د. ابراهيم احمد سمو
لطالما حاول أن يقنع نفسه بأن الأمور بخير. كان يُجيد ارتداء القناع، ويمارس دوره ببراعة، تمامًا كما فعل في السنوات الماضية. مثّل كثيرًا، ضحك كثيرًا، وتظاهر بأنه بخير أكثر مما هو عليه حقًا. لم يكن وحده في ذلك، فالكثيرون مثله، يعيشون حياتهم كأنها مسرحية طويلة، يخشون الخروج من النص، ويتجنبون مواجهة الحقيقة.
لكنه، في لحظة ما، قرر التغيير. أراد أن يتحوّل من التمثيل إلى التأقلم. من الادّعاء إلى التعايش. حاول لسنوات أن يتأقلم مع محيطه، مع الناس، مع الظروف التي تتغير ولا تتغيّر، مع ضوضاء العلاقات التي تستهلك القلب دون أن تمنحه شيئًا. تأقلم قليلًا، لكنه لم ينجُ من التمثيل، إذ بقي الكثير منه عالقًا في زوايا روحه، يثقل خطواته، ويجعله يشعر بأنه مجرد نسخة مكررة من نفسه.
هذه المرة، فكر بطريقة مختلفة. أراد الخروج من اللعبة كلها، لا تمثيل ولا تأقلم. لا أقنعة ولا محاولة للتماشي مع ما لا ينسجم مع كيانه. بدا له الأمر في البداية صعبًا، بل مستحيلًا، لكنه سرعان ما أدرك أن المستحيل ليس في الفكرة، بل في التردد. قرر أن يبتعد. أن يتجاهل كل ما لا يشبهه، وكل من لا يفهمه، وكل ما يُعيده إلى نقطة الصفر.
وجد في القناعة بابًا للخلاص. قناعة لا تُساوم، ولا تُخدع بالشعارات الباهتة. قناعة تقول: “هذه المرة، لا مكان للتمثيل. ولا حاجة للتأقلم.” وهكذا كان. استطاع أن ينجح، أخيرًا. وبعد أن شدّ أعصابه، وواجه ذاته دون مواربة، خرج من عنق الزجاجة. كان خروجه مؤلمًا، لكنه شجاع. كسر الزجاجة التي اختنق فيها لسنوات، لا ليجرح من حوله، بل ليحرر نفسه.
تحطمت الزجاجة إلى أشلاء، وتناثرت الذكريات القديمة، كأنها قطع زجاج مهملة على قارعة الذاكرة. وقتها، فهم أنّ الحياة تشبه عنق الزجاجة كثيرًا؛ فإما أن تختنق فيها، أو تمتلك الشجاعة للخروج منها، حتى لو جرحتك الحواف. كثيرون يختارون الانفجار على من حولهم، يوزّعون الألم كأنهم يملكون حقّ المعاقبة، لكنه اختار الطريق الأصعب: أن يملك أعصابه، أن يلتف على الظلال، ويدور حول الجدران، حتى يجد منفذًا يخرج منه دون أن يؤذي أحدًا.
ذهب بعيدًا. ترك كل شيء خلفه. لم يكن الهروب جبنًا، بل شجاعة الاعتراف بأن البقاء في المكان الخطأ أشدّ قسوة من الغياب. قبل بالجديد، حتى لو كان غامضًا. لأن في الغموض فرصة. ولأن أي جديد، ولو كان مؤلمًا، فيه احتمال للراحة، خيرٌ من قديم يطحنك في مكانك، ولا يمنحك سوى الانتظار والخذلان.
فهم أخيرًا أن بعض الأماكن لا تُعاش، بل تُغادر. وبعض العلاقات لا تُرمّم، بل تُنسى. وأن من لا يتجدّد، يتآكل. وأن القديم الذي لا يتحوّل إلى جديد، لا يستحق أن يُعاش. الحياة لا تنتظر من يرضى بالبقاء في القاع، بل تفتح أبوابها لمن يجرؤ على الصعود، ولو بيدين داميتين.
لم يكن نادمًا. بل كان ممتنًا لذلك القرار الحاسم. قرار الخروج من التمثيل، ورفض التأقلم مع ما لا يشبهه. كان يعلم أن الطريق الجديد لن يكون مفروشًا بالورود، لكنه كان واثقًا أن الراحة النفسية تبدأ حين نكفّ عن الكذب على أنفسنا، ونتوقف عن التمثيل من أجل الآخرين، ونفهم أن قسوة الحقيقة أهون من نعومة الزيف.
هكذا بدأ. وهكذا خرج من بين ركام الأيام، كمن استيقظ بعد سبات طويل، يمدّ يديه للضوء، ويبتسم في وجه حياة جديدة، لم تولد بعد، لكنها قادمة… حتمًا قادمة