اعداد: عدنان رحمن
إذا ما اردنا ان نعرف بدايات الاسباب التي أدت الى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا بدّ أن نَمُرُّ على الاحداث التي سبقت ذلك، والتي مرّت على الكورد بشكل عام والكورد في كوردستان العراق بشكل خاص. لقد عانى الكورد على مر التاريخ من الويلات والنكبات والتهجير ومحاولات القضاء على الهوية الكوردية، لذلك نرى ان التاريخ الكوردي مليء بالثورات والانتفاضات ومنها المسلحة. فعند تصفح صفحات التاريخ يكتشف القارىء ان البارزانيين كما غيرهم من اغلب الكورد كانوا من المساهمين والمطالبين بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، فضلا عن ذلك فقد حدثت حوادث تثبت وبشكل قطعي عدم وجود التعصب الديني عندهم، حتى لا يوجد لديهم تفرقة مع الاديان الاخرى فقد كانوا في مراحل زمنية يعيشون بسلام ووئام مع مختلف معتنقي الديانات الاخرى، وهناك شواهد على جلب بعض الارمن الذين كانوا يتعرضون في مراحل تاريخية- من قبل العثمانيين- الى الابادة الى منطقة بارزان للحفاظ عليهم من التصفية الجسدية. لهذا الشأن اورد سامي شورش (1) في كتابه عن مساهمة البارزانيين في إنقاذ البعض من الأرمن بعد أن تعرضوا لمحاولات القتل والنهب، وذلك نقلاً عن رئيس اقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني (2): ( ان المرحوم الشيخ احمد البارزاني أرسل بين الاعوام 1920- 1921 قوة مسلحة من المقاتلين البارزانيين الى تركيا لنجدة الارمن الذين كانوا يتعرضون الى حرب إبادة جماعية شاملة. وبالفعل استطاعت القوة البارزانية إنقاذ عوائل ارمنية عدة من براثن المذبحة الدموية بينها عائلة اندرانيك باشا أحد زعماء الارمن). اما عن التسامح الديني وطلب العِلم عند البارزانيين فقد اورد سامي شورش في كتابه نقلا عن ويگرام: (3) ( عندما سمع الشيخ عبد السلام البارزاني بنيتي للعودة الى انكلترا، ابدى استعداده لمرافقتي لكي يطلب شخصيا من رئيس اساقفة كانتبري فتح مدارس تعليمية في قرى بارزان). واضاف: ( وايضا الشيخ بأن يُخبرَهُ لماذا لا تأتون الى هذه البلاد فأهلها يريدون التَعّلُمَ منكم). وأضاف: ( ان ويگرام لم يتردد باطلاق اسم ” شيخ النصارى” على الشيخ تجسيدا لِدَورِهِ في إنصاف المسيحيين ورعاية اوضاعهم وحماية امنهم).

أما عن الدعوة الى استقلال كوردستان عند البارزانيين فإن سامي شورش يتحدث عن المحاولات العديدة للقادة البارزانيين في عشيرة بارزان وفي مقدمتهم البارزاني الخالد لاستقلال كوردستان، التي ينقلها عن ويگرام حول البدايات الاولى لطلب الاستقلال في الفكر الجمعي عند البارزانيين: ( عندما سمع الشيخ المرحوم عبد السلام البارزاني بنيتي للعودة الى انكلترا طلب ان يأتي معي لطلب جملة مطالب، ومنها ان يقصد الملك جورج ” ملك انكلترا” للجلوس معه والبحث في قضية كوردستان والبت في امر استقلالها). واضاف: ( ان الانتفاضة التي قادها الشيخ عبيد الله النهري في منطقة شمدينان شمال بارزان دعت الى إنشاء كيان كوردي مستقل عن الامبراطوريتين العثمانية والقاچارية. ومن المعروف حينها ان شيوخ بارزان أقاموا علاقات طيبة مع الشيخ النقشبندي عبيد الله وآبائه. وفي هذا الفضاء يَصُح اعتبار نزوع البارزانيين الى مزج دعوتهم الدينية الصوفية بافكار التحرر القومي والاجتماعي