جابر خليفة جابر
( 3 )
في النص القصصي الأول من الكتاب وعنوانه ( كرة ) نلاحظ التنكير للإشارة إلى التعميم وإن ما تناوله النص أو أراد بثه من رسائل يتعلق بظاهرة عامة وليس بحالة فردية، ومن ثم فإن الإدانة التي يتعاطف معها قارئ هذا النص السهل الواضح القصير جداً والمكثف تكثيفاً بارعاً، هذه الإدانة تتوجه لمجتمع بكامله يعبث كما يعبث الصبيان بمقدرات الطفولة ممثلة بالقلوب الصغيرة والطفلة صانعة القلوب ذاتها من جهة، وبمقدرات المرأة ممثلة بالقلب الكبير وبالأنثى الموجودة في صانعة القلوب من جهة أخرى، عبث بعقل جاهل وقدم رعناء تسحق تلك القلوب، قلوبهن، بركلة كرة طائشة، ومن دون أدنى رحمة، وأي اهتمام.
كان ساحق القلوب – المجتمع الذكوري – صبياً للتعبير عن جهله وعدم نضجه.
بينما كانت صانعة القلوب طفلة للتعبير عن ضعفها أمام الآخر ورقتها وبراءتها.
وأمام هذا التضاد( ذكورة / أنوثة) ( جمال / قبح ) ( خير / شر ) تتضح أمامنا سمة أو خيط ناظم جديد يمر من نص لآخر حتى يضم نصوص الكتاب جميعاً، معلناً إن المرأة بشكل عام هي قلب مسحوق بأقدام ” الرجال ” وصبيانيتهم القاسية اللاهية.
ولذا فإن جلوس الطفلة على الساحل، هو نوع من التطلع نحو الأفق ونحو البحر اللامتناهي ويعني أكيداً التطلع إلى الحرية والتحرر ولن يتسنى للقارئ أن يعرف رد فعلها هل ستغادر الساحل وتعود إلى أقفاص المجتمع أم ستعيد صناعة القلوب والمحاولة من جديد حتى تنفتح أبواب الحرية فتنشر أشرعتها على شكل قلوب وتبحر.
يقول ممدوح عدوان وهو يستحضر حالة المجاهد الجزائري الشهيد علي لابوانت قائلاً:
كان علي لابوانت ممنوعاً من رؤية أحياء بلادة
فغزاها بالغضب الفائر
حتى انفتحت، باباً، باباً
من ضربات عناده.
وهذه إحدى أوضح القراءات لما بعد النص، وهي أن الصغيرة كما يرى قارئ ما ستواصل صناعة القلوب بعناد وستحميها من كرات الصبيان حتى تنفتح لها أبواب الحرية وحتى تبحر !
( 4 )
مع نص آخر عنوانه ( نافذة ) وليس ( النافذة ) تعزيزاً للتعميم ولإدانة الظواهر كما تقدم القول فيه، في هذا النص نجد إحدى بنات أور وقد توقفت أمام سن الأربعين، سن النضج العقلي من وجهة نظر العلم، وسن اليأس من وجهة نظر المجتمع والعادات والقبيلة المتجذرة في عقول ووجدان أفراد هذا المجتمع، وإذا تجنبنا نظرية ( موت المؤلف) وراجعنا البيئة الاجتماعية والجغرافية التي كُتبَ فيها النص لوجدنا أنها بيئة يفترض أن تكون متدينة وقريبة من القرآن الكريم الذي يصف عمر الأربعين بصفات إيجابية وافقها العلم، وتخلف عنها المجتمع.
(( … حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٥﴾ الأحقاف ))
وهنا عمر الأربعين يعني قمة القوة والنضج ودرجة الوصول للأخلاق والمعاني العالية، بينما ينظر المجتمع ممثلاً بمن يحيطون بسيدة النافذة/ المرأة الأربعينية، ينظرون إليها ( وكأنني وصلت للباب الخلفي للحياة / ص25) ليس هذا حسب إنما يشترط هذا الباب الخلفي عليها ( ألا أتمادى بأحلامي، ألا أُفْرِطَ بعاطفتي، ألا أسرع بخطواتي، أن أقبل بكل ما يفرضه علي واقعي البغيض / ص25) بل أكثر من هذا فهو ( باب سيغلق بعد قليل / ص26) هنا السجن إذن وهنا الرفض أيضاَ، ولاشك أن منظر العاشقين عبر النافذة – وكانت الحبيبة بعمرها وتشبهها- هو انتصار لها، للمرأة ضد من يحيطون بها من سجّانين وصنّاع قيود وأقفال قساة ! وتأكيد لقولها أن الأربعين باب بلا مقبض ومعانيه بلا قيد ولا شرط.
( 5 )
عنوان ( محاولات فاشلة ) تعبير مستهلك وتقليدي ومكون من كلمتين، مبتدأ وخبر، عنوان معرف يخرج عن السمة الغالبة لعناوينها، ويجانب الجودة الفنية، ولا يرتقي للمستوى الفني للنص، ومن هنا يرى القارئ إن عنواناً ما ينبغي أن تمحو هذه الجملة وتحل محلها، لكن ما يعوض عن ركة هذا العنوان جمالية النص وخفاء إشاراته الموحية. إن الحبيب الذي يحمل صفات الجمال ابتلعته الحرب، والحرب يقودها الذكور، فهم مدانون إذن، لأنهم حرموها من حبيبها بتغييبه عنها، وكلهم، كل الموجودين على الرغم من محاولاتها في الاستعاضة عن حبيبها المغيّب فشلوا في تعويضها عنه، كل واحد ممن حاولت الاستعاضة بهم عن حبيبها لم يكن يحمل إلا صفة منه وتنقصه صفات أخرى، لكننا من خلال استعراضها لأولئك وهذا من جماليات النص عرفنا مواصفات الحبيب واسمه!
