التاخي – ناهي العامري
السليمانية مدينة الطبيعة الخلابة والتاريخ النضالي الممتد مع إمتداد جبال كوردستان الشماء، هذان الشاهدان الهبا قريحة الشعراء وروح الإبداع لدى ادبائها، ليدونوا مجدها وعزها، لذا ليس مصادفة ان نلتقي بشاعر أو روائي أو فنان أو موسيقي ، عند وصولنا مقهى ساحة سرا في مركز المدينة ، فهي تعج بالأدباء والمثقفين ، وما يعزز ذلك التواجد كثرة المكتبات الادبية التي سورت المقهى من ركنيها الاماميين المطلين على تقاطعات الساحة، لكن المصادفة حدثت معي عند لقائي بالشاعر والروائي (صلاح جلال) الذي أنجز رواية ( مرآة بركان الجنرال) التي تتحدث عن سيرة القائد الرمز خالد الذكر ( ملا مصطفى البارزانى) ، كان اللقاء اكثر من مناسبة للتعارف، لقاءاً حافلا بالمودة والألفة والفرح ، لكن للاسف الشديد لم يتسنى لي قراءتها، فقد نفدت النسخ القليلة التي وصلته من دار النشر، لذا اعتمدت على ما باح لي عن مكنوناتها ورسائلها واهدافها ، اثناء حديثه الشيق والممتع ونحن متجالسان داخل المقهى، في كتابة هذه السطور.

تدور احداث الرواية في دول وأوطان عدة، امريكا ، الإتحاد السوفيتي السابق، مصر، ايران، تركيا، العراق وغيرها ، وعلى مستوى تعددية الاصوات التي ظهرت وتحدثت في الرواية نجد الفارسي والعربي والكوردي والأشوري والكلداني ، الالماني والانكليزي والروسي والارزي.
تبدأ الرواية والقائد البارزاني يغالب الموت وهو في ساعاته الاخيرة، في أحدى مشافي واشنطن بامريكا، وعند نظرته الي الحقنة الدوائية بيد الطبيب المعالج، شعر ان حياته لن تدوم اكثر من دقائق معدودة، وخلال تلك اللحظات الوجيزة يسرح مع شريط الذاكرة وهو يعرض له تاريخ الحركة الكوردية التي قادها على مدى نصف قرن، اذ استحضر عبر تقنية التداعي الحر التي أبتكرها المؤلف ان يرى القارئ حياة البارزاني وهو يواجه لحظاته الاخيرة ، محاطا برغوة الحقنة وقطرات المطر المتساقطة على زجاج نافذة المشفى، ومن بؤرة العدسة الزمنية المزدوجة تظهر سيرة رجل كرس حياته لقضية شعبه.
تشكل الرواية وثيقة انسانية وتاريخية سجلت مرحلة مفصلية من تاريخ ألشعب الكوردي ، متجاوزة حدود السيرة الذاتية التقليدية الى فضاء روائي رحب، يستكشف العلاقة المعقدة بين الفرد والتاريخ ، بين الحلم والواقع ، بين النضال ومصير شعب التف حول قائده لنيل حريته وكرامته.
تتميز الرواية بأسلوبها الشاعري المكثف ، حيث تمتزج الذكريات بالواقع والماضي بالحاضر ، في نسيج سردي متقن، يجمع بين دقة التوثيق التاريخي وجمالية السرد الروائي ، اذ استطاع الكاتب صلاح جلال ان يوظف تقنيات متعددة كالاسترجاع والمونولوج الداخلي لرسم صورة متكاملة لشخصية البارزاني.
يمكن لنا القول ان رواية ( مرآة بركان الجنرال) ليس سردا لسيرة قائد عسكري أو زعيم سياسي تاريخي فحسب، بل محاولة جادة لتحليل وفهم تجربة شعب كامل من خلال سيرة رجل استثنائي ، عاش مآس وآمال عصره، وعاهد نفسه بعزيمة لا تلين، ان يحمل في شخصه ملامح مرحلة تاريخية بالغة التعقيد ، ويرسم طريقه النضالي ، ليقود الجماهير آلتي آمنت به نحو شمس الحرية، شمس كوردستان.