باكو… حين يتصافح التاريخ مع الحداثة في «داون تاون»

 

حمدي العطار/ باكو

 

لا تمنحنا الرحلات متعة الانتقال بين الأمكنة فحسب، بل تمنحنا فرصة لقراءة الشعوب من خلال شوارعها، واكتشاف ذاكرتها المختبئة في حجارة المدن وسلوك أهلها. وفي اليوم الأخير من مهرجان خيمة الإبداع العربي في باكو، وقبل أن تشدنا فعاليات الختام إلى قاعات الثقافة والأدب، سرقت ساعات قليلة من الزمن لأتجول في قلب العاصمة الأذربيجانية؛ في منطقة داون تاون، حيث تتجاور المدينة القديمة مع الوجه العصري لباكو، وكأن الزمن هنا يسير في اتجاهين متوازيين لا يتصادمان.

 

في باكو لا يحتاج الزائر إلى سؤال ليعرف مقدار حب الناس لوطنهم، فالعلم الأذربيجاني يرفرف في كل مكان، فوق المباني، وفي الساحات والحدائق، وعلى الواجهات العامة. إنه ليس قطعة قماش تزين الشوارع، بل حكاية وطن تُروى بالألوان.

 

الأزرق يحكي عن الجذور التركية للشعب الأذربيجاني، والأحمر يعلن الإيمان بالتقدم وبناء الدولة الحديثة، فيما يظل الأخضر شاهدًا على الانتماء الإسلامي، ويحتضن الهلال والنجمة الثمانية رموز الهوية والتنوع. ويبدو أن الأعلام تبدل باستمرار، إذ لا ترى إلا ألوانًا زاهية تتحدى الريح، وكأن الوطن يحتفل بنفسه كل صباح.

 

ندخل المدينة القديمة، فتتباطأ الخطوات من تلقاء نفسها. الأزقة الحجرية الضيقة، والجدران العتيقة، والأبواب الخشبية التي مرت عليها قرون، تجعل الزمن أقل استعجالا. هنا يمكن أن تستقل سيارة كهربائية صغيرة صديقة للبيئة تتسلل بين الأزقة بصمت وكأنها تحترم هيبة المكان فلا تكسر سكونه.

 

لكن المفاجأة تبدأ لحظة الخروج من الأسوار القديمة. ففي خطوات معدودة ينتقل المرء من زمن القوافل إلى زمن الأبراج الزجاجية ومن رائحة التاريخ إلى نبض مدينة أوروبية حديثة.

 

في شارع نظامي الذي يحمل اسم شاعر أذربيجان الأكبر تبدو الثقافة حاضرة حتى في أسماء الشوارع. وتذكرت مدينة كنجة، مسقط رأس نظامي الكنجوي، تلك المدينة التي يطلق عليها الأذربيجانيون “مدينة الشعر”. تمنيت لو كان برنامج الرحلة يسمح بزيارتها، فالأمكنة التي أنجبت الشعراء تستحق أن تزار كما تقرأ قصائدهم.

 

وحول تمثال نظامي تمتد المقاهي والمطاعم والحدائق حيث يجلس الناس بهدوء فيما تتدفق الحياة في شارع المشاة الذي يشبه في حيويته شارع الاستقلال في إسطنبول وتجاوره ساحة النوافير وجادة باكو المطلة على بحر قزوين، حيث تمتزج حركة السياح بأحاديث السكان المحليين، في مشهد لا يشعر فيه الزائر بالغربة.

 

ومن أجمل ما يلفت النظر في المدينة نظام النقل البسيط والمنظم سيارات أجرة تطبيق(bolt) تجوب الشوارع بهدوء تعمل بالعداد وتجعل التنقل بين أحياء العاصمة رحلة أخرى لا تقل متعة عن الوصول إلى المقصد.

 

ولأن باكو لا تكتفي بجمالها العمراني فقد كانت محطتنا التالية أكاديمية العلوم الوطنية الأذربيجانية ذلك الصرح العلمي الذي تأسس عام 194 ويحتضن ذاكرة البلاد العلمية والفكرية. بين قاعاته وتماثيل علمائه شعرت أن الأمم لا تبنى بالحجارة وحدها بل بالعقول التي تنتج المعرفة وتحولها إلى مستقبل.

 

وفي أحد أزقة المدينة القديمة استوقفتني بناية لا تشبه غيرها. على واجهتها كتبت بلغات العالم المختلفة عبارة واحدة تدعو إلى أن يسكن الحب قلوب البشر وتمتلئ الحياة بالرحمة. ومن نوافذها تطل تماثيل لعشاق يراقبون المارة بصمت وكأنهم يذكرون الجميع بأن المدن الجميلة لا تقوم على العمارة وحدها بل على المحبة أيضا. وبالقرب منها تقف قلعة تاريخية تخضع للترميم في مشهد يؤكد أن الحفاظ على الذاكرة جزء من احترام المستقبل.

 

كلما أطلت الإقامة في باكو ازددت اقتناعا بأنها ليست مدينة ذات وجهين قديم وحديث، بل مدينة استطاعت أن تجعل الماضي يسير جنبا إلى جنب مع الحاضر دون أن يلغي أحدهما الآخر. فهي تحفظ حجارتها القديمة كما تعتني بأبراجها الزجاجية وتمنح الشعر مكانه إلى جانب التكنولوجيا وتفتح ذراعيها للسائح كما تحتفظ بخصوصيتها الثقافية.

 

غادرت “داون تاون” وأنا أستعد لحضور الحفل الختامي للمهرجان لكنني كنت أشعر أنني حضرت مهرجانًا آخر مهرجانا اسمه باكو. مدينة تعلم زائرها أن الحضارة ليست سباقا مع الزمن بل حوارا دائما بين الذاكرة والمستقبل، وأن أجمل الرحلات هي تلك التي لا تنتهي بانتهاء الطريق بل تبدأ داخل الإنسان بعد أن يغادر المكان.

قد يعجبك ايضا