ما هكذا تُبنى الأوطان: سياسة التهميش المنهجي تجاه الكورد في عهد السوداني

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر

الأوطان لا تُبنى بالخطابات، بل بالعدالةو الشراكة الدستورية. ومن هذا المنطلق، فإن السياسة التي تنتهجها حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تجاه الكورد، تمثل نموذجًا صارخًا لفشل الدولة في إدارة التنوع القومي بطريقة عادلة ومنصفة.
فعوضًا عن ترسيخ مبادئ الدولة الاتحادية، تتجه الحكومة الحالية نحو مركزة السلطة، وتهميش الشركاء الدستوريين، وتمييع الفيدرالية لصالح سلطة أحادية خالية من الضمانات القانونية.
منذ أكثر من عامين، يتعرض إقليم كوردستان لسلسلة من السياسات العقابية، التي تتراوح بين قطع الرواتب ومنع صرف المستحقات المالية المخصصة للأقليم، وتجميد الصلاحيات، وإقصاء دور البيشمركة، وتهميش التمثيل الكوردي في الدولة.
حكومة السوداني، التي رفعت شعار “الشراكة الوطنية”، تُمضي قدما في هدم أسس الفيدرالية وتحويل العراق إلى دولة بمكيالين: أحدهما لبغداد، وآخر للتهميش.
تُعامل حكومة السيد السوداني محافظات الإقليم (أربيل، السليمانية، دهوك، حلبجة) كأنها أقاليم من درجة ثانية، بينما تحظى محافظات الوسط والجنوب بمعاملة تفضيلية في التخصيصات، والمشاريع، والدعم الحكومي.
فالمشاريع الاستراتيجية الكبرى (ميناء الفاو، الربط السككي، شبكة الكهرباء) غُيِّب عنها الإقليم بالكامل.
كما ان الدعم الطارئ للأمن الغذائي، الذي شمل معظم المحافظات العراقية، لم يُصرف للإقليم بشكل عادل.
بالاضافة الى ان موازنات تنموية غير منصفة: حيث تلقّت بعض المحافظات 3 أضعاف ما خصص للإقليم رغم تشابه الكثافة السكانية.
هذا النهج يضرب بمبدأ العدالة في توزيع الثروات عرض الحائط، ويكرّس عقلية الدولة المركزية ما قبل 2003.
كما تستخدم الحكومة أدوات اقتصادية لمعاقبة الإقليم جماعيًا، في مخالفة واضحة للمسؤولية الاتحادية منها:

•قطع رواتب موظفي الإقليم أو تأخيرها تحت ذرائع بيروقراطية و”عدم التزام الإقليم”.
•منع الإقليم من تسويق نفطه رغم غياب قانون نفط اتحادي، مما فاقم من عجزه المالي.
•التحكم المركزي في المصارف والتحويلات البنكية داخل الإقليم، مما أضعف السوق والقطاع الخاص.

هذه السياسة التي تنتهجها الحكومة الفيدرالية ادى الى تحول الدولة من راعٍ للمواطنة إلى سلطة مالية انتقائية، لا ترى في الكورد سوى ملف قابل للضغط والابتزاز السياسي.
ومن خلال تفعيل قرارات المحكمة الاتحادية المسيسة، تم تقييد صلاحيات إقليم كوردستان في مجالات النفط، التعليم، التشريع الداخلي، وحتى إدارة المنافذ الحدودية. بل تم الترويج إعلاميًا لفكرة “إلغاء الفيدرالية عمليًا” تحت ذرائع قانونية باطلة.
هذا المنهج يُعد خرقًا صريحًا للمادتين (117) و(121) من الدستور، ويقوّض فكرة الشراكة التي تأسس عليها العراق الجديد بعد 2005.
ومن جانب اخر رغم أن قوات البيشمرگة هي جزء من منظومة الدفاع العراقية، وشاركت في قتال داعش بدعم دولي، إلا أن الحكومة:

•ترفض إدماجها فعليًا ضمن منظومة الدفاع الوطنية.
•تمنع عنها التمويل الاتحادي الكامل المستحق وفقًا للاتفاقيات السابقة.
•تستخدم الحصار المالي كورقة تفاوض، ما أدى إلى تراجع جاهزيتها وتضعضع وضع منتسبيها.

شهد عهد السوداني انخفاضًا حادًا في مشاركة الكورد في الوزارات، السلك الدبلوماسي، الأجهزة الأمنية، والمناصب العليا
هذا التراجع يعكس إرادة سياسية متعمدة لتهميش الكورد في بنية الدولة العراقية، بما يتنافى مع مبدأ التوازن الوطني.
ومن جانب اخر تتبع الحكومة الفيدرالية سياسة فرض الامر الواقع في المناطق المتنازعة عليهافي كركوك وسنجار وخانقين ومخمور، عبر:

•منع رفع العلم الكوردستاني، تعريب الإدارة، واعتقال الناشطين الكورد بحجج واهية.
•تهميش سكان القرى الكوردية في الخدمات والتوظيف.
•عدم تنفيذ المادة 140 رغم مرور ما يقارب سبعة عشرعامًا على الموعد الدستوري المحدد.

ما يجري هو محاولة لتقويض الوجود الكوردي في تلك المناطق عبر إجراءات ممنهجة، تشبه في بعض جوانبها سياسات ما قبل 2003.
ومن جانب اخر رغم وجود النص الواضح في المادة 65 على تشكيل مجلس الاتحاد (الغرفة الثانية للبرلمان)، لم تُتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه، ما يجعل سلطة التشريع حكرًا على مركز القرار في بغداد.

هذا الإهمال للمؤسسات الضامنة للتوازن الدستوري، هو تعبير عن رفض غير معلن للفيدرالية، وتحويل الإقليم إلى “سلطة محلية” لا شريك سياسي.
فالأوطان لا تُبنى بتقليص الشركاء، ولا بتجويعهم، ولا بإلغاء أدوارهم، بل بالاعتراف بهم كأعمدة تأسيسية لا كـ”مناطق خلاف”.
إذا استمرت الحكومة العراقية في إدارة اللامساواة بدل إدارتها للبلاد، فسنكون أمام مشروع التقسيم الاجباري للعراق.
وإن استمرار نهج السوداني سيؤدي إلى تفكك العراق لا وحدته، ما لم تُراجع بغداد خياراتها، وتُصحح مسار العلاقة مع إقليم كوردستان دستوريًا وسياسيًا وإنسانيا.
إن معالجة هذا الانحراف في العلاقة بين بغداد وأربيل تبدأ بإعادة الالتزام الصريح بالدستور دون انتقائية. يجب احترام صلاحيات إقليم كوردستان، وتثبيت حقوقه المالية والإدارية دون شروط سياسية. على الحكومة تفعيل المادة 140 وإنهاء التهميش المؤسسي للكورد في مؤسسات الدولة. كما يجب تشكيل مجلس الاتحاد فورًا لضمان التوازن التشريعي. وحدها الشراكة العادلة تحفظ العراق من التفكك وتضمن بناء وطنٍ يتسع للجميع.

قد يعجبك ايضا