اعداد: عدنان رحمن
عن مكتبة احمد في العام 2025 صدر كتاب بعنوان ( جواد البياتي المندلاوي أديباً وصحفياً وخطاطاً) الذي كان مجموعة من مقالاته وورد تحت عنوان ( كلمة لا بدّ منها) لِمُعِدْ الكتاب ( عدنان رحمن) ما يلي:
– ” وفاءاً من عائلته خصوصاً زوجته وايضاً أولاده ( ظفار، فواز، ونوار) وبناته تقرر طبع البعض من نتاجات المرحوم جواد كاظم واراني المندلاوي التي هي جزءاً مما كتبه خلال مسيرته الثقافية المليئة بالمقالات والبحوث والنثريات حتى الشعر الحر والقصص القصيرة، فضلا عن كونه اعلامياً عمل في مختلف الوزارات والدوائر الحكومية في قسم الاعلام فيها منها وزارة الري وأمانة العاصمة وغيرها. وقد ترك إرثاً ثرياً من الكتابات الراقية وسلوكاً متميزاً في العطاء والتسامح واخلاقاً حميدة وتواضع، حتى سلوكه مع ابنائه كان راقيا حيث كان يعدّهم اصدقاء له وغير ذلك الكثير الذي يشهد له بها الجميع من اقاربه ومعارفه واصدقائه وزملائه حتى معاصريه في العمل يستحق عنها ان يتم نشر ما لم يُنشر من نتاجاته. جدير ذكره انه عمل مذ كان صغيرا وهو يدرس لكي يحصل على شهادة اكاديمية حتى نال ما يتمناه من شهادة جامعية متميزة في العلوم السياسية، ومن ثم استمر في العمل في المجال الاعلامي وهو ايضا في الوقت نفسه يكتب ويكتب في الشؤون العامة وايضاً لديه تحقيقات متنوعة عن المناطق في بغداد، فضلاً عن كونه خطاطاً ذو بصمة حتى انه كان صاحب ورشة للخط في الشارع الرئيس لكرادة داخل- بغداد وشؤون اخرى كثيرة. لقد تبنّت عائلته اخراج هذا الجزء البسيط من انتاجاته من المقالات التي صدرت ونشرت في فترات زمنية مختلفة لكي تبقى الاعمال التي هي طي الاوراق الخاصة به ان ترى النور. وان أصابعي التي تخط هذه الكلمات على آلة الحاسوب عاجزة عن التعبير عن مدى مكانته لدّي فهو الصديق والاخ والزميل وتوأم الفكر والتوجه فضلاً عن صلة القرابة التي تجمعنا، واجملها إني خال أولاده.
المُعِد عدنان رحمن”.
ومن قصصه ما كان بعنوان:
– ” حلم 15 كانون الاول: صباحا… بين انساب ابو جاسم بجراويته البغدادية الملفوفة بعناية كبيرة بين الناس الكثيرين من ابناء محلته الذين كان كل منهم يعتقد بأنه سيكون الأول في الوصول الى مركز الاقتراع. وضع ابو جاسم بطاقته في صندوق الاقتراع بعد أن غرس اصبعه في قارورة الحبر الصغيرة وعلى وجهه علت اشراقة صادقة وهو يقول: – بسم الله. ثم رفع يديه لتحية الحاضرين وهو يغادر المكان، وبصوت منخفض راح يردد: – الحمد لله. كان ذلك يوم سبت الخامس عشر من كانون الأول / ٢٠٠٥ أبو جاسم انجز ما عليه وهو اهم انجاز في حياته التي تعدت سنواتها الرقم 6٥، عاد الى البيت يجتاجه سرور لطالما افتقده وشرع بتناول ( استكان) من الشاي الساخن بعد فطور شهي جدا.. وقبل أن يعود الى السرير ثانية للاستلقاء لم ينس ان يؤكد على أسرته بضرورة الاسراع الى مركز الاقتراع لاداء واجبهم، ثم استلقى واغمض جفنيه ليغط في حلم لغد أجمل من كل سنوات العمر. ولم يكن يعلم انه قد دخل غيبوبة طويلة استفاق بعدها بخمسة شهور ليسمع ممن حوله أن نواب الشعب في صراع شرس مع بعضهم حول الغنائم السيادية وغير السيادية، تحت قبة برلمان تقاذفت بین اقدام نوابه الرؤوس والاطراف والجثث في بحيرة دم تطفو فوق سطح من السيراميك. تفحص ابو جاسم الوجوه من حوله وتلمس جراويته البغدادية الملفوفة بعناية كبيرة ثم اغمض عيناه اللتان خضبتهما الدموع.. ودفن في صدره حسرة قاسية، قال ابو جاسم بصعوبة: – لا توقظوني أبداً!!!!”.
