د . صباح ايليا القس
يحتل شعر الغزل مساحة واسعة من مجموع الشعر العربي لا سيما في العصرين الجاهلي والاموي اذ ان الغزل يعد موضوعا مقدما عند اغلب الشعراء لما ينطوي عليه من عواطف جياشة يعبر بها الشاعر عمّا يعانيه من مشاعر الحب الذي يعجز الاثنان عن التواصل الا بعد مشقة ومعاناة بسبب القيود الاجتماعية وبرغم تلك القيود والحراسات ينفرد العشاق بمساعدة من بعض الخدم احيانا او ربما عندما تخرج الصبايا لبعض الحاجات فيكون اللقاء او يبقى الحب عميقا دفينا يشتمل على المعاناة والالم . بل ويزداد هذا الحزن اذ صادف ان رحلت الحبيبة عن مكانها تاركة الاطلال التي يتعزى بها الحبيب عند زيارة ذلك الموقع .
فالشاعر العاشق يبدأ قصيدته بالتذكر شاكيا باكيا الى رفيق رحلته عساه يجد في هذا الصديق تعزية لما اصابه ويدلل على الحرمان وربما انقطاع الامل فيقول :
يمــــوت الهـــوى منـــي اذا مـــا لقيتـــــها ويحيــــــا اذا مــــا فارقتهــــــا فيعــــــودُ
وربما يكون الطلل وسيلة لتداعي الافكار واستذكار المواقف والبكاء على الآثار اي الطلل وكلمة الطلل تعني ما يتركه الظاعنون الراحلون عن مكانهم الى مكان آخر ربما يكون توفر الماء سببا رئيسا للرحيل وقد تكون هناك اسباب اخرى مثل المنازعات والحروب وغيرها .. اما الاثار فهي لا تتجاوز الامور البسيطة مثل موقد النار الذي يقوم على ثلاثة احجار تسمى الاثافي وتشتمل على الرماد وبقايا الاعواد وهناك موضع الحيوانات وما تتركه من مخلفات قد لا تعني للشخص المعاصر شيئا ولكنها عند اهل البداوة تعني الكثير اذ هي التي تستدعي صور الحبيبة وحركتها وموضع اوتاد الخيام وموقد نار الدفء وليس من بد ان نقول كل اثر يدل على وجود الحبيبة هنا ..
يقال ان امرأ القيس اول من وقف واستوقف فكلمة وقف تعني التوقف بعد رحلة قد تكون مقصودة الى بيت الحبيبة الراحلة وقد تكون مصادفة اما كلمة ( استوقف ) بمعنى طلب من صحبه ومرافقيه التوقف عن المسير لاعادة تصوير الحبيبة الراحلة ويقال ايضا بكى واستبكى اي انه بكى الديار حسرة والما لفقدانهم اما الصحب فانهم يبكون لمعاناة زميلهم ولا سيما اذا كان يعبر عن هذا الهم بصورة شعرية يقول امرؤ القيس :
قفــــا نبـــكِ مــن ذكــرى حبيـــب ومنــزل بسقــــط اللــوى بيـن الدخـــول فحومــــــل
( سقط اللوى والدخول وحومل ) مناطق توقفت عندها الحبيبة وهو يحدد الموضع جغرافيا .
ويقول طرفة بن العبد في هذا الباب ايضا ذاكرا اسم حبيبته خولة فيقول :
لخولـــــة اطــــلال ببرقــــــــة ثهمــــــد تلــــوح كباقـــي الوشــــم فـــي ظاهـر اليـــــد
فالاطلال منتشرة في الموقع كما ينتشر الوشم على ظاهر اليد وبرقة تعني ارضا يكثر فيها الحصى وثهمد اسم منطقة .
ويقول لبيد في هذا الباب :
عفــــت الديــــار محلهــــــا فمقامهـــــــا بمنــــــى تأبــــــد غولهــــــــا فرجامهــــــا
فالديار عفت اي ضاعت معالمها المعروفة عند وجود الحبيبة ويقول عمر بن ابي ربيعة من العصر الاموي :
يـــــا صــاح قـــل للربــــع : هـــل يتكلــــم فيبيــــــن عمـــــا سيــــــل او يستعجــــم
والربع هو الطلل اي الآثار التي لا تتكلم حقيقة ولكنها تحرك لسان الشعراء فيتكلمون ( سيل ) بمعنى سُئِل و يستعجم اي انه كالاعجمي الذي لا يستطيع الكلام بين العرب فالطلل الاعجمي لا يفصح عن الكلام بل هو وسيلة لحديث المشاعر والذكريات .