الفساد وإساءة استخدام السلطة في القطاعين العام والخاص

الدكتور : جيا عبدالكريم رشيد

يشكل الفساد ظاهرة خطيرة حيثما حصل وكيفما تمت ممارسته، وينتج عنه مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها، ويؤثر على القيم الاخلاقية والعدالة، وبالطبع يؤثر على تنمية المجتمع وسيادة القانون فيه، ويقترن الفساد بأشكال الجريمة، خصوصا الجريمة المنظمة والجريمة الاقتصادية وغسيل الاموال، كما تتأثر موارد الدول والمجتمعات بممارسات الفساد المختلفة، مما يهدد الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة لهذه الدول والمجتمعات، ولهذا اصبح الفساد ظاهرة ممتدة، تؤثر على جميع المجتمعات والاقتصادات، فأصبحت مكافحة الفساد مسؤولية تقع على عاتق جميع الدول، مما يستدعي تعاونا بين الدول لمكافحته والحد منه ومن آثاره، بدعم ومشاركة أفراد وجماعات خارج نطاق القطاع العام، كالمجتمع الأهلي والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المحلي، فتعمل المجتمعات والحكومات على انشاء مؤسسات تعزز قدرة الدول على منع الفساد ومكافحته بصورة فعالة.

وقد حاربت مختلف الاديان الفساد، واحتوت على مبادئ سامية وأخلاقيات عالية تدعو الى الصلاح والإصلاح والنزاهة، وتؤكد على حسن التصرف والادارة السليمة، ولجأ المشرّعون في مختلف دول العالم الى تجريم الفساد ووضع القوانين المحاربة له، كما رفضت المجتمعات على اختلاف مستوياتها الفساد ورفضته، وذلك لما كان للفساد من نتائج سلبية على المنظومات الاجتماعية، وتأخرت برامج النهضة والتنمية المجتمعية والوطنية بسبب الفساد والفاسدين والمنتفعين، وبسبب سوء استخدام الموارد، وسوء الادارة والتنظيم.

والحديث عن الفساد لا يخص مجتمعا بعينه ولا دولة بذاتها، انما هو ظاهرة عالمية تشكو منها كل الدول وبدرجات متفاوتة، تحمل اخطارا كبيرة على النمو الاقتصادي والانفاق الحكومي والاستثمار، وبدأت المجتمعات بالبحث عن اساليب الوقاية من الفساد، ومعالجة آثاره ونتائجه.
ونظرا لكون الفساد المالي والاداري ظاهرة عالمية سريعة الانتشار والانتقال عبر الحدود، فقد اقتضى مواجهتها بأساليب فنية متطورة، من بينها التثقيف حول مخاطر الفساد على المستوى الداخلي والخارجي الدولي، وتهيئة الارضية والبيئة التي تساعد اجراءات مكافحة الفساد أن تؤدي مفعولها، وتحقيق التعاون الدولي على المستوى التشريعي والقضائي فيما بين الدول والمجتمعات لمواجهة اشكال الفساد المختلفة ووضع الاجراءات الكفيلة بمنع الفساد أصلا ثم معالجة نتائجه حال حدوثها، ومنع توسع ظاهرة الفساد وانتشارها.

و تستخدم كلمة “الفساد” للتعبير عن مجموعة من السلوكيات غير الصحيحة كالرشوة والاختلاس وإساءة استخدام السلطة والابتزاز والإثراء غير المشروع والأتاوات والمتاجرة بالنفوذ، بالاضافة الى افعال ترتبط بأنشطة الفساد الرئيسية، ويُلجأ إليها للمساعدة في الشروع بهذه الانشطة، كغسيل الاموال واعاقة سير العدالة او منعها، ويعرف الفساد بأنه أفعال أو جرائم تشكل ممارسات فاسدة، وتشترك هذه الأفعال والجرائم بعنصرين رئيسيين، الاول هو أنها تنطوي على إساءة استخدام السلطة في القطاعين العام والخاص، والثاني أن الاشخاص الذين يسيئون استخدام سلطاتهم يجنون من وراء ذلك منافع ليست من حقهم يتعلق الفساد بتجاوز القوانين والتشريعات والمنظومات القائمة، وبمخالفة قيم العمل والنظام العام، ويمكن وصف جميع مظاهر الانحرافات الادارية والتنظيمية والوظيفية التي يقوم بها الموظف أثناء أدائه لمهامه المناطة به بأنها شكل او مظهر او حالة من حالات الفساد، وهذا الوصف ينطبق على جميع القوانين والتشريعات والمنظومات ذات العلاقة بالأداء الاداري والمالي، والانحرافات والمخالفات الخاصة بأجهزة الرقابة المالية والادارية، فالرشاوى والعمولات والاختلاسات والمحسوبية، وسوء اختيار الموظفين وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وتجاوز التعليمات الادارية والتنظيمية والتقاعس في تحقيق اهداف المنشأة وغير ذلك، هذه كلها مظاهر فساد معروفة لا تخلو منها المجتمعات على مر العصور.

ورغم ان الفساد هو ظاهرة طبيعية مصاحبة لحالة النمو، فهو والحالة كذلك، ثمناً لا بد منه لدفع عجلة التنمية، لكن هذا ليس تبريراً ولا موافقة لوجود الفساد، بل انما المسألة هي توصيف لوجود الفساد من الناحية الوظيفية، وتلجأ القيم الدينية والمنظومات الاخلاقية الى محاربة الفساد وتعتبره مرضاً فرديا هدّاماً للشخص، حيث يفضل الشخص هنا المصلحة الشخصية على العامة بصورة غير شرعية، مخالفاً القيم التي تعهد بالمحافظة عليها، والشرائع والمبادئ التي ترفع من المجتمع ومنظوماته الفكرية والادارية والقانونية.

قد يعجبك ايضا