وايضا عنوان:
– ” بعد غياب دور هيئة النقل الخاص / فوضى في خطوط سيارات ( الكيا) وارتفاع أجرتها: واخيراً افل نجم ( التاتات) وزالت دولتها التي دانت أكثر من عقد من الزمان تربعت اثناءها على عرش شوارعنا توزع الرعب بين السيارات الصغيرة وسائقيها ولم تكن تراعي ادنى اعتبار حتى لسيارات الايفا العسكرية ذات الصيت السيئ آنذاك وتخلصت بيئتنا من خطر مهدد لها في تاريخ العراق بعد ادخنة النفط الاسود وأشعاع قنابل الجيوش الغريبة وتنفس البسطاء من الناس الهواء ممن يرتبطون بهذه الحافلات ارتباط شرطياً ليبدأ صباح كل يوم وقد لا ينتهي بانتهاء الدوام الرسمي، وتمتعت شوارع بغداد بشيء من الراحة بعدما اصبحت اشرطة للدهون التي تفرزها هذه الحـافلات، وتخلصت من الاختناقات المرورية الحادة التي كانت بسبب الوقوف المفاجئ وسط الشارع في وقت لم تكن هناك نقاط تفتيش ولا كتل كونكريتية او مرور لآليات القوات متعددة الجنسية او مصادفة وجود موكب لاحد المسؤولين. واخيراً فأن المواطن تنفس الصعداء لاسترداد كرامته و (ستره) الذي طلما تعرض للهتك والفضيحة بفضل تعلق جزء من ملابسه بمسمار او ( برغي) خشابي ظاهر او قطعة صفيح حادة اتخذت شكلاً خطيراً غير لافت للانتباه، فضلاً عن القضبان الحديدية ( الشيش) التي وضعت بشكل غريب اما بقصد تثبيت أحد المقاعد أو لغاية في نفس السائق ومساعده او لحكمة يجهلها المواطن الكريم، فقد تستخدم عند الضرورة كدعم لوجستي في حال نشوب ازمة بين السائق ومساعده من جهتة وبين احد الركاب من قليلي الحظ ممن لا يلتزم بآداب الجلوس في ( التاتات) فكم من قميص احيل الى ( خرقة مسح) من جهة وكم من سترة او سروال تعب صاحبها بالعثور عليها في سوق البالات كان مصيرها التلوث بالدهون السوداء او التمزيق عن طريق احد النتوءات الظاهرة في المقاعد الخشبية القاسية، ولم تسلم عباءة سيدة محترمة او كوفية شيخ جليل من تلك المفاجآت غير السارة. واخيرا فأن مواطننا الصابر قد استراح من احلى الكلام الذي كان يطرق اسماعه ومن الاغاني ذات الطراز المقزز الذي كان يجبر على سماعها كلما صعد الى تلك الحافلات الرديئة السمعة. رحلت ( التاتات) الى جهنم وبئس المصير والى غير رجعة بعد ان اخذ عهدها المظلم من اعمار الناس واعهصابهم الشيء الكثير، وبدأ العصر الذهبي للحافلات الصغيرة ( ميني باص) ذات الابواب ( السلايد) والمقاعد الأنيقة، التي تتمتع بخفة الروح والحركة والرشاقة. ومع ان المرء يجد بعض الصعوبة في أول الأمر في أثناء الصعود والنزول ولا سيما في حال اكتمال نصاب الركاب الذين غالبا ما يحملون اكياس التبضع النايلونية، او عندما يصر بعضهم على الجلوس عند فتحة الباب بالرغم من وجود حيز كبير داخل الحافلة. إلا أن المواطنين توجهوا بالحمد والشكر الى الله على هذه النعمة التي اسبغها عليهم بعد طول انتظار وصبر على انتهاء عصر ( التاتات) المظلم والدخول الى عصر ( الكيات) عصر الضياء والنور ذاعنين لكل مايطلبة منهم اصحابها من الاجرة التي تتصاعد- فقط- استنادا الى بورصة البنزين والكاز التي لا نتوقع لها الانخفاض أو التراجع يوما. اذن فنحن الآن في مصاف الدول المتقدمة مثل الجارة الشقيقة سوريا حيث تجوب هذه الحافلات الصغيرة شوارعها الساحرة برومانسية تشبة رومانسية جنادل البندقية وبشكل منضبط من حيث الالتزام بخطوط النقل وثبات الاجرة ودقة المراقبة، وذلك عن طريق وضع لافتة ضوئية بلاستيكية ملونة في اعلى مقدمة المركبة تشير الى خط سيرها بحيث لا يحتاج المرء لسؤال السائق او غيره عن وجهة هذه الحافلة. ومع انني اجهل ما يرمز إليه لون اللافتة اذا كان احمر ام اصفر او اخضر او ازرق او ابيض، الا ان المهم في الامر ان يكون لديك الثقة والايمان بأن هذه المركبة لا يمكن لها الخروج عن خط سيرها المعلن على اللافتة البلاستيكية الملونة ولا عن اجرة النقل المثبتة بالخط العربي داخل الحافلة. كم تمنيت ان نقتبـس هذا الاختراع العظيم ونطلب الاذن من الاشقاء لنقله الى حافلاتنا الصغيرة الجميلة التي تضربها فوضى الخطوط وفوضى الاسعار، واعتقد انها مسألة بسيطة وغير مكلفة وهي ايضاً حضارية- بالنسبة لنا- ولكنها مفيدة وتوفر على المواطن والسائق مذلة السؤال وضياع الوقت وسماع ما لا نحب سماعة هذا الاختراع الجليل هو بين أيدينا الآن ويمكن استخدامه لكي نثبت للآخرين باننا قوم اصحاب حضارة عمرها ستة الآف سنة، فنحن لسنا اقل شاناً منهم في التعاون لتطبيق النظام واحترام القانون”.
وايضا عنوان:
– ” المصداقية في نقل الاحداث والأخبار: هناك الكثير من المتحدثين يشوب احاديثهم الارتباك ممزوجا بمسحة من الخوف وعند استماعك لهم تتجسد صورا مريبة لوقع كلامهم وكأن الظلام نسج خيوطه وابعد كل بارقة أمل أو نقطة ضوء تخترق الجدار لتنير الافق. ان عنصري المبالغة والتهويل قد تدخل ضمن سیاق احاديث محدودي الثقافة والممتلكين وعيا سطحيا وهذا يدل على ان المتحدث ترك المصداقية والتزم جانب الفوضوية والاسهاب المطنب كي يصطنع خبرا أو حدثا ويعطيه هالة منمقة، صحيح ان هذا الخبر او الحدث قد وقع او تم الحصول عليه عن طريق الاستماع من الآخرين، ولكن الواعي والمدرك والمتفحص لبواطن الأمور لا تنطلي عليه مثل هذه التخرصات ويكتشف هو قبل غيره ان الموضوع المتحدث فيه او الواقعة والحدث الذي يتم السرد فيه هو مبني على اساس المغالاة في نقل الحقائق ليس الا. وعليه لا يجد المستمع من فرصـة لمبادلة الحديث مع الراوي الناقل للخبر، اذن يجب على الراوي او الناقل للحدث ان يكون امينا في نقل ما شاهد او سمع والا فلسنا بحاجة لأن نوجع رؤوسنا بسماع اخبار منمقة فيها الكثير من الغباء والسذاجة والقصد منها والله اعلم هو سبيل لترويج الرعب واثارة القلق من خلال هذه الاشاعة المصاغة بشكل او بآخر”.
