النفط… صراع القرن وحتمية إعادة رسم الشرق الأوسط ودور كوردستان في العاصفة القادمة

هيام حاجي احمد

منذ أن تدفقت أولى قطرات الذهب الأسود من باطن الشرق الأوسط، تحولت المنطقة إلى قلب الصراع بين القوى الكبرى، حيث تشكلت التحالفات، وشُنت الحروب، وأعيدت صياغة خرائط النفوذ على أساس الطاقة. واليوم، ومع تسارع التحولات الجيوسياسية، يقف إقليم كوردستان أمام مرحلة جديدة تُرسم فيها الحدود ليس بأقلام المستعمرين كما في “سايكس–بيكو” قبل قرن، بل بخطوط الأنابيب، وعقود الطاقة، والتحالفات الأمنية العابرة للقارات.

الولايات المتحدة، التي ورثت النفوذ النفطي عن بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ما زالت ترى أن بقاء ملف الطاقة العراقي موحدًا تحت إدارة بغداد، مع انفتاح محسوب على استثمارات كوردستان، هو الصيغة الأمثل لضمان استقرار نسبي يحافظ على تدفق الإمدادات ويغلق الباب أمام أي تمدد روسي أو صيني. في المقابل، تعمل موسكو على اختراق جدار النفوذ الأمريكي عبر مشاريع الطاقة والتحالفات الإقليمية، مدعومة بشراكات مع إيران وسوريا وانفتاح واسع على الصين. أما بكين، فترى في الشرق الأوسط حلقة أساسية في مبادرة “الحزام والطريق”، بما يجعل العراق وكوردستان محورًا مهمًا في تأمين ممرات طاقة تربط آسيا بأوروبا.

من منظور بغداد، لا يُعد نفط الإقليم مجرد مورد مالي، بل ورقة قوة استراتيجية. فالإقليم يقع على ممرات يمكن أن تمنحه نفوذًا إقليميًا ودوليًا إذا احتفظ بحرية تصدير موارده وإبرام عقود مباشرة مع الشركات والدول. هذا النفوذ، إذا ترسخ، قد يجعل كوردستان ليس فقط شريكًا في العراق، بل لاعبًا إقليميًا مستقل التأثير، وهو ما يُنظر إليه في بغداد كتهديد لمركزية السلطة الفيدرالية.

ورغم ذلك، فإن الأساس الدستوري والقانوني لموقف الإقليم واضح؛ فالمادة 112 من الدستور العراقي تنص على أن إدارة النفط والغاز تتم من قبل الحكومة الاتحادية بالتعاون مع الأقاليم والمحافظات المنتجة، بما يضمن توزيعًا عادلًا للعائدات. والأهم أن هناك اتفاقًا رسميًا وُقع عام 2007 بين حكومة إقليم كوردستان وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة نوري المالكي، نص على أنه إذا لم يُقر قانون النفط والغاز الاتحادي في البرلمان بحلول أيار من ذلك العام، يحق للإقليم التعاقد مع الشركات وتطوير موارده وفق قانونه المحلي. وبما أن القانون لم يُقر حتى اليوم، فإن تحركات الإقليم ليست فقط ذات شرعية سياسية، بل أيضًا قانونية، كما أقرّ الرئيس الراحل جلال طالباني في حينه.

وفي قلب هذا المشهد، أدركت الحكومة العراقية ومعها أطراف إقليمية ودولية – خطورة امتلاك الإقليم لهذه الورقة، فلجأت بعض الأطراف في بغداد إلى استخدام ورقة الرواتب كأداة ضغط استراتيجية على حكومة إقليم كوردستان، بهدف انتزاع ملف النفط من يدها. لم يكن هذا الإجراء ماليًا بحتًا، بل جزءًا من خطة مدروسة لإشعال السخط الشعبي في الشارع الكوردي، عبر حرمان الموظفين من مستحقاتهم وربط الأزمة بخطاب إعلامي يحمّل أربيل المسؤولية. الأخطر أن بعض قوى المعارضة الكوردية، بوعي أو بغير وعي، تحولت إلى أداة مساندة لهذه السياسة، حيث تبنت خطاب بغداد وروّجت له داخليًا، مما منح الحكومة الفيدرالية غطاءً سياسيًا وإعلاميًا لمواصلة الضغط. وقد أثبتت هذه الخطوة فاعليتها في إضعاف الجبهة الداخلية للإقليم، لكنها في الوقت نفسه زرعت بذور أزمة سياسية عميقة سيكون من الصعب تصحيح آثارها لاحقًا، وسيكتشف الجميع – وإن بعد فوات الأوان – أن ثمنها كان أكبر بكثير من أي مكسب سياسي أو انتخابي قصير المدى.

إن محاولات دفع كوردستان للتنازل عن ملف النفط ليست مجرد نزاع إداري على الصلاحيات، بل هي معركة وجودية على مستقبل القرار الكوردي. التخلي عن هذه الورقة يعني فقدان أهم أدوات الدفاع عن المكانة والحقوق في عراقٍ تتغير فيه موازين القوة مع كل أزمة. النفط بالنسبة للإقليم ليس مجرد مصدر تمويل، بل عنصر أساسي في أمنه القومي واستقلالية قراره.

التاريخ يعلّمنا أن الفرص لا تُمنح، بل تُنتزع بالقوة والحنكة قبل أن يضع الآخرون قواعد اللعبة. وإذا كان “سايكس–بيكو” الأول قد أعاد رسم حدود المنطقة بخطوط استعمارية، فإن “سايكس–بيكو” القادم سيرسمه ميزان القوى على الأرض، حيث تحدد خطوط الأنابيب ومسارات التجارة مواقع النفوذ.

لذلك، فإن أمام حكومة إقليم كوردستان مسؤولية صياغة رؤية استراتيجية للسنوات القادمة، تقوم على تطوير البنية التحتية النفطية والغازية ومد خطوط التصدير نحو تركيا وأوروبا والخليج، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وأنقرة وموسكو وطهران وبكين، وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية لحماية هذه الموارد. فالتحكم بخطوط الإمداد سيظل العامل الحاسم في تقرير موقع الإقليم على خريطة القوة الإقليمية والدولية.

وكوردستان اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن تمسك بزمام المبادرة وتصنع مكانتها في قلب العاصفة القادمة، أو تترك مستقبلها رهينة قرارات تُتخذ في عواصم بعيدة.

قد يعجبك ايضا