د. توفيق رفيق التونچي
هناك اليوم جدل حول اسم مدينة الجسر الذهبي المدن القديمة تغيرت ساكنيها وإجراء نظرة سريعة على تكوين السكاني والعرقي القومي للمدن يوضح لنا كيف تتغير وتتطور وتنمو المدن إلى درجة ان هناك مدن لا نجد من مؤسسيها اليوم احدا يسكنها. التون كوپري مكان مولدي وفي العربية القنطرة او الجسر الذهبي وفي الكوردية ” پردي ” اي قرية الجسر.

تقع المدينة على منتصف الطريق بين أربيل عاصمة اقليم كوردستان ومدينة كركوك وتبعد حوالي ٤٠ كلم عن كل مدينة واصبحت اقرب الى اربيل بعد النهظة العمرانية التي شهدها الاقليم وفيها اليوم تطورات عمرانية ملحوظة لكنها منقسمة بين المدينتين حيث تنتهي حدود المدينة اربيل وسط المدينة وتبدا الجزء الاخر مرتبطة اداريا بمحافظة كركوك وهي شبيه بذلك بمدينة برلين عاصمة المانيا الاتحادية وكيف كانت منقسمة بين دولتين قبل ان تتوحد عام 1989 وتهدم الجدار الذي كان يعزل طرفي المدينة.
المدينة بنيت ابان الحضارات القديمة وهي جزيرة على الزاب الاسفل او كما يسمى كذلك (الزاب الصغير) الذي يعد أحد الروافد المهمة التي تغذي نهر دجلة، وينبع النهر من شمال غربي إيران ويدخل الاقليم ويقطع مسافة 402 كم فيه قبل ان يصب في نهر دجلة شمال مدينة بيجي في محافظة صلاح الدين، كما ويشكل هذا النهر الحدود بين العراق وإيران على طول مجراه السفلي. وكان السومريون يسمون النهر “زابو شيالو”. وقد بني لاحقا سد دوكان عليها حيث يوفر السد المياه للإقليم وبساتينها . وتربطها باليابسة جسران حديديات بنيا على الجسرين في فترة الحكم العثماني للمنطقة. اي ان التسمية الحديثة جديد ومن العهد العثماني والاسم التاريخيّ للمدينة هو “كرت هرات” وكانت عاصمه لدولة (شيمار شيمورد).
اما اسمها الحالي فقد جاءت التسمية من كلمتين “التون” وتعني الذهب ، الكلمة تستخدم في اللغة الكوردية والتوركمانية على السواء يعتقد ان ليرتين ذهبيتين كانتا قد وضعت في بدايتها ابان افتتاحها عن طريق السلطان العثماني مراد الرابع وجاءت تسمية المدينة الحالية الجسرالذهبي أي ” پرديى التون ” .
المنطقة تشتهر بالزراعة وغنية ببساتينها من أشجار فواكه وخضراوات أتذكر كنا أنا وإخوتي نتجول فيها في الخمسينيات وكان بستان “عثمان سه رخوش ” مشهورا بانتاجها للخضراوات وفيها بئر ارتوازي كنا ننزل فيه ايام الصيف القائضة.
تسكن المدينة خليط سكاني من الكورد والتوركمان وبعض الموظفين من العرب. وكانت فيها حامية عسكرية بريطانية ابان الانتداب البريطاني. افتتح الملك الشهيد فيصل الثاني محطة القطار فيها قبل اغتياله في عام ١٩٥٨ وكنت حاضرا تلك الزيارة ومشيت خلفه على القطبان الحديدية وكان فيها مدرستان ابتدائيتان على طرفي الجسر احداها للبنين والأخرى للإناث. اشتهر ابناء المدينة بالحياكة والفنون الشعبية ويتحدث ساكنوها من التوركمان بلهجة قريبة إلى لهجة أربيل وليس لهجة كركوك المعروفة كلغة قياسية ثقافية لهم.
ولدت على ضفاف الزاب حيث كان الوالد رحمه الله يعمل هناك في بيت كان صاحبها المرحوم “ملا باميا” ولا يزال البيت، قائما. سكنها عائلة الصديق شاهين من ١٩٨٦ الى ٢٠٠٣ وجدده أ لمرحوم والده خالد حاج طه حاج حميد كان موظف بالبدالة ( ابو شاهين ) وتقع في محلة صلاحية.
وقد ورد ذكر المدينة في كتابات الرحالة والمؤرخين ومن هنا مرت جحافل جيش إسكندر الكبير مما يدل على أهميتها التاريخية والإستراتيجية، ومهما كانت التسمية للمدينة في المستقل، إذا ما تغيرت، عليها ان تكون بعيدة عن اي تاثير قومي فالمدن لأبنائها وقد عاش في هذه المدينة اقوام وشعوب وجرى فيها مجازا لاهلها ابان حقبة حكم حزب البعث الفاشي ،ولكل عصر بشر يسكنون في المدن دون اي تفرقة في سلام وحوار حضاري إنساني ومن قوميات متعددة فلا يوجد اي داعي للجدال حول اسماء المدن.
الاندلس
2025