وايضا عنوان:
– ” ثقافة الشارع: بدأ الانسان ثقافته الاكاديمية بعد ظهور الحرف ومن ثم اللغة وذلك منذ حوالي الألف الرابع قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين كما تذكر كتب التاريخ، ومن خلال التطور الديالكتيكي للمجتمعات وضعت لها اصول وقواعد للعادات والتقاليد، كل مجتمع على حده، وقد تتقارب بعض المجتمعات في بعض ثوابتها بما يجعل منها ما يسمى بالامة، ومن هنا تولد الثقافات المختلفة التي تميز هذه الشعوب وهذه الامم ومنها الشعوب- ما غادرت مراحل التأسيس والبناء للثقافات وراحت تعمل لتركيزها وترسيخها-. وبذلك فهي حصنت نفسها من الاخطار لمواجهة الاستثناءات على مختلف الصعد ولعل ابرازها الكفاح من اجل حريتها واستقلالها وحماية أوطانها. وهي بالتالي هيأت كل العوامل اللوجستية للدفاع عنها. ان بناء ثقافة المجتمع المتحضر تتكل على مجموعة ثقافات فرعية تبدأ بالاسرة مرورا بالمدرسة والجامعة والمصانع والمزارع وصولاً الى ثقافة الدولة السياسية التي تتمثل بالعدالة. هذا كله ينعكس على الشارع الذي هو محور موضوعنا فثقافة الشارع الذي يمثل ( الانسان) عنصرها الاول وهي مجموعة القيم التي توارثها المواطن والتي تعكس سلوكه على الارض في حين طريقة التعامل مع الآخرين شكلاً ومضموناً وفي اطار الخلق الرفيع، فالحفاظ- مثلاً- على جمالية ونظافة الطريق يعكس الطابــع المعلن للقيم، كترتيب واجهات المحال والحوانيت والمكتبات والمتاجر ومحطات الخدمة العامة والخاصة. وهو ما ينعكس على الراحة النفسية للمواطن بل حتى على البيئة التي اضحت الشغل الشاغل للمعنيين في العالم وذلك من خلال الشعور بمسؤولية الانتماء الذي يمثل الطابع الحضاري لهذه الثقافة واما المضمون فهو طريقة التعامل الانساني بين المواطنين بما ينسجم ودرجة الرقي التي وصل اليها المجتمع. فالتسامح والايثار والاستعداد الذاتي للتعاون ومسـاعدة الآخرين وكذلك الابتعاد عن التأثير على حرية الآخرين وراحتهم هو الجانب السليم الذي يعكس المنظور لسائحي البلد ومواطنيه، فالسير في الشارع وارتياد المحلات العامة وقيادة المركبات وفقا لمعطيات احترام النظام العام- عرفيا كان ام قانونيا- تحتاج الى سمات وسلوك ذا طابع عصري يمكن ان يكون احد ابرز عوامل الدعاية والترويج السياحي للبلد. وكثيراً ما كانت امراض التخلف نقمة على من وجدوا انفسهم بقدرة قادر في قلب مجتمعات صعب الأمر عليهم بالتأقلم معها. فقفلوا عائدين لم لحاضناتهم الأولى، فلا اثروا ولا تأثروا