار طويل من الانحياز إلى الأنظمة الغاصبة والتمرد على الشرعية الكوردية ، ومسار متواصل من التصدي للمشروع الذي أثبت قدرته على حماية كوردستان أرضا وشعبا وبناء مؤسساتها .
وفي المحصلة، تكشف التحالفات المتحركة الراهنة عن أزمة رؤية أكثر مما تكشف عن قوة سياسية، فهي تعيد إنتاج مسار قديم من الارتهان للآخرين بدل الارتكاز إلى مشروع قومي واضح المعالم. وفي المقابل، يظل المشروع الذي يقوده اليوم الرئيس مسعود بارزاني، هو المسار الأكثر ثباتا وقدرة على حماية كوردستان وصون مكتسباتها في وجه التحولات والضغوط .
إن الدفاع عن هذا المشروع ليس خيارا سياسيا عابرا، بل مسؤولية قومية تتقدم على كل الاصطفافات، وتضع مستقبل كوردستان فوق الحسابات الضيقة ، لتبقى إرادة شعبها هي البوصلة التي لا تنحرف مهما تبدلت التحالفات أو تعددت محاولات التشويش .

قد يعجبك ايضا