بمثابة إمتداد للتغييرات التي شهدها المجتمع الكوردي في تلك الفترة- القرن التاسع عشر الميلادي). فيما ذكر مارتن ڤان (4) بهذا الشأن: ( لقد تحولت بارزان بداية القرن العشرين، وفي خضم التفاعلات الى بؤرة ناشطة للحركة القومية الكوردية). ولهذا الصدد يورد الامير الكوردي عبد الرزاق بدرخان الديبلوماسي والسياسي الكوردي (5): ( أنه كان على اتصال عن طريق الرسائل مع شيوخ بارزان). واورد صديق الدملوجي (6) حول الجهود والمحاولات الجبارة التي بذلها البارزانيون للتنسيق مع الكورد في كوردستان الكبرى، فضلا عن الاطلاع على آخر المستجدات على الساحة الكوردستانية: ( ان تكية بارزان كانت تتسلّم صحفا وبيانات تصدرها الجمعيات والنوادي السياسية والاجتماعية الكوردية. حيث كانت فكرة الاصلاح السياسي في تلك الحقبة تشمل معظم ابناء الكورد الذين اخذوا ينادون بها في السِرِّ والخفاء). ويؤكد ذلك فاسيلي نيكتين (7) حيث اشار الى: ( لقد تابع الشيخ عبد السلام تنامي الشعور القومي في صفوف المثقفين الكورد وحاول إقناع وجهاء منطقة بهدينان بوجهة نظره الاصلاحية). ويضيف بيرش تأكيداً لما اورده فاسيلي نيكتين عن الاتصالات مع النشاطات التي برزت على الساحة الكوردستانية: ( ان الشيخ عبد السلام قد تجاوب مع الجمعيات والمنظمات الكوردية في تلك الفترة وأيّد برامجها لا سيما بعد ان نَكلّت جمعية الاتحاد والترقي التركية بالكورد). وحول طبيعة تفكير الشيخ عبد السلام التي كان يركز فيها على نيل الحقوق القومية للكورد ينقل سامي شورش عن كريم احمد السكرتير العام للحزب الشيوعي الكوردستاني: ( ان الشيخ عبد السلام أقام علاقة سياسية مع الفرع الكوردي لمنظمة تعالي وترقي وجمعية هيڤي الكورديتين. وقد نجح الشيخ عبد السلام في تطبيع علاقاته مع السيد طه نهري وإسماعيل آغا ” سمكو” رئيس عشيرة شكاك ورؤساء عشائر اخرى، الذين اثبت التاريخ انهم كانوا من دُعاة استقلال كوردستان). وحول مشاركة الشيخ عبد السلام في انتفاضة الشيخ سعيد بيران يورد وليد حمدي (8): ( في 1913 اندلعت في منطقة ” قره سو” في بتليس الكوردية انتفاضة واسعة بقيادة الشيخ سعيد بيران. وعلى الرغم من ان الدولة العثمانية إستطاعت إخمادها وإعدام قادتها في 7- آيار- 1913، إلا انها ظلّت تَلِحُ على ان تحقيقاتها في خلفيات الانتفاضة تثبت ضلوع الشيخ عبد السلام فيها وعلاقته الوثيقة مع زعمائها. ثم عاشت منطقة بارزان توترا واضطرابا). ثم يضيف الكاتب، فاجتمع فلاحو المنطقة حول زعامة الشيخ عبد السلام، حيث كان الشيخ يحض رؤساء العشائر على توحيد صفوفهم وممارسة الضغط على استنبول لاجبارها على التخلي عن سياسة تجاهل القضية الكوردية). وفي نفس الاطار يذكر د. كمال مظهر احمد: ( ان الشيخ عبد السلام بدأ في ربيع 1914 بالتمهيد لاطلاق انتفاضة جديدة وضمان دعم روسيا القيصرية وبريطانيا للمطالب الكوردية). ويورد زبير بلال اسماعيل بنفس المنحى: ( ان المخابرات التركية كانت ترصد حركات الشيخ عبد السلام، التي عَلِمَتْ فيها برحلته الى تفليس ومقابلته بعض المسؤولين الروس، وايضا تابعت إتصالات الشيخ برؤساء العشائر الكوردية بعد عودته من تفليس. وكانت النشاطات القومية والتفاعل مع الحركات الكوردية الاخرى للشيخ مستمرة، ففي 1919 وجه قوة من اتباعه الى