السينما العراقية في عيدها السبعين من البدايات إلى تألق 2025

مصطفى حسين الفيلي
تحتفل السينما العراقية بمرور سبعين عامًا على ولادتها الرسمية، رحلة طويلة حافلة بالتحديات، تميزت فيها السينما العراقية بصوتها الخاص، المنبعث من صميم المجتمع، والمتنوع بين السياسي والاجتماعي والإنساني، رغم كل ما واجهته من انتكاسات وظروف قاسية.
بدأت السينما العراقية رسميًا عام 1955 بفيلم “فتنة وحسن” للمخرج حيدر العمر، وهو العمل الذي دُشّنت به الصناعة السينمائية المحلية من حيث الإنتاج والإخراج والتمثيل. وقد مثّل هذا الفيلم انطلاقة لعدد من المخرجين والممثلين الذين سيشكلون نواة الفن السابع في العراق.
خلال الستينات والسبعينات، شهدت السينما العراقية نوعًا من الاستقرار النسبي، وظهرت أفلام مهمة مثل:
“الجابي” (1968) إخراج جعفر علي
“الظامئون” (1972) إخراج محمد شكري جميل
“المسألة الكبرى” (1983) إخراج محمد شكري جميل الذي تناول ثورة العشرين
تلك الفترة شهدت أيضًا دعمًا من الدولة عبر “دائرة السينما والمسرح” ما أسهم في ظهور أفلام بميزانيات محترمة وقصص تحمل هوية محلية قوية.
مع اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية ثم حرب الخليج، عانت السينما من الشلل والتوظيف السياسي. وتحولت أغلب الإنتاجات إلى أعمال دعائية. لم تتوقف الصناعة، لكنها كانت تحت ضغط الرقابة وغياب التمويل الفني الحر.
رغم ذلك، خرجت أعمال مهمة وإن كانت نادرة، مثل:
“الأيام الطويلة” (1980) أُنتج لدوافع سياسية
بعد سقوط النظام عام 2003، دخلت السينما العراقية في حالة صراع مزدوج: حرية جديدة ولكن بلا تمويل مؤسساتي، مع بنية تحتية مدمّرة. رغم هذا، ظهرت موجة من الأفلام الوثائقية والروائية المستقلة شاركت في مهرجانات عالمية مثل:
“أحلام” (2006) لمحمد الدراجي
“ابن بابل” (2009) لمحمد الدراجي
“تحت رمال بابل” (2013) لعماد عبد الهادي
وقد سلطت هذه الأفلام الضوء على الجروح العراقية بصراحة مؤلمة، ونالت جوائز عربية ودولية.
رغم الحروب، والمشاكل الاقتصادية، والاضطرابات السياسية، والأزمات المتلاحقة في المنطقة، بقت السينما العراقية على المعافرة لبقائها على قصد الحياة. لم تكن السينما ترفًا ثقافيًا في زمن الوفرة، بل كانت دائمًا وسيلة مقاومة فنية وجمالية في وجه القبح والخراب.
أفلام العراق ليست فقط عن الألم، بل عن الإصرار أيضًا، عن التمسك بالهوية، وبصوت الإنسان العادي الذي يريد أن يُروى في ظل صمت العالم.
جاء عام 2025 بمثابة مفاجأة سينمائية مدهشة. إذ شهد العراق إنتاج أكثر من 12 فيلمًا سينمائيًا، وهو رقم لم يتحقق منذ عقود.
تميز العام بعدة عناصر:
1. التنوع في المواضيع
فيلم “نهارات النجف” تناول العلاقة بين الجيل الجديد والموروث الديني
فيلم “الركام” سلط الضوء على آثار الحروب على الأحياء الشعبية في الموصل
فيلم “أصوات الفرات” استخدم تقنيات صوتية متقدمة وسرد غير خطي لسرد قصة نازح في الأنبار
2. عودة النجوم والمخرجين
شهد العام عودة مخرجين كبار إلى الساحة، مثل محمد الدراجي وعماد عبد الهادي، إلى جانب وجوه جديدة في الإخراج من الشباب.
3. دخول منصات العرض العالمية
عرضت بعض هذه الأفلام في مهرجانات عالمية كـكان وبرلين وقرطاج، مع حضور مميز لفيلم “الريح تأتينا من الجنوب” في مهرجان دبي السينمائي.
في الختام عيد السينما السبعين ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل محطة تأمل وإعادة تقييم. ما تحقق خلال 2025 يؤشر على أن عراقًا جديدًا يمكن أن يُروى بالصورة والصوت، لا بالبندقية فقط. السينما العراقية قادمة، وتستحق أن تُروى كما تُروى حكايات العظماء.
قد يعجبك ايضا