بقلم: أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
في موازين التاريخ، لم تُسجل شعوب نالت حقوقها بالرجاء أو الانتظار. الأمم التي انتظرت أن تُمنح، ماتت وهي تنتظر. بينما الشعوب التي نهضت وأخذت، وُلدت من جديد. “الحقوق تؤخذ ولا تُعطى” ليست مقولة مجردة، بل قانون تاريخي يحكم علاقة السلطة بالشعوب.
وقد أثبت الكورد، بأجسادهم قبل أقلامهم، صدق هذا القانون. فمنذ ولادة الدولة العراقية (بولادة قيصرية)عام 1921، وهم يُقابلون الوعود بالخداع، والشراكة بالتهميش، والشرعية بالإنكار. لكنهم، رغم كل ذلك، لم يتراجعوا، بل فرضوا أنفسهم على الخارطة السياسية والدستورية للدولة العراقية.
عندما انطلقت ثورة 14 تموز 1958، كتب الكورد سطرهم الأول في الدستور الجديد بعد عقود من الصمت القسري. فقد جاء الدستور المؤقت ليعترف بأن:
“العرب والكورد شركاء في هذا الوطن”
لكن التجربة علمتنا أن الاعتراف وحده لا يكفي، فسرعان ما انقلبت الجمهورية على وعودها، وبدأت مرحلة جديدة من الإقصاء والخذلان، خاصة في عهد عبدالكريم قاسم، ومن بعده الأخوان عارف، ثم نظام أحمد حسن البكر.
ورغم التهجير والقصف والأنفال والاغتيالات، لم تنكسر الإرادة الكوردية. بل في اذار من عام 1970، فرضت ثورة أيلول بقيادة البارزاني الاب على النظام توقيع اتفاقية 11 آذار 1970، التي منحت الحكم الذاتي لكوردستان – في سابقة لم تعرفها أي قومية غير عربية داخل الدولة العراقية.
ذلك الاتفاق لم يكن منّة من النظام، بل كان نتيجة لثورة سالت فيها الدماء، واستبسالٍ في الجبال، وصمودٍ في القرى المحروقة.
مع سقوط النظام البعثي في 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من بناء الدولة، وكان للكورد الدور المحوري في صياغة الدستور الدائم لعام 2005. لم يكن من الممكن تمرير فكرة الفيدرالية لولا التصميم الكوردي، الذي جعل من إقليم كوردستان كيانًا دستوريًا لا يمكن تجاهله، له برلمانه، وحكومته، وقواته، واقتصاده.
وكانت مادة 140 من أبرز ما حققه الكورد، والتي نصّت على معالجة المناطق المتنازع عليها، وأهمها كركوك. لكن ما حدث بعدها لم يكن إلا محاولة للالتفاف على المكاسب الدستورية. فالدولة التي وقعت على الدستور، هي ذاتها التي تمردت على روحه.
منذ عام 2014، بدأت السلطة في بغداد باستخدام المال كسلاح سياسي ضد الإقليم،فتم قطع رواتب الموظفين في كردستان و تعليق حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية و تجميد تطبيق المادة 140 واقعيا بحجج واهية و تهميش الكورد في المؤسسة العسكرية والأمنية ،وإقصاؤهم من مؤسسات القرار السياسي.
وكل ذلك في ظل صمت دولي و”ديمقراطية انتقائية” لا ترى في الكورد سوى حليف مؤقت عند الحاجة.
وفيما يتعلق الامر بالكورد فلا يمكن تحقيق الحقوق في ظل الانقسام السياسي الداخلي، وتعدد الخطابات، والتباين في الرؤى. لذا، فإن:
•وحدة الصف الكوردي ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية.
•على الكورد أن يتحدثوا بلغة واحدة وصوت واحد إلى بغداد.
•يجب التفاوض من منطق الندّية، لا التبعية.
•على حكومة الإقليم أن تستخدم الآليات الدستورية بصرامة، من المحاكم الدستورية إلى المنابر الدولية.
•يجب أن يكون هناك جدول زمني واضح لتنفيذ كل مادة دستورية غير مطبقة.
وفي زمن لا يُعترف فيه إلا بالأقوياء، لا يمكن للكورد أن ينتظروا الإنصاف من خصوم الأمس(وهذا ما اثبته الواقع مع كل الاسف). الحقوق لا تُؤخذ بخطاب ناعم، ولا تُستعاد بصبر طويل بلا حدود.
كما قال نيلسون مانديلا:
“الحرية لا تُمنح أبدًا على طبق من ذهب، بل تُنتزع بقبضة من حديد.”
وعليه، فإن الرسالة اليوم إلى بغداد واضحة: كُفّوا عن المماطلة، واحترموا الدستور، أو استعدوا لموجة جديدة من المطالبة الجريئة لن نعود بعدها خطوة إلى الوراء.
كما ان الحكومة الاتحادية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
•إما الالتزام التام بالدستور الذي كُتب بدماء العراقيين والكورد معًا،
•أو مواجهة حالة تآكل الشرعية، وتراجع ثقة أحد أهم مكونات الشعب العراقي في النظام السياسي برمّته.
وعليه لن يبقى الكورد أسرى الوعود غير المنفذة، ولا وقودًا لدورة سياسية تتجاهلهم عند توزيع الصلاحيات والثروات وتستدعيهم فقط عند المحن.
وختامًا، نقولها بوضوح:
إن الحقوق في زمن النزاعات تُنتزع بالقانون، وتُصان بالوحدة، وتُفرض بالكرامة.
والكورد، كما صنعوا ملامح العراق الجديد، لن يقبلوا أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في وطن شاركوا في تأسيسه، ولن يقفوا متفرجين على حقوقهم وهي تُختزل أو تُصادر باسم الدولة.