نجدة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية. وفي العام التالي وَجّه قوة اخرى الى كوردستان تركيا لمعاونة الشيخ سعيد پيران، وقوة ثالثة في مطلع العشرينيات من القرن العشرين لنجدة الارمن ممّا ادى في النهاية بالتورك باعلان جائزة لمن يلقي القبض عليه حيّاً او ميتاً. وقد استمر نضال البارزانيين من اجل نيل الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي من دون توقف حيث كان البارزاني الخالد هو الرمز لهذا النضال، ففي خريف 1938 تأسست في مدينة السليمانية جمعية ( برايه تي- التآخي) برئاسة الشيخ لطيف نجل الشيخ محمود الحفيد الذي أقام علاقة وطيدة مع البارزاني الخالد عند انتقال البارزانيين الى السليمانية). وحول تأثير الفكر التحرري للبارزاني الخالد على الكورد في كل كوردستان المجزأة ورد في برنامج لفضائية كوردستان (9): ( ان انتفاضة 1943 في منطقة بارزان بقيادة البارزاني الخالد كان لها دور كبير في شحذ الوعي القومي بين كورد ايران، وقد تجلى ذلك في مبادرة منظمة ” ژ ك- أختصار ژياني- كوردستان- إحياء كوردستان” الى مخاطبة البارزاني الخالد بـ ” زعيم كوردستان”. واللافت للنظر في نشاطات البارزاني الخالد انها لم تقتصر على قيادة القوات العسكرية لجمهورية مهاباد فحسب بل شملت الاحتفاظ بصلات قوية مع الحركة السياسية الكوردية الاخرى في العراق). ويروي الباحث السوفياتي كاتلوڤ عن نشاطات الشيخ احمد البارزاني (10): ( إن انتفاضة الشيخ احمد البارزاني 1919 قد أدّت دَورا كبيرا في تعبئة الكورد والعرب في المعارك ضد البريطانيين، حيث كان لها تأثير على منطقة بالك القريبة من راوندوز التي ثارت في العام نفسه، فضلاً عن رفض عشيرة گويان في منطقة زاخو وعشائر اخرى في خانقين ورانية التعاون مع البريطانيين).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سامي شورش: كوردستان والاكراد، الحركة القومية والزعامة السياسية \ إدريس البارزاني … إنموذجا، دار ئاراس للطبع والنشر- اربيل- 2001.
2- مسعود البارزاني: البارزاني والحركة التحررية الكوردية ( 1931- 1958)، ج 1، باللغة الكوردية، مطبعة خه بات- دهوك 1998.
3- ويگرام: مهد البشرية الحياة في شرق كوردستان. ترجمة وتعليق: جرجيس فتح الله، بغداد- 1971.
4- مارتن ڤان: الديانات في كوردستان، 1991 كوردستان تايمز، ص 5 حتى 28.
5- مذكرات عبد الرزاق بدرخان. ترجمة وإعداد: جليلي جليل. ترجمة الى اللغة الكوردية اللهجة الكرمانجية الجنوبية: شكور مصطفى، دار ئاراس للطباعة والنشر، اربيل- 2000، ص 24.
6- صديق الدملوجي: إمارة بهدينان الكوردية أو إمارة العمادية، تقديم ومراجعة د. عبد الفتاح علي بوتاني، ط 2، دار ئاراس للطباعة والنشر، مطبعة وزارة التربية، اربيل 1999، ص 35.
7- مجلة شمس كوردستان، مقالة فاسيلي نيكتين: العائلة البارزانية. ترجمة د. كاوس قفطان، العدد 5، بغداد- 1973.
8- وليد حمدي: كوردستان والأكراد في الوثائق السرية البريطانية باللغة الفارسية، ايران- همدان 1999، ص 166.
9- فضائية كوردستان في 1- 3- 1998، المُقَدِم: بدران احمد، برنامج تاريخي بعنوان ( البارزاني الخالد وجمهورية مهاباد).
10- ل. ن. كاتلوڤ: ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق. ترجمة: د. عبد الواحد كرم، بغداد- 1985، ص 156.