د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان
لا ينظر إلى الفساد في كثير من السياقات السياسية على أنه مجرد انحراف فردي أو خلل إداري يمكن معالجته بحملات موسمية أو إجراءات قانونية محدودة، بل يفهم بوصفه بنية متكاملة تعيد إنتاج نفسها عبر منظومة من العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ وفي الأنظمة التي تمتزج فيها السلطة السياسية باستغلال الخطاب الديني، تتشكل آليات تمنح الفساد قدرة استثنائية على الاستمرار، إذ يصبح محميا بشرعية سياسية قائمة على الولاء، وشرعية دينية مصطنعة تستخدم لتبرير السلطة وإضفاء هالة من القداسة عليها، فيتحول من مجرد جرائم مالية أو إدارية إلى نظام حكم يمتلك مناعة ذاتية ضد الإصلاح.
وتتمثل الركيزة الأولى لهذه المنظومة في التبعية السياسية، حيث تتحول الدولة من مؤسسة قانونية يفترض أن تحكمها القواعد الدستورية إلى شبكة من الولاءات الشخصية أو الحزبية أو الطائفية، يصبح فيها الولاء للقائد أو الحزب معيارا للتعيين والترقية والحماية، بينما تتراجع الكفاءة والنزاهة إلى مرتبة ثانوية، وفي مثل هذا البناء تتحول المناصب العامة والثروة الوطنية إلى أدوات لإدارة الولاءات السياسية، فتفقد المؤسسات الرقابية والقضائية والإعلامية استقلالها، وتصبح وظيفتها حماية مراكز النفوذ بدلا من مساءلتها.
وعندما تطرح قضية مكافحة الفساد في ظل هذه البنية، يعاد تفسيرها باعتبارها صراعا سياسيا أو محاولة لإضعاف القيادة، فتقتصر الإجراءات غالبا على محاسبة مسؤولين صغار أو وسطاء أو حتى بعض الوجه العشائرية اعضاء البرلمان واعضاء اللجان والمدراء، بينما تبقى مراكز القرار العليا بمنأى عن المساءلة، لتتحول مكافحة الفساد إلى أداة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل السلطة أكثر من كونها مشروعا وطنيا لإصلاح الدولة.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في التوظيف السياسي للدين، وهو يختلف عن الدين بوصفه منظومة أخلاقية وروحية تدعو إلى العدل والأمانة والمساءلة؛ فالمشكلة لا تكمن في الدين، وإنما في استغلال الخطاب الديني لإضفاء شرعية على السلطة السياسية، عبر تقديم طاعة الحاكم باعتبارها واجبا مطلقا، وتصوير النقد والمساءلة بوصفهما خروجا على الجماعة أو تهديدا للاستقرار؛ فالأديان، في جوهرها، تقوم على قيم العدل والأمانة ومحاسبة الظالم، غير أن توظيفها سياسيا قد يحولها إلى أداة لإنتاج الشرعية وحماية السلطة، بعيدا عن رسالتها الأخلاقية الأصلية.
ويتجلى هذا التوظيف في إنتاج خطاب ديني يربط استقرار الدولة ببقاء السلطة القائمة، ويحرم الاحتجاج على الفساد بذريعة المحافظة على وحدة المجتمع، كما يستخدم المال العام أحيانا في مشاريع دينية أو إعلامية تمنح السلطة رصيدا رمزيا يغطي على مظاهر الهدر وسوء الإدارة، فتتحول الرمزية الدينية إلى وسيلة لحماية النفوذ السياسي بدلا من أن تكون أداة لترسيخ قيم العدالة والشفافية.
وهكذا لا يصبح التحقيق في ملفات الفساد مجرد مساءلة قانونية، بل يقدم أحيانا على أنه استهداف للدين أو للمقدسات، مما يخلق انقساما مجتمعيا يعرقل جهود الإصلاح، ويمنح الفاسدين غطاء أخلاقيا لا يستحقونه، بينما تتحول بعض المؤسسات الدينية، بقصد أو بغير قصد، إلى جزء من منظومة إنتاج الشرعية للسلطة، بدلا من أن تؤدي دورها الأخلاقي في مراقبة الحاكم والدفاع عن العدالة.
وعندما تتكامل التبعية السياسية مع التوظيف السياسي للدين، تتكون منظومة مغلقة يصعب اختراقها؛ فالأولى تضعف الإرادة السياسية اللازمة للإصلاح لأنها تجعل حماية الولاءات أولوية على حماية القانون، بينما تمنح الثانية غطاء رمزيا وأخلاقيا لهذه الولاءات، فتغدو مساءلتها أمرا شديد الحساسية؛ وفي ظل هذا التفاعل تضعف استقلالية القضاء، وتفقد هيئات الرقابة والإعلام قدرتها على أداء وظائفها، كما تتسع ثقافة الاعتماد على الواسطة والحماية الشخصية بدلا من الاحتكام إلى القانون.
ولا تعمل هذه العوامل بصورة منفصلة، بل تتفاعل ضمن دورة متكاملة لإعادة إنتاج الفساد؛ إذ توفر السلطة الحماية السياسية، ويمنحها التوظيف السياسي للدين غطاء رمزيا، وتؤمن المصالح الاقتصادية الموارد اللازمة لاستمرارها، بينما تعيد التنشئة الاجتماعية إنتاج ثقافة القبول بها، فتتشكل منظومة يصعب تفكيكها عبر الإجراءات القانونية وحدها.
ولا تستمر منظومة الفساد بفعل الولاءات السياسية والشرعية الدينية وحدهما، بل تتغذى أيضا على شبكة من المصالح الاقتصادية التي تربط بعض مراكز النفوذ برجال أعمال ومقاولين ومستفيدين من غياب الشفافية وضعف الرقابة؛ وعندئذ لا يصبح الفساد مجرد انحراف إداري، بل يتحول إلى اقتصاد مواز تتشابك فيه المصالح السياسية والاقتصادية، بحيث ينظر إلى أي مشروع إصلاحي حقيقي بوصفه تهديدا مباشرا لمصالح راسخة، الأمر الذي يزيد من مقاومة التغيير ويعقد مسارات الإصلاح.
ولا تكتمل هذه المنظومة بمجرد تماسك مؤسسات السلطة وتخادم المصالح، بل تحتاج أيضا إلى إعادة إنتاج نفسها داخل المجتمع؛ إذ يربى الأفراد منذ الصغر عبر التنشئة الاجتماعية والثقافة العامة على قبول الوساطة، والخضوع للزعيم، وربط الحقوق بالولاءات الشخصية؛ وبذلك يتحول الفساد تدريجيا من ممارسة استثنائية إلى ثقافة يومية، ويغدو رفضه خروجا على الأعراف السائدة أكثر من كونه دفاعا عن القانون؛ وهكذا يصبح المواطن، في كثير من الأحيان، باحثا عن الحماية داخل شبكة الفساد نفسها بدلا من أن يكون شريكا في مقاومتها.
ومن هنا، فإن الاقتصار على المعالجات المالية أو الإدارية أو القضائية لا يكفي لاجتثاث الفساد، لأنها تعالج النتائج أكثر مما تعالج الأسباب البنيوية؛ فقد يقال وزير أو يحاكم موظف، لكن شبكات الولاء التي أنتجته تبقى قائمة، ويجرم الفعل دون مساءلة البيئة التي جعلته وسيلة للبقاء والترقي، بينما تستمر البنى السياسية والثقافية والاقتصادية ذاتها في إنتاج مفسدين جدد.
ولذلك فإن أي مشروع حقيقي لمكافحة الفساد يحتاج إلى معركة فكرية ومؤسسية موازية للمعركة القانونية، تبدأ بإعادة تعريف المواطنة على أساس أن الولاء الأول يكون للدستور والقانون لا للأشخاص أو الأحزاب، وتعزيز استقلال القضاء والإعلام وهيئات الرقابة، وترسيخ سيادة القانون بوصفها الضمانة الأساسية لحماية المال العام ومنع الإفلات من المساءلة.
كما يتطلب الإصلاح ترسيخ دور المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية في كشف شبكات الفساد مع توفير الحماية القانونية للمبلغين، إلى جانب مراجعة المناهج التعليمية بما يعزز ثقافة المواطنة والمساءلة، ويدعم خطاب أصيل يستعيد القيم الأخلاقية التي تجعل محاسبة الحاكم واجبا، ويرفض تبرير الفساد أو حمايته تحت اي مسمى.
إن أخطر أشكال الفساد ليست تلك التي تهدر فيها الأموال فحسب، بل تلك التي تهدر فيها منظومة القيم، حين يستبدل القانون بالولاء، والمواطنة بالتبعية، والمساءلة بالتقديس؛ فعندما تحصن السلطة بالولاءات السياسية وبشرعية دينية مصطنعة، يغدو الفساد جزءا من بنية الحكم لا استثناء عليها؛ وعندئذ لا يبدأ الإصلاح بملاحقة الأفراد وحدهم، بل بإعادة بناء منظومة سياسية وثقافية تجعل القانون المرجعية العليا، والمواطنة أساس الانتماء، والمساءلة حقا عاما لا يجوز تعطيله باسم أي سلطة أو أي شرعية تستخدم لتبرير الإفلات من المحاسبة.