هل الجوع سياسة رسمية؟ حين تُكافأ داعش وتُعاقب كوردستان!

بقلم: أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

في عراق المفارقات، تتبدد المفاهيم بين الشعارات والواقع، وبين الدولة والدولة العميقة.
في الوقت الذي كانت فيه مدنٌ عراقية كبرى مثل الموصل تحت سيطرة تنظيم “داعش”، كانت الحكومة العراقية تواظب على دفع رواتب الموظفين فيها، وتمنحهم تعويضات عن الأضرار.
لكن حين يتعلق الأمر بإقليم كوردستان – الإقليم الآمن، المستقر، الذي احتضن ملايين النازحين وحارب الإرهاب نيابة عن الجميع – تتحول الرواتب إلى أداة عقاب جماعي، ويُقطع رزق مئات آلاف الموظفين والمعلمين والكوادر الصحية!
فهل أصبح الجوع سياسة رسمية؟
وهل يُعاقب المواطن لأنه كوردي؟
وأين نضع هذه السياسة من مفاهيم الشراكة الوطنية والدستور؟
في عام 2014، انهار الجيش العراقي في الموصل، وسقطت المدن بيد تنظيم “داعش” خلال ساعات. وبينما كانت بغداد تعيش الصدمة، كانت كوردستان وحدها تقاتل وتستقبل النازحين وتُعيد بناء الجبهات.
البيشمركة حمت أربيل وكركوك، وفتحت كوردستان أبوابها لمئات الآلاف من العائلات الهاربة من جحيم التطرف.
لكن المفارقة أن الحكومة العراقية استمرت في صرف رواتب الموظفين في المدن الخاضعة لسيطرة داعش، بينما أوقفت رواتب موظفي كوردستان بحجة الخلافات السياسية!

هل كانت “داعش” أقرب لبغداد من أربيل؟
أم أن السياسات تُبنى على الطاعة لا على الوطنية؟
إن شعب كوردستان ليس غريبًا على القسوة. فمن قصف حلبجة بالكيماوي عام 1988، إلى حملات الأنفال وتدمير آلاف القرى، إلى الحصار بعد 1991، ظل الكورد يتعرضون لسياسات تهدف إلى سحق الإرادة الكوردية لا إلى معالجة المشكلات.
واليوم، تتكرر ذات المنهجية ولكن بوسائل مالية وإدارية منها ،قطع الرواتب، خنق الموازنة، تعطيل القوانين، وشرعنة الظلم باسم “الإجراءات القانونية”!
لكن في النهاية، هل يختلف حرمان الموظف من راتبه عن تجويعه؟
وهل من الجائز أن يُستخدم “الراتب” أداة للضغط السياسي في دولة تدّعي التعددية والشراكة؟
فحين تُقطع المياه والكهرباء عن غزة(المظلومة)، يُقال إنها إبادة جماعية،وحين تُقطع الرواتب عن كوردستان، تُقال إنها خلافات إدارية!

فما الفرق بين قصف الأحياء بالمتفجرات، وقصف بطون الأطفال بالتجويع؟
أليس الجوع سلاحًا أقسى من الرصاص؟
وهل يُعقل أن تتحول المطالب الدستورية إلى مبرر للعقاب الجماعي؟
أي منطق هذا الذي يُصوّر صرف الرواتب لموظفي كوردستان تهديدًا للوطن؟
وهل الطبيب في زاخو، والمعلم في رانية، والممرضة في حلبجة، مسؤولون عن الخلافات السياسية؟
أم أن الدستور لا يشمل من يسكن الجبل ويتحدث الكوردية؟
إن ما تمارسه الحكومات العراقية المتعاقبة ضد شعب كوردستان ليس خلافًا إداريًا أو سوء فهم، بل هو امتدادٌ لسياسة قديمة جديدة:
سياسة الإخضاع بالتجويع، والانتقام من الشعوب بدل احتضانها.
لكن ما لا تعرفه هذه الحكومات (او تتجاهلها قصدا)أن الكورد لا يركعون للجوع كما لم يركعوا للرصاص.
وأن الولاء لا يُشترى بالموازنات، بل يُبنى بالعدل.

الازمة بين الحكومة الاتحادية و اربيل ليست أزمة أرقام، بل صراع كرامة بين شعب دافع عن العراق… وحكومة تُكافئه بالعقاب.
الكورد لم يطلبوا امتيازًا، بل حقًا يكفله الدستور وتثبته التضحيات.
وإذا كانت لقمة العيش تُستخدم سلاحًا ضدهم، فهذه ليست دولة بل آلة ضغط.
فإما أن تختار بغداد العدالة، أو تخسر ما تبقّى من ثقة الشراكة الوطنية.

قد يعجبك ايضا