عمر أحمد
الوجود الصيني في إقليم كوردستان هو وجود استراتيجي. فاتفاقيات شركة هواوي مع شركات الاتصالات في إقليم كوردستان، وإنتاج 80% من الإسمنت بمساعدة الشركات الصينية، هي مؤشرات على علاقة اقتصادية متينة.
ومن الناحية الثقافية، يُعدّ تأسيس قسم اللغة الصينية في جامعة صلاح الدين في عاصمة إقليم كوردستان، باعتباره القسم الوحيد من نوعه في عموم العراق، دليلاً على مدى الأهمية التي توليها الصين لعلاقاتها مع إقليم كوردستان. مع ذلك، يُلاحظ أن المشاريع الكبرى التي تعتزم الصين تنفيذها تسير ببطء.
لقد غيرت الصين سياستها الاقتصادية من الاستثمارات الثقيلة إلى المجالات المتقدمة مثل الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والصناعة الحديثة. قد يوضح هذا الأمر سياسة الصين وتعاملها في إقليم كوردستان، حيث قررت الآن، بعد كل هذه الخبرة، اختيار المشاريع العملية وطويلة الأمد بدلاً من الإعلان عن مشاريع ضخمة قد لا يكون من الممكن تنفيذها بسبب الوضع المالي الذي يواجه إقليم كوردستان.
قال زو ديمين، القنصل الاقتصادي الصيني في أربيل، لشبكة رووداو الإعلامية: “إقليم كوردستان بوابة مهمة للتجارة الإقليمية ومركز واعد للتعاون الاقتصادي”. ويؤكد زو أن أنشطة الصين في إقليم كوردستان مخططة ومكيفة بعناية، قائلاً: “نحن لا نرى الفرص في النفط والغاز فحسب، بل في البنية التحتية والزراعة والتكنولوجيا أيضاً”.
ويشدد زو على أن “هذا نهج عملي. يجب أن تتناسب المشاريع مع الاحتياجات والقدرات المحلية، وعلى الرغم من أن وتيرة العمل بطيئة، إلا أنها في نمو مستمر”.
يوضح كامل أحمد حمهرش، مسؤول مكتب الاستشارات والعلاقات للشركات العراقية في الصين، حجم التبادل التجاري بين الصين وإقليم كوردستان. فبينما بلغ متوسط حجم التبادل التجاري السنوي بين العراق والصين حوالي 40 مليار دولار في كل عام في عام 2023 و2024، أدارت شركات إقليم كوردستان ما يقرب من خمسة مليارات دولار من هذا التبادل التجاري سنوياً، ولا يزال الوضع كذلك. وتقوم حوالي 250 شركة تجارية محلية بهذا العمل.
وفقاً لإحصاءات الجمارك الصينية، بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين الصين والعراق 54.2 مليار دولار في عام 2024، بينما وصل في النصف الأول من هذا العام إلى 26.65 مليار دولار. ويتم جزء كبير من تجارة إقليم كوردستان مع الصين عبر موانئ أم قصر وبندر عباس، وأحياناً عبر ميناء مرسين، ويُعاد تصدير جزء كبير منها إلى أسواق الدول المجاورة. ويشير حمهرش إلى حاجة ملحة، وهي تأسيس ميناء جاف في إقليم كوردستان لتسهيل الأعمال اللوجستية والنقل وتقليل التكاليف على المستوردين والمصدرين.
من ناحية أخرى، لا تزال هناك حاجة إلى تطوير قدرات النقل والتخزين، والقوانين واللوائح الجمركية في إقليم كوردستان، لتحويل النشاط التجاري إلى تنمية صناعية أوسع نطاقاً.
الإنجازات الملموسة واضحة. فالشراكات في مجال الاتصالات، وخاصة بين هواوي والشركات المحلية، تمثل تقدماً وتطوراً في التعاون الرقمي بين البلدين. كما أن برنامج المنح الدراسية والمساعدات الخارجية والتدريب الذي تقدمه الحكومة الصينية في تزايد مستمر: فقد شارك مئات المواطنين من إقليم كوردستان في عام 2024 في برامج تدريبية صينية، والتحق عدد من الطلاب بقسم اللغة الصينية في جامعة صلاح الدين، الذي تموله الحكومة الصينية.
ولكن المشاريع الكبرى تُنفّذ بوتيرة أبطأ. فقد تم توقيع العديد من مذكرات التفاهم لإنشاء محطات كهرومائية ومصفاة كبيرة، لكن نقص التمويل والعقبات في سلسلة التوريد أدّت إلى تأخير هذه المشاريع. في داخل إقليم كوردستان، يوجه الكثيرون انتقادات للإعلانات ومراسم التوقيع على المشاريع الهامة والكبرى، لأن بعض هذه المشاريع لا تُنفّذ. هذه الاتفاقيات تخلق عناوين متفائلة، لكنها لا تُتبع بتأثيرات محلية طويلة الأمد مثل خلق فرص عمل، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات. وهذه نقطة سلبية.
يصر القنصل الاقتصادي الصيني على أن مشاركة الصين في إقليم كوردستان ستتعمق وستحقق فائدة أكبر للطرفين. ويقول: “يجب أن يحقق تعاوننا المنفعة المتبادلة والنمو المشترك”، ولكن هذه المنفعة المتبادلة لن تكون ذات مصداقية إلا عندما يحقق إقليم كوردستان مكاسب أكثر وضوحاً: فرص عمل مستدامة، وتدريب مهني في المصانع التي أنشأتها الصين بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية.
من الضروري أن تكون إحدى أهم أولويات حكومة إقليم كوردستان هي إنشاء إطار قانوني ولوجستي للميناء الجاف، ليصبح مركزاً تجارياً رئيسياً. وهذه فكرة تم تنفيذها مسبقاً في دول أخرى لا تملك حدوداً بحرية.
بالنسبة لشعب ومجتمع الأعمال في إقليم كوردستان، تمثل المشاركة الصينية باباً فُتح حديثاً، لكن أساسه لم يُرسّخ بالكامل بعد. مستقبل العلاقة يعتمد على إلى أي مدى ستتحول الاتفاقيات إلى عقود عمل فعلية وخلق فرص جديدة. كما يعتمد على مدى تحول الحركة التجارية إلى قدرة صناعية، وأخيراً، إلى أي مدى سيقوم كلا الجانبين بتكييف أطرهما المالية والقانونية بحيث يمكن تنفيذ المشاريع الكبرى دون تأخير. وإلا، فقد تظل مكانة الصين في إقليم كوردستان محدودة.
*مسؤول القسم الاقتصادي في شبكة رووداو الإعلامية