فهو أسمر وطويل بعينين خضراوين وكان جندياً، واسمه حسن!
بل نعرف صفات أخرى له من أسماء من حاولت أن تحبهم: فهو سالم معافى وجميل وحسن الخلق وكامل الأوصاف وعالي الهمة.
كل هذه التأويلات والقراءات يولدها نص عميق المعنى ثري الإشارات لا تتجاوز كلماته الأربعين، بل أقل، وهذا من جمال التكثيف وإن بدا للناظر إلى السطح أنه نص واضح وبسيط.
( 6 )
نسوة أمهات وأطفالهن المرضى، هذا هو المشهد العام في نص (تساؤل ) الساردة تركّز نظرها على طفلتها المريضة، هن منشغلات عن أطفالهن المرضى بالنظر إليها، وفي الوقت ذاته تفضح زوجها الذي يدفع أطفاله الثلاثة للتسول وعلى الرغم من مرض ابنتها ذات القلب المفتوح – كما يقول النص – يحاول الانفراد بزوجته، بل كان يضربها وهي تمانع وترفض متحججة بمرض ابنتها، والغريب أنه لا يخطئ بضربته أو بالإمساك بها مع أنه أعمى !
وهذا هو مضمون تساؤلها، في مستواه السطحي الأول، لكن القراءة تحت الحمراء تقودنا لما وراء هذا المضمون، لنتساءل: عن سر سطوة هذا الرجل الأعمى؟
وسر قسوته على أطفاله وزوجته وخاصة على طفلته وقلبها ؟
بل وتتسع الأسئلة لتشمل كل النساء اللواتي انشغلن عن أطفالهن المرضى أيضاً بالاستماع لقصتها، هل كانت المرأة الأم الساردة توضح لهن للأمهات الأخريات ما هن فيه من عبودية للرجال العميان؟
هل كانت تحرضهن كيف يمتنعن كما تمتنع هي ويرفضن كما ترفض؟
هل إن هذا الامتناع والرفض هو الطريق إلى تعافي الصغار وتحررهم من البؤس الذي يتسبب ويفرضه الآباء العميان ؟
هذا النص المكثف يثير أسئلةً تتوالد منها أسئلة، يدين ولا يتوقف عن الإدانة.
( 7 )
ما يكون داخل الإطار عادة صورة أو لوحة، هذا هو المألوف، ولكن أن تكون اللوحة خارج الإطار وبدلاً عنها تكون الرسامة داخل الإطار فهنا المغايرة والانزياح، نقرأ من البدء:(على يمين اللوحة أنا، داخل الإطار، لوحة لم تكتمل بعد / ص39) يجد القارئ نفسه ومن دون أن يشعر أمام لوحتين، الأولى تلك التي على يمين الساردة/ الرسامة، والثانية هي الرسامة ذاتها داخل إطار !
لوحة لم تكتمل بعد، تقول الساردة، ولكن كيف لها أن تكتمل إذا كانت رسامتها سجينة في الإطار! إطار اللوحة ذاتها، أي مشهد جمالي مركب هذا، رسامة تؤطر وتسجن بالإطار بدلاً عن اللوحة ! ولو افترضنا اكتمال اللوحة كيف ستوضع داخل إطار ممتلئ بسجن الرسامة فيه ؟
الإطار هنا سجن، سجن للرسامة، لألوانها وفرشاتها ومصبغتها، وإقصاء للوحتها.
لنتخيل المشهد الآن كما كشفت عنه القراءةُ تحت الحمراء، مشهد لوحة تحتاج لفرشاة رسامتها كي تكتمل، لكن الرسامة مُقْصاة عنها مسجونة، أين ؟ داخل إطار اللوحة ذاتها.
هذه إدانة للإطار الذي يعيق اكتمال اللوحة والذي سيسجن اللوحة إن اكتملت، هذه إدانة للأُطر كلها، ولمفردات التذكير: إطار ساجنٌ وخيال قديم، لكن ثمة صراخ وعويل تقابلها قهقهات لامبالاة وثمة أمل فهناك أبواب تطرق، ستتحرر الرسامة إذن وتتحرر لوحتها، كلتاهما ستحطمان الإطار وستحلقان.
هنا الفن، فن القص، فن الإزاحة المدهشة وتداخل العوالم والمشاهد والإيهام الجميل، وكل هذا في نص قصصي من خمسين كلمة أو أكثر بقليل، هو النص المعنون ب ( داخل الإطار).
لست ممن يقارن مُبدعاً بغيره، خاصة إذا كان من مبدعي الغرب المحتفى بهم دائماً بحق ومن دون حق، لكنني حين أتوقف هنا عن القراءة ولا أود التوقف؛ أقول ومن دون تردد : إن نصوص هذا الكتاب / المجموعة، أعمق وأبسط وأكثر سردية وأثرى إشارات بالمجمل من انفعالات أو نصوص ناتالي ساروت وأعلى منها بمسافتين وأجمل.
لقد تمنيت لجمال بعض النصوص وثرائها أن أكون أنا من كاتبها ..
تحية للبصرة ولّادة الإبداع ،
لبنات أور وكاتبتها تحية..
وتحية لهذه الفرادة القصصية